ليالي ألف ليلة وليلة.... سيرة رمضان في أزقة القاهرة

تقاليد عريقة شكّلت طابع المدينة على مرّ الأزمنة

Khaled DESOUKI / AFP
Khaled DESOUKI / AFP
عرض الدراويش لرقصة "التنورة" في مجمع السلطان الغوري بالقاهرة خلال رمضان، 20 أبريل 2022

ليالي ألف ليلة وليلة.... سيرة رمضان في أزقة القاهرة

في عام 1598، وصف الرحالة الفرنسي جاك دو فيلامون بعض مظاهر احتفالات القاهريين بشهر رمضان، فتحدث عن مواكب دراويش الصوفية وحلقات الذكر، والمساجد المضاءة وزحام الأسواق، وعن مآدب الإفطار التي يدعو إليها القاهريون الأهل والأصدقاء، ويصف المصريين بالكرم، فيقول: "ولديهم عادة جميلة، إذ يجلسون على الأرض ويأكلون في فناء مكشوف أو أمام بيوتهم، ويدعون المارة إلى الطعام في صدق وحرارة". هذه الأوصاف لا تزال حاضرة إلى يومنا هذا في أجواء مصر الرمضانية، وكأن الزمن لم يمر بالقاهرة عندما يتعلق الأمر برمضان.

تعرف أجواء رمضان في مدينة القاهرة بأنها من بين الأكثر حميمية وبهجة في سائر العواصم العربية والمدن الإسلامية، فمن أسباب تميز الشهر الفضيل في مصر، تلك الطقوس الرمضانية القديمة التي تعود بالزمن الى نشأة القاهرة نفسها، من فوانيس المسحراتي ومدفع الافطار إلى الخيم الرمضانية وموائد الرحمن وحركة الأسواق. كلها طقوس قاهرية قديمة، لا تزال حاضرة في الشارع المصري.

في انتظار القمر: كيف صاغ المصريون ليلة الرؤية عبر التاريخ؟

تبدأ طقوس شهر رمضان المبارك برؤية الهلال، والرؤية تقليد ضارب في الوجدان القاهري، حيث تروي الحكايات سجالا لطيفا بين المؤرخين حول هوية أول قاض اعتلى منصة الرؤية. فبينما يرى الإمام السيوطي أن القاضي غوث بن سليمان كان الرائد في هذا المضمار، يذهب شيخ المؤرخين الكندي إلى أن الفضل يعود الى القاضي ابن لهيعة، الذي عاش في القرن الثامن الميلادي، وهو الذي سن تقليد "موكب الشهود"، فكان يخرج في جماعة من أهل الصلاح إلى الجيزة ثم إلى سفح جبل المقطم، ليتحول استطلاع الهلال من مجرد ترقب فردي إلى طقس رسمي مهيب تشهده الرعية.

رغم استبدال "دكة القضاة" بالمراصد الفلكية والشاشات الرقمية، لم يفقد المصريون شغفهم بلحظة الإعلان عن رؤية الهلال

ومع مرور الزمن، تبلورت فكرة "دكة القضاة" فوق جبل المقطم، وهي منصة مرتفعة أعدت خصيصا للقضاة ليرقبوا منها ميلاد القمر بعيدا من حجب المباني والمساجد. ولكن مع حلول العصر الفاطمي، شهدت هذه الشعيرة تحولا فريدا وجديدا، إذ أبطل الخلفاء الفاطميون رؤية القاضي ليعتمدوا نظاما حسابيا يجعل الشهور تتناوب بين النقص والكمال، وأصبح خروج الخليفة في موكبه هو الإعلان الرسمي عن بدء الصيام، ومن هنا ولد الصخب الجمالي لليلة الرؤية، حيث استبدلت القاهرة ثوبها الهادئ بحلة من الأنوار والفوانيس، وتحولت الشوارع إلى مسارح للإنشاد الديني وتوزيع الحلوى، في مزيج بديع بين الوقار الروحي والبهجة الشعبية.

