ليس كل ذكاء اصطناعي ثورة في التعليم

لماذا نحتاج استجابة متمايزة ومتدرجة لا وصفات عامة؟

 MATTHIEU RONDEL / AFP
MATTHIEU RONDEL / AFP
تلامذة في مدرسة ابتدائية بكولومييه في فرنسا يستخدمون برامج تعليم مدعومة بالذكاء الاصطناعي في دروس الرياضيات، 14 مارس 2025 (Photo by MATTHIEU RONDEL / AFP)

ليس كل ذكاء اصطناعي ثورة في التعليم

بينما يحتدم الجدل حول الذكاء الاصطناعي وآثاره في مختلف القطاعات، مع حديث متصل حول "الثورة" التي سيحدثها في قطاع التعليم تحديدا، تتزاحم المنصات بالخبراء المحذرين من "انقلاب التعليم" و"اختفاء المدارس" و"استبدال المعلمين" خلال سنوات قليلة بتطبيقات ذكية توظف هذه التقينات الصاعدة.

ومع ما لهذا الخطاب من جاذبية تنبع في الأساس من قطعيته وتعميماته في ما يتناوله، لكنه يتجاهل في الواقع سؤالين بسيطين: أين يؤثر الذكاء الاصطناعي فعلا وبأي درجة؟ وعلى من؟ ثم ما الذي ينبغي أن يبقى ثابتا في التعليم مهما تغيرت الأدوات؟

المشكلة هنا ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في سوء التشخيص الذي يتعامل مع كل السياقات وكأنها سياق واحد، بما يقود إلى سياسات عامة لا تراعي الاختلاف والتفاوت. لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى استجابة متمايزة ومتدرجة بحسب القدرة على الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي أولا والجاهزية للتعامل معه ثانيا، مع دوام التركيز على المحور الذي لا يتحمل التفريط به: المهارات التأسيسية، أي التمكن القرائي والكتابي والعددي، والتفكير التحليلي.

أزمة التعلم قبل الذكاء الاصطناعي

قبل أن نختلف على الذكاء الاصطناعي، لنتفق على حقيقة أبسط: أزمة التعلم أقدم منه وأعمق. اختبارات دولية مثل PISA وPIRLS لا تقيس "ترفا تعليميا"، بل تقيس الحد الأدنى الذي يقوم عليه أي تعلم جاد، وتستخدم على نطاق واسع لقياس مستوى التعلم ومقارنته بين الدول. فالأول على سبيل المثل (PISA): يقيس أداء الطلبة في سن الخامسة عشرة في القراءة والرياضيات والعلوم، وتشير نتائجه الأخيرة (PISA 2022) إلى أنه لا يكاد يبلغ الحد الأدنى من التحصيل في الرياضيات إلا نحو 30% من الطلبة في كثير من دول المنطقة، مقابل نحو 69% في متوسط دول الـ OECD.

الاختبارات الدولية لا تقيس "ترفا تعليميا"، بل تقيس الحد الأدنى الذي يقوم عليه أي تعلم جاد، وتستخدم على نطاق واسع لقياس مستوى التعلم ومقارنته بين الدول

بينما تشير نتائج الاختبار الثاني (PIRLS)، الذي يقيس مهارات القراءة في الصف الرابع، ويستخدم كمؤشر مبكر الى "التمكن القرائي" الذي تبنى عليه بقية المعارف، إلى انخفاض نتائج دول الخليج دون المتوسط الدولي (المحدد بـ 500 نقطة) بنسب متفاوتة بين 15-71 نقطة، ولذلك فإنه من دون التركيز باستمرار على المهارات الأساس (التمكن القرائي والكتابي والعددي، والتفكير التحليلي) يصبح الحديث عن "ثورة تعليمية" حديثا جميلا، ولكن بلا أرضية.

