من يقف وراء فكرة انفصال "القبائل الجزائرية"؟

ما بدر عن "الماك" التي تتبنى مطلب انفصال منطقة القبائل عن الجزائر يثير تساؤلات عميقة وملحة حول من يقف وراء هذه الحركات

أ ف ب
أ ف ب
فرحات مهني اثناء مهرجان في جزيرة كورسيكا الفرنسية في 8 أغسطس 2009

من يقف وراء فكرة انفصال "القبائل الجزائرية"؟

في 14 ديسمبر/كانون الأول الماضي، كان من المقرر تنظيم تجمع بالمقر الرسمي للملوك الفرنسيين (قصر المؤتمرات بمدينة فرساي) للإعلان، حسبما وصف منظم التجمع الرئيس، رئيس حركة "الماك" الانفصالية والمصنفة "إرهابية" في الجزائر بـ"إعلان استقلال منطقة القبائل". لكن المراسيم لم تقم كما كان مخططا لها في الأصل، لسبب واحد وهو أن محافظ إقليم إيفلين بفرنسا أصدر قرارا يقضي بمنعه لوجود دافعين: الظاهر والذي تبادر إلى الإعلام وهو الحفاظ على النظام العام والأمن في ظل الطابع السياسي الحساس للتجمع وارتباطه بحركة "الماك" التي تعتبرها السلطات الجزائرية تنظيما انفصاليا وما قد يرافق مثل هذه الفعاليات من توترات محتملة. أما الخفي فهو مرتبط بالبرغماتية السياسية في فرنسا والتي ظهرت كنهج يركز على المصالح الواقعية مع الجزائر، في تقدير مراقبين.

ما بدر عن حركة "الماك" التي تتبنى مطلب انفصال منطقة القبائل عن الجزائر يثير تساؤلات عميقة وملحة حول من يقف وراء هذه الحركات المتطرفة التي تعمل على مناكفة الدولة وكيف ستتعاطى هذه الأخيرة معها، لا سيما وأن هذا المشروع يعتبر أحد الملفات العالقة في الأزمة بين الجزائر وباريس التي تحتضن الحركة وتمثل مقرها؟

وتكشف وثيقة رسمية فرنسية مطبوعة أن حركة "الماك" (MAK - Mouvement pour l'autonomie de la Kabylie) مسجلة كجمعية معتمدة في فرنسا تحت اسم "الحركة من أجل تقرير مصير القبائل" (Mouvement pour l'autonomie de la Kabylie)، وتحديدا برقم اعتماد 1236 بتاريخ 24 أغسطس/آب 2024، وتعمل وفق القانون الفرنسي للجمعيات وهو القانون رقم (1901).

تطور سلوك التمرد

ظهرت الحركة التي أسسها فرحات مهني (مغن وسياسي ومعارض جزائري ولد في إيلولة أمالو إحدى بلديات دائرة بوزغن التابعة لتيزي وزو) في أعقاب الربيع الأمازيغي الذي يعود إلى تاريخ 20 أبريل/نيسان 1980 عندما منعت السلطات الجزائرية الكاتب مولود معمري من إلقاء محاضرة في جامعة "تيزي وزو" (أشهر المدن الجزائرية)، وانتهى بسقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، وخلال تلك الحقبة مكّن الفراغ الأمني الحركة من الترويج لفكرة الحكم الذاتي وكانت تعتمد عليها بشكل كبير خلال الاستحقاقات الانتخابية التي أجريت خلال الفترة الممتدة من عامي 2002 حتى 2019، واتضح هذا من خلال مجموعة من السلوكيات والتصرفات كمهاجمة مراكز الاقتراع وتكسير الصناديق والضغط لعدم التصويت باستخدام أساليب متنوعة مثل التأثير على الوعي وحتى التخويف والترهيب.

المؤكد أن كل ما حاول مهني فعله لم ينجح ولم يؤد إلى النتيجة المرجوة، وأن جهوده أخفقت، بدليل توالي الإدانات من كل حدب وصوب