MOHAMED EL-SHAHED / AFP
مصريون يتجولون في سوق خان الخليلي بالقاهرة خلال شهر رمضان، 22 يونيو 2015

بقي مشهد الموكب ممتدا حتى بعد انقضاء دولة الفاطميين، وامتزج بعودة العلماء للرؤية في عصر الأيوبيين والمماليك، ولم تغب هذه المشاهد الآسرة عن أعين الرحالة والعلماء الأجانب، فقد وصف عالم الحملة الفرنسية فرنسوا جومار بدقة مدهشة موكب الرؤية في القاهرة، واصفا إياه بكرنفال من المشاعل والجمال التي تحمل العازفين وهم يقرعون الطبول المعدنية في صخب محبب يسبق الشهر بيومين.

ومع انتقالنا إلى العصر الحديث، ورغم استبدال "دكة القضاة" بالمراصد الفلكية والشاشات الرقمية، لم يفقد المصريون شغفهم بلحظة الإعلان عن رؤية الهلال، إذ تحولت ليلة الرؤية من موكب على ظهور الخيل والجمال إلى تظاهرة إعلامية واجتماعية ضخمة، تضاء فيها الفوانيس في الشوارع والأسواق والبيوت، وتزدان بها منصات التواصل الاجتماعي ويلتف الجميع حول وسائل الإعلام ليعرفوا خبر الرؤية اليقين، ليبقى هلال رمضان في الوجدان المصري أكثر من مجرد ظاهرة فلكية، بل هو إيذان ببدء موسم من المحبة والصفاء.

فوانيس رمضان: قصة النور الذي طلع من القاهرة

المعلومة التي قد يجهلها الكثيرون هي أن القناديل الرمضانية كانت تضيء المساجد في مكة المكرمة والبيت الحرام قبل قيام الدولة الفاطمية بزمن طويل، بالتحديد في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، الذي كان أول من جمع الناس على صلاة التراويح، فأضيئت المساجد بحلقات القرآن وأنوار القناديل. ويروى أن عليا بن أبي طالب حين رأى جنبات المسجد تزهر بالأنوار في أول ليلة من رمضان، غمرته السعادة ودعا لعمر بن الخطاب قائلا: "نور الله لعمر قبره كما نور مساجد الله بالقرآن".

KHALED DESOUKI / AFP
مصريون يبحثون عن فوانيس رمضان في وسط القاهرة استعدادا للشهر الفضيل، 12 فبراير 2026

 إلا أن مصر منحت الفانوس خصوصية فريدة، ففرق المؤرخون بدقة بينه وبين القنديل. فبينما كان القنديل الزجاجي يقتات على الزيت والنفط، كان الفانوس ابتكارا سهل الطي يعتمد على الشمع والأسلاك، كما عرفه المستشرق الهولندي رينهارت دوزي في كتابه "تكملة المعاجم العربية". هذا التحول من الزيت إلى الشمع، يحمل خلفه قصة مدهشة من التآلف الاجتماعي، يرويها لنا المؤرخ المسعودي في كتابه "مروج الذهب"، حين وصف احتفالات مصر بعيد الغطاس في القرن العاشر الميلادي، في زمن الإخشيديين، حيث كان المسلمون يشاركون الأقباط احتفالاتهم التي تضاء فيها آلاف المشاعل والشموع في ليلة لا تغلق فيها دروب الفسطاط، مما يوحي بأن الفانوس الشمعي الرمضاني استلهم بريقه من هذا التمازج الثقافي البديع.

كان المسلمون يشاركون الأقباط احتفالاتهم التي تضاء فيها آلاف المشاعل والشموع في ليلة لا تغلق فيها دروب الفسطاط، مما يوحي بأن الفانوس الشمعي الرمضاني استلهم بريقه من هذا التمازج الثقافي

ثمة رواية تعيد أصل عادة استقبال الشهر الكريم بالفانوس إلى ليلة الخامس عشر من رمضان عام 362هـ، حين استعد المصريون لاستقبال المعز لدين الله الفاطمي عند مشارف القاهرة. ولكي تظل الشموع صامدة أمام الريح، ابتكر القاهريون قواعد خشبية مغطاة بالجلود تحمي هذا النور، فكانت تلك اللحظة هي الميلاد الأول لطقس سنوي صار فيه الفانوس رفيقا لاستقبال الشهر الفضيل. وفي رواية أخرى، يقال إن الخليفة كان يخرج في موكب استطلاع الهلال يتبعه موكب من النساء والأطفال الذين يحملون فوانيسهم ويتغنون بأهازيج الاحتفال بالشهر الفضيل.