أثر غير متساو

يأتي معظم الحديث عن الذكاء الاصطناعي في التعليم من البيئات التي تتمتع بفرص وصول أفضل للذكاء الاصطناعي وأدواته: مدارس خاصة، جامعات نوعية، أسر ميسورة، وقطاعات مهنية تتأثر سريعا بسوق التقنية. وهذا طبيعي من الناحية النظرية. فالتكنولوجيا تصل أولا الى من يملك الأدوات والوقت واللغة والمهارة. أما قطاعات واسعة إقليميا ودوليا، فلا تزال تتعامل مع سؤال أكثر بساطة: هل هناك اتصال إنترنت مستقر في المدرسة أو المنزل؟ هل هناك جهاز مناسب للتعامل مع هذه التطبيقات؟ ماذا عن توفر المعلم المتدرب على توظيف الأدوات التقنية في التجربة التعليمية؟ تكفي الإشارة هنا إلى تقارير منظمة "يونيسيف" الاممية إلى أن قرابة ثلثي الأطفال في سن الدراسة لا يملكون اتصالا بالإنترنت في المنزل أو المدرسة.

REUTERS/Nabila Eltigi
طفلة ومعلمتها تتفاعلان مع أرضية تعليمية تفاعلية في حضانة بدبي، 10 سبتمبر 2024

لهذا، فإن الاستجابة المتمايزة ليست ترفا تنظيريا، بل مقاربة تعتمد عدالة السياسات والواقعية منطلقا للتحليل: فما يصلح لجامعة نخبوية لا يصلح بالضرورة لمدرسة عامة في الأطراف. وأسوأ ما يمكن فعله هو تحويل الذكاء الاصطناعي إلى قصة إعلامية تبرر تأجيل العمل الصعب، أو إلى فزاعة تمنع التطوير الجاد.

إذا كان ثمة عبارة واحدة يجب أن نكررها بلا ملل فهي أن الذكاء الاصطناعي لا يصنع فهما من العدم. التعامل الرشيد مع الذكاء الاصطناعي يتطلب القدرة على صوغ السؤال، والتمييز بين إجاباته الصحيحة و"هلوسته"، والقدرة على الوصول إلى الموارد اللازمة للتحقق من المعلومة، والكشف عن التحيز، ثم تحويل الناتج إلى معرفة قابلة للاستخدام. وهذا كله لا يستقيم دون التمكن من المهارات القرائية والكتابية والعددية، وتوظيف أدوات التفكير النقدي والقدرات التحليلية. بدون هذه الأرضية يصبح الذكاء الاصطناعي مولدا لنصوص متقنة، لا صانعا لفهم حقيقي، وبالتالي عامل اتساع للفجوة لا أداة تقليص لها.

CN-STR / AFP
طلاب يراقبون روبوتات في قاعدة تعليمية للذكاء الاصطناعي في هاندان بمقاطعة خبي شمال الصين، 25 مايو 2023

الحوكمة أولا

من هنا تأتي أهمية مقاربة التمايز والتدريج، ففي البيئات الأفضل فرصا في الوصول والاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي (مثل المدارس الخاصة، الجامعات، البرامج النوعية)، حيث الذكاء الاصطناعي حاضر فعلا، وأثره ملموس في الواجبات المنزلية، وفي الكتابة، وفي معنى "الإنجاز الفردي". هنا لا يكون الانتظار حيادا، بل يكون تركا للميدان بلا قواعد. فالمطلوب سياسات واضحة للمسموح والممنوع، ونظام نزاهة قابل للتطبيق، وضوابط للخصوصية والبيانات، والأهم: بناء قدرات الجميع على تصميم مهام تعلم لا يكفي فيها "إخراج النص"، بل يطلب فيها إظهار التفكير ومسار بناء الإجابة، وفي قلب ذلك كله يقف المعلم: ليس كمحقق  يبحث عن "الغش والانتحال"، بل كمصمم لتجارب تعليمية ومطور لأساليب تقويمية أكثر عدالة وشمولا.