وفي سنة 2013، أخذ نشاط مهني منحى تصاعديا يصعب تحجيمه، إذ سعى جاهدا إلى تدويل الأحداث التي شهدتها ولاية غرداية (600 كيلومتر جنوبا) خلال الفترة الممتدة بين 2013 و2015 وهي عبارة عن مواجهة مذهبية بين العرب السنة والأمازيغ الإباضيين وهما المكونان الثقافيان والدينيان في المدينة واللَذان عاشا في وئام وتصالح على مدى قرون عديدة.
وبرزت عدوانيته بشكل واضح في مظاهرات الحراك الشعبي إذ أعلنت وزارة الدفاع الجزائرية عن "إحباط مخططات لتنفيذ سلسلة تفجيرات تستهدفها" حيث اتضح من خلال اعترافات خطيرة أدلى بها عضو سابق في حركة "الماك" المدعو ح. نور الدين، للمصالح الأمنية عن "وجود مخطط إجرامي خبيث يعتمد على تنفيذ هذه التفجيرات ومن ثم استغلال صور تلك العمليات في حملات (حركة "ماك") المغرضة والهدامة ذريعة لاستجداء التدخل الخارجي في شؤون بلادنا الداخلية"، بحسب بيان الوزارة. والأخطر من ذلك أن "عناصر منتمية لهذه الحركة خضعت لتدريبات قتالية في الخارج وبتمويل ودعم من دول أجنبية دون أن يتم الكشف عن هويتها".

كيف ردت القبائل الجزائرية؟


المؤكد أن كل ما حاول مهني فعله لم ينجح ولم يؤد إلى النتيجة المرجوة، وأن جهوده أخفقت، بدليل توالي الإدانات من كل حدب وصوب. ومن أبرز المواقف الرافضة التي رصدتها "المجلة": الموقف الذي صدر عن شقيقة الفنان الراحل معطوب لوناس (أيقونة الأغنية القبائلية في الجزائر) ورئيسة المؤسسة التي تحمل اسمه، مليكة معطوب، حيث اعتبرت أن ربط اسم شقيقها بالمشروع الانفصالي يعتبر "تزويرا للتاريخ وإساءة لذاكرته".

من الأسباب التي جعلت الصلة تنقطع بين القبائل العميقة وفرحات مهني دعمه المطلق لإسرائيل، إذ يزور باستمرار رفقة قيادات من حركته تل أبيب ويلتقي شخصيات ومسؤولين نافذين فيها

وأكدت على أمر بالغ الأهمية، أساسي محوري ولا يمكن تجاهله، وهو أن "لوناس معطوب، رغم تمرده الفكري والفني فقد ظل وفيا لوحدة الجزائر"، وكدليل قاطع لا يقبل الشك والتأويل، ويقود إلى استنتاج بوجود خلاف بين شقيقها وفرحات مهني، قالت مليكة معطوب إن "شقيقها رفع خلال حياته دعوى قضائية واحدة فقط، وكانت ضد فرحات مهني أمام القضاء الفرنسي، معتبرة ذلك دليلا على عمق الخلاف بين الطرفين، وعلى القطيعة الفكرية والسياسية بين لوناس والطرح الذي يروّج له "الماك" اليوم.

أ ف ب
متظاهر اثناء تجمع معارض للحكومة في الثاني من ابريل 2021

ومن أبرز المواقف المؤثرة، ما خطّه نور الدين آيت حمودة (معارض سياسي ونجل الشهيد عميروش) في رسالة موجهة لفرحات مهني أعلن فيها عن "نهاية الصداقة" بعد أربعة عقود كاملة من العلاقة التي جمعته به، انطلاقا من بدايتهما داخل الحركة الثقافية الأمازيغية وفي الدفاع عن حقوق الإنسان، مرورا بالتجربة المشتركة في جمعية أبناء الشهداء، وصولا إلى سنوات السجن والنضال داخل التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (تيار علماني)، وخاطب مهني غاضبا: "كيف يمكن لمناضل كان يقدَّم كـ"مجاهِد باللحن" أن يجرؤ على إعلان استقلال منطقة بأكملها من قلب العاصمة الفرنسية؟ وكيف يتنكر للتاريخ الذي صنعته القبائل منذ 1830، من الشيخ أَحَدّاد والمقراني وفاطمة نسومر إلى عميروش وعبان رمضان؟".
وفي جانب الأحزاب، أتى الرفض حتى من داخل الحزب الذي التحق مهني بهيئته التأسيسية مباشرة بعد الانفتاح السياسي في الجزائر عام 1989 وهو حزب "التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية"، إذ اعتبر رئيسه عثمان معزوز أن من الضروري إعادة الوضوح إلى نقاش كثيرا ما تفسده الصور الكاريكاتيرية والتبسيط والاستغلال، وأكد الحزب المتجذر في المنطقة أن "منطقة القبائل لا يمكن أن تكون إقليما منفصلا أو جسما غريبا عن الأمة، بل تشكل أحد أعمدتها التاريخية والثقافية والسياسية".