ويقال إنه في عهد الحاكم بأمر الله، تحول الفانوس من احتفاء عفوي إلى أمر جليل، حيث يذكر المؤرخون أنه أمر بإضاءة المساجد والأزقة بالفوانيس طوال الشهر الكريم، بل وجعل لكل بيت نصيبا من الضوء يعلق أمام أبوابه، ومن هنا نبعت رواية رابعة تروي أن الفانوس كان بمثابة جواز مرور، إذ لم يكن يسمح للنساء بالخروج ليلا إلا في رمضان، شرط أن يسبقهن الأطفال بالفوانيس لإنارة الطريق وتنبيه الرجال كي يفسحوا لهن السبيل تقديرا وإجلالا.

وقد رصد المقريزي في كتابه "المواعظ والاعتبار" كيف كان الناس، من أعلاهم إلى أدناهم، يتسابقون في المغالاة بأثمان الفوانيس لتعليقها في الحوانيت والأسواق، مما جعل رؤيتها في الليل "من أنزه الأشياء" وأكثرها ملاحة. هكذا، اجتمعت أقوال المؤرخين لترسم لنا صورة الفانوس كإرث حضاري مصري، ولد من رحم التآخي، واغتنى بترف الصنعة، ليظل يضيء لنا دروب الشهر الكريم بعطر التاريخ وسحر الحكاية. وهذا السحر المصري لفت أنظار الرحالة الأجانب مبكرا، فالأب فليكس فابري الذي زار القاهرة عام 1483م، وقف مبهورا أمام الفوانيس الملونة التي يحملها الكبار والصغار، بينما وثق المستشرق الإنكليزي وليام لين كيف كانت المآذن ومداخل المساجد تتحول في رمضان إلى ثريات عملاقة من الأنوار تتلألأ بمجرد ثبوت الرؤية، في مشهد يختلف تماما عن بقية أيام العام.

Khaled DESOUKI / AFP
حركة مرور قرب بائع فوانيس رمضان في شبرا بالقاهرة مع بدء شهر رمضان، 12 أبريل 2021

مرت صناعة الفانوس برحلة تطور مدهشة، فبدأت من الشمعة المحتمية بالخشب والجلود، لتنتقل إلى عالم الصفيح المزدان بالنقوش والزخارف التي عكست جمال الفنون المعدنية والزجاجية في القصور والمساجد، وصولا إلى النحاس المطعم بالزجاج الملون، ثم استبدال الشموع بالفتيل والزيت، حتى بلغنا عصرنا الحديث الذي نبضت فيه الفوانيس بأغاني رمضان وأضواء اللمبات الملونة.

كان السلطان المملوكي الظاهر خشقدم يختبر مدفعا جديدا عند الغروب، فدوى صوته في سماء القاهرة ليظن الناس أنه تقليد سلطاني جديد ينذرهم بالإفطار

وعلى الرغم من أن صناعة الفوانيس أصبحت اليوم من أقصر المهن عمرا، إذ تزهو بشهرها الوحيد ثم تعود الى سباتها بقية العام، إلا أن روحها لا تزال تنبض في أحياء القاهرة العتيقة. ففي خان الخليلي وحي الجمالية، وفي باب الشعرية والحسين، تزدحم الأزقة بآلاف الفوانيس التي تمنح المكان بهجة ملونة، أما منطقة تحت الربع فتضم ورش الحرفيين الذين يبدؤون نسج هذا الجمال قبل حلول رمضان بشهور، حيث ينتج الصانع الماهر عشرات الفوانيس يوميا، لتظل روح الفانوس وسحره متجذرين في قاهرة المعز، تروي للأجيال كيف استحال الضوء حكاية مصرية خالدة.