المطلوب سياسات واضحة للمسموح والممنوع، ونظام نزاهة قابل للتطبيق، وضوابط للخصوصية والبيانات

في الحديث عن الاختبارات والتقويم، فجر الذكاء الاصطناعي جدلا واسعا حول قضايا الغش والأمانة العلمية، وكان الأجدى اغتنام هذه الفرصة للتساؤل عن جدوى ما نستخدمه من أدوات للتقويم، وهنا تظهر مفارقة مهمة: كثير من المؤسسات التعليمية اضطر في مراحل سابقة إلى خفض جرعة التقويم "العميق" الذي يقيس الفهم والاستدلال والقدرة على التعبير، كالكتابة داخل الصف، والإجابات القصيرة، والمقالات التحليلية، والمراجعات الشفهية، ليس لضعف قيمتها أو قلة أهميتها، ولكن لارتفاع تكلفتها العملية خصوصا مع تضخم أعداد الطلبة. فجاء انتشار الاختبارات الموضوعية في كثير من البيئات لا لأنها الأفضل دائما، بل لأنها الأسرع في التصحيح والمعالجة. أما التقويم العميق فنجاعته تتوقف على تغذية راجعة عالية الجودة، وبدونها يتحول إلى عبء إداري أكثر منه أداة للتعلم ومقياسا حقيقيا لتحقيق نواتجه.

REUTERS/Rula Rouhana
طالبة تستشير الدكتورة ليلى، خبيرة الطب التقليدي المعززة بالذكاء الاصطناعي، في جامعة دبي الطبية، 26 يناير 2026

هنا تحديدا، وبشكل قد لا يتوقعه كثيرون، يمكن الذكاء الاصطناعي أن يفتح بابا إيجابيا إن أحسنا إدارته: ليس لتخفيف المعايير، بل على العكس لرفعها وتحسينها من خلال تنويع أدوات القياس، واسترجاع أساليب التقويم العميق، وتخفيف العبء عن المعلم في "التصحيح الأولي"،  مع بقاء الحكم النهائي والمراجعة وضمان العدالة مسؤولية بشرية كاملة.

وبذلك يتحول الجدل من "كيف نمنع الغش؟"، إلى سؤال أكثر جدوى: كيف سيساهم الذكاء الاصطناعي في تطوير تقويم يظهر التعلم ويحد من قابلية الالتفاف عليه؟

خريطة الطريق: استجابة متمايزة ومتدرجة

إذا أردنا تلخيص المسار دون تعقيد، فالفكرة ليست في وصفة واحدة للجميع، بل في ترتيب واع للأولويات بحسب الجاهزية. فلا معنى للتأخر والانتظار في تلك البيئات حيث يتوفر الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي بالفعل، مثل المدارس الخاصة والجامعات والبرامج النوعية. بل المطلوب المبادرة إلى ضبط الاستخدام بسياسات واضحة، وبناء قدرات المعلمين على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، ثم إعادة تصميم التقويم بحيث يظل صادقا في قياس التعلم وقادرا على الحد من الالتفاف عليه. أما حين يتعذر الوصول لهذه الأدوات أو تتعثر الجاهزية لتوظيفها الأمثل، فلا يصح أن يصبح الذكاء الاصطناعي بديلا من العمل التعليمي الأساسي.  

Matthieu RONDEL / AFP
تلامذة مدرسة ابتدائية يرفعون أيديهم للمشاركة في صف يستخدم أدوات ذكاء اصطناعي في كولومييه، 14 مارس 2025

وفي جميع البيئات والسياقات، تبقى الأولوية لرفع المهارات الأساس (التمكن القرائي والكتابي والعددي، والتفكير التحليلي) وتحسين جودة التدريس، وتوظيف أدوات الذكاء الاصطناعي تدريجيا، متى تهيأت الفرصة- بحيث تضيف قيمة حقيقية وتخدم التعلم لا الضجيج.

ليست المشكلة في "الأداة"، بل في قدرتنا على أن نجعلها خادمة للتعلم، لا بديلا منه

في الختام، فالذكاء الاصطناعي لن يلغي المدرسة، لكنه سيختبرها. سيكافئ النظم التعليمية الجادة التي تركز على المعارف والمهارات الأساسية، وتضبط التقويم، وتستثمر في المعلم، ويكشف تلك النظم التي تستبدل العمل الصعب بضجيج سهل.

وفي النهاية، ليست المشكلة في "الأداة"، بل في قدرتنا على أن نجعلها خادمة للتعلم، لا بديلا منه.

font change