نحو تجريد مناوئي الخارج من الجنسية


ومن الأسباب التي جعلت الصلة تنقطع بين القبائل العميقة وفرحات مهني دعمه المطلق لإسرائيل، إذ يزور باستمرار رفقة قيادات من حركته تل أبيب ويلتقي شخصيات ومسؤولين نافذين فيها، ويحصل منها على دعم سياسي وإعلامي لافت، وهو ما وصفه النائب السابق نور الدين آيت حمودة بـ"الانحدار" و"أسوأ أشكال الخيانة" بعد رؤيته يلوّح بالعلم الإسرائيلي في مظاهرات باريس".
مشروع ما يسمى "استقلال منطقة القبائل" قابلته السلطات الجزائرية بسكوت تام وعميق لا يقطعه شيء، حيث لم يعقب أي مسؤول على الحدث، والمؤكد أن هذا الصمت ليس فراغا بل يحمل معاني ودلالات عميقة فالنظام الجزائري سحب البساط من تحت هذا التنظيم بعد احتوائه لمشكلة الهوية واللغة الأمازيغية وتضمينها في الدستور الجزائري وإقرار رأس السنة الأمازيغية "يناير" الذي يحتفل به الأمازيغ يوم 12 يناير/كانون الثاني من كل عام عيدا رسميا وعطلة مدفوعة الأجر.

يبرر عرض أسباب القانون طرحه في هذا التوقيت بـ"اقتراح أحكام قانونية صارمة وفعالة لمعالجة ظاهرة غريبة عن المجتمع الجزائري تستهدف إلحاق الأذى الخطير بالمصالح الأساسية والحيوية للبلاد

لكن يشهد حاليا مبنى زيغود يوسف المقر الحالي للغرفة الثانية للبرلمان الجزائري حراكا داخليا مكثفا بشأن إقرار قانون يتيح للحكومة الجزائرية تجريد المناوئين المقيمين في الخارج ومرتكبي أفعال مضرة بالمصالح العليا للبلاد من الجنسية الجزائرية، وعلى ما يبدو وحسبما ورد في عرض الأسباب فإن القانون الذي حصلت "المجلة" على نسخة منه يستهدف نشطاء المجموعات المصنفة ضمن المنظمات الإرهابية من بينهما حركتا "ماك" و"رشاد" (تأسست في أبريل/نيسان 2007، من قبل مجموعة من الجزائريين المستقلين أو ممن كانوا منتمين لأحزاب أخرى).

 أ ف ب
متظاهرون يرفعون الاعلام الجزائرية والامازيغية واحجارا لبناء جدار عند مدخل دائرة تيزي ازوز في منطقة القبائل في 8 ديسمبر 2019

ويبرر عرض أسباب القانون طرحه في هذا التوقيت بـ"اقتراح أحكام قانونية صارمة وفعالة لمعالجة ظاهرة غريبة عن المجتمع الجزائري تستهدف إلحاق الأذى الخطير بالمصالح الأساسية والحيوية للبلاد والاعتداء الصارخ والمفضوح على رموز الدولة ومقوماتها من قبل أشخاص يحملون الجنسية الجزائرية ويعتقدون أنهم بعيدا عن سلطة القانون والقضاء لما يتوفرون عليه من حماية لدى دول معروفة بسياستها العدائية تجاه البلاد".
وتضبط مسودة القانون ست حالات للتجريد من الجنسية الجزائرية، سواء الأصلية أو المكتسبة، وهي على النحو الآتي: 
1-    التصرف على نحو من شأنه إلحاق ضرر جسيم بمصالح الدولة الجزائرية أو محاولة المساس بالوحدة الوطنية. 
2-    إظهار الولاء لدولة أخرى بأي شكل من أشكال التعبير مع الإصرار على نبذ الولاء للدولة الجزائرية. 
3-    القيام بخدمات لدولة أخرى بنية الإضرار بمصالح الدولة الجزائرية مع الاستمرار في ذلك بالرغم من إنذاره من قبل الحكومة الجزائرية. 
4-    استمرار العمل لدى قوات عسكرية أو أمنية أجنبية أو تقديم مساعدات لها رغم إنذاره من قبل الحكومة الجزائرية. 
5-    التعامل مع دولة أو كيان معادٍ للدولة الجزائرية. 
6-    النشاط أو الانخراط في الخارج ضمن جماعة أو منظمة إرهابية تخريبية مهما كان شكلها أو تسميتها أو قام بتمويلها أو بالدعاية لصالحها إضرارا بمصالح الدولة الجزائرية. 
وبحسب مواد القانون، سيتم التجريد من الجنسية الجزائرية بموجب مرسوم رئاسي، بعد توجيه إنذار للشخص المعني للتوقف عن القيام بالفعل أو الأفعال المشار إليها، خلال مدة لا تتجاوز ستين يوما. وفي المقابل، يتيح النص إمكانية استرداد الجنسية الجزائرية الأصلية بعد مرور أربعة وعشرين شهرا على الأقل من تاريخ التجريد منها. 

font change