REUTERS/Hadeer Mahmoud
مشهد عام لسوق خان الخليلي في القاهرة القديمة خلال شهر رمضان، 11 أبريل 2023

مدفع الافطار: اضرب

في مصادفة تاريخية مدهشة، تحول صوت المدفع من نذير حرب إلى بشارة إفطار. فيحكى أنه في أحد أيام رمضان من عام 865هـ، كان السلطان المملوكي الظاهر خشقدم يختبر مدفعا جديدا عند الغروب، فدوى صوته في سماء القاهرة ليظن الناس أنه تقليد سلطاني جديد ينذرهم بالإفطار، فأقبلوا عليه شاكرين، ومن يومها أصبحت طلقات المدفع تدوي في سماء القاهرة لتعلن وقت الإفطار، وإن كانت هذه القصة مستبعدة، لأن المماليك استنكفوا استخدام المدافع، حتى أنهم عايروا العثمانيين بها قائلين: "قاتلونا كما كان يقاتل رسول الله" بالسيوف.

Ahmed HASAN / AFP
إطلاق مدفع الإفطار في قلعة القاهرة إيذانا بموعد الإفطار في رمضان، 13 أبريل 2021

وتتعدد الروايات لتمنح مصادفة مدفع الإفطار وجها آخر في عهد الخديوي إسماعيل، حين انطلقت قذيفة طائشة أثناء تنظيف الجنود لأحد المدافع، فصادفت وقت أذان المغرب. وحين علمت الأميرة فاطمة ابنة الخديوي بإعجاب الناس بالفكرة، يقال إنها طلبت إصدار فرمان بجعل صوت المدفع طقسا رسميا ينبئ بالإفطار والإمساك، ليعرفه المصريون منذ ذلك الحين باسم مدفع الحاجة فاطمة. ومع الوقت، انتقل المدفع من أسوار قلعة صلاح الدين إلى قمة جبل المقطم، ليعانق صوته أبعد الآفاق في المحروسة.

الطريف أن عادة مدفع الإفطار هي الأخرى تعدت حدود القاهرة، وتناثرت طلقات مدافع الإفطار في العديد من مدن العالم الإسلامي. وبينما صمتت مدافع الحروب، يظل مدفع القلعة هو الصوت الأكثر ألفة في وجدان الملايين، حين ينقل عبر الأثير صوت طلقاته التي تعلن للعالم أن القاهرة، بصدفها الجميلة وتاريخها العريق، قد حان وقت إفطارها.

المسحراتي: منادي قلب الليل

"اصح يا نايم وحد الدايم،" هذه هي الجملة الأشهر للمسحراتي في دروب القاهرة العامرة، وهي جملة قديمة لا تزال أصداءها تتردد بين حجارة البيوت.

تبدأ قصة المسحراتي حين أمر الحاكم بأمر الله الناس بالنوم عقب صلاة التراويح، فكان جنوده يطرقون الأبواب بعنف عليهم لإيقاظهم للسحور، قبل أن يستقر الرأي على استخدام الدف لإيقاظ القاهريين لوجبة السحور دون إفزاعهم. وفي منعطف تاريخي مثير، دخل الوالي عتبة بن إسحاق التاريخ عام 832هـ كأول مسحراتي يقرن الدف بصوته، حين سار مترجلا من الفسطاط إلى مسجد عمرو بن العاص مناديا بصوته: "يا عباد الله تسحروا فإن في السحور بركة"، فمنح المهنة صبغة رسمية جعلتها محببة لقلوب العامة. ومع بزوغ عصر المماليك، لمع اسم ابن نقطة، شيخ طائفة المسحراتية والمنادي الخاص للسلطان الناصر محمد بن قلاوون، لتبدأ الطبلة الصغيرة "البازة" دقاتها المنتظمة القوية التي لم تعد تكتفي بالإيقاظ، بل أصبحت تعزف زجلا شعبيا يمتع السامعين ويغري النيام بترك وسائدهم.

