بينما يحتدم الجدل حول الذكاء الاصطناعي وآثاره في مختلف القطاعات، مع حديث متصل حول "الثورة" التي سيحدثها في قطاع التعليم تحديدا، تتزاحم المنصات بالخبراء المحذرين من "انقلاب التعليم" و"اختفاء المدارس" و"استبدال المعلمين" خلال سنوات قليلة بتطبيقات ذكية توظف هذه التقينات الصاعدة.
ومع ما لهذا الخطاب من جاذبية تنبع في الأساس من قطعيته وتعميماته في ما يتناوله، لكنه يتجاهل في الواقع سؤالين بسيطين: أين يؤثر الذكاء الاصطناعي فعلا وبأي درجة؟ وعلى من؟ ثم ما الذي ينبغي أن يبقى ثابتا في التعليم مهما تغيرت الأدوات؟
المشكلة هنا ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في سوء التشخيص الذي يتعامل مع كل السياقات وكأنها سياق واحد، بما يقود إلى سياسات عامة لا تراعي الاختلاف والتفاوت. لذلك تبدو الحاجة ملحة إلى استجابة متمايزة ومتدرجة بحسب القدرة على الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي أولا والجاهزية للتعامل معه ثانيا، مع دوام التركيز على المحور الذي لا يتحمل التفريط به: المهارات التأسيسية، أي التمكن القرائي والكتابي والعددي، والتفكير التحليلي.
أزمة التعلم قبل الذكاء الاصطناعي
قبل أن نختلف على الذكاء الاصطناعي، لنتفق على حقيقة أبسط: أزمة التعلم أقدم منه وأعمق. اختبارات دولية مثل PISA وPIRLS لا تقيس "ترفا تعليميا"، بل تقيس الحد الأدنى الذي يقوم عليه أي تعلم جاد، وتستخدم على نطاق واسع لقياس مستوى التعلم ومقارنته بين الدول. فالأول على سبيل المثل (PISA): يقيس أداء الطلبة في سن الخامسة عشرة في القراءة والرياضيات والعلوم، وتشير نتائجه الأخيرة (PISA 2022) إلى أنه لا يكاد يبلغ الحد الأدنى من التحصيل في الرياضيات إلا نحو 30% من الطلبة في كثير من دول المنطقة، مقابل نحو 69% في متوسط دول الـ OECD.