كانت النساء يقذفن من المشربيات ورقة مشتعلة تضم قطعة نقدية، ليلتقطها المسحراتي ويرتل لهن سورة الفاتحة أو يقص عليهن حكايات شعبية

وفي موسوعة "وصف مصر"، يصف العالم الفرنسي غيوم فيوتو المسحرين بأنهم "نفر لا يسمع الناس غناءهم إلا خلال شهر رمضان... يعلنون عن اللحظة التي يوشك فيها نور النهار الجديد أن ينبلج من ظلام اليوم المنصرم"، موضحا كيف كان لكل مسحر منطقة وحارة لا يتخطاها، يوقع فيها دقاته الأربع المتلاحقة التي تفصل بين الأدعية والحكايات، وموضحا أيضا أجر المسحراتي، الذي كان مرآة لزمنه، إذ لم يكن أجره نقدا فقط، بل حصة من الخراج أو قدحا من القمح والذرة يجود به الساكن حسب قدرته، بينما كان المسحراتي، بمروءة فطرية، لا يقف عند أبواب الفقراء طلبا للأجر.

MOHAMED EL-SHAHED / AFP
المسحراتي يوقظ الصائمين قبل السحور في القاهرة خلال رمضان، 14 يونيو 2016

أما المستشرق وليام لين، فرسم لوحة تضج بالحياة حين وصف المسحراتي وهو يمسك طبلته بيساره وسوطه بيمينه، ويرافقه صبي يحمل قناديل النخيل، قائلا:  "يدور المسحرون كل ليلة... يطلقون المدائح أمام منزل كل مسلم قادر على مجازاتهم". وينفرد لين بنقل مشهد أنثوي طريف شهدته حارات القاهرة، إذ كانت النساء يقذفن من المشربيات ورقة مشتعلة تضم قطعة نقدية، ليلتقطها المسحراتي ويرتل لهن سورة الفاتحة أو يقص عليهن حكايات شعبية كقصة "الضرتين"، في تمازج بديع بين طقوس العبادة وفكاهة السهر.

REUTERS/Amr Abdallah Dalsh
عامل يعرض صفحات من وثيقة "وصف مصر" التي أُنقذت من معهد مصر العلمي قرب ميدان التحرير، 19 ديسمبر 2011

واليوم، ورغم أن منبهات الهواتف الجوالة سلبت المسحراتي وظيفته الأساس، إلا أن ظهوره في الشوارع المصرية يظل صامدا كأيقونة للفرح، لا لإيقاظ القاهريين الذين لا ينامون أصلا في ليالي رمضان، ولكن لإيقاظ الحنين، وممارسة طقس عريق يرفض الاندثار. فالمسحراتي لم يعد مجرد مناد للسحور، بل صار هو حارس الذاكرة الرمضانية الذي يخبرنا أن الفجر، مهما طال الليل، سيأتي دائما ببركة ما.

موائد الرحمن وصحون السماء

يرجع أصل مائدة الرحمن في شكلها الأول إلى زمن النبوة، حين استقبل الرسول الكريم وفد الطائف بالإكرام وبمائدة طعام. لكن لم تتخذ مائدة الرحمن شكلها المؤسسي الباذخ إلا في قلب القاهرة على يد الخليفة العزيز بالله الفاطمي. فكانت مطابخ القصر تعد يوميا ألفا ومائة قدر تفيض بأطايب الطعام لتطعم عمار جامع عمرو بن العاص والمحتاجين. ولم يكن الجود ينتهي عند الإفطار، بل كان الخليفة يرقب مشهد الوجوه المستبشرة من شرفة قصره، غارقا في سماع القرآن حتى ينتصف الليل، لتبدأ جولة أخرى من توزيع الهدايا وبسط موائد السحور، محولا ليل القاهرة إلى مأدبة تلفها الرحمة والسكينة.

Khaled DESOUKI / AFP
موائد إفطار جماعي في عزبة حمادة بالمطرية في القاهرة خلال رمضان، 25 مارس 2024

تفتح لنا المصادر التاريخية، من المقريزي إلى الجبرتي، نافذة على زمن كانت فيه القاهرة في رمضان أشبه بكرنفال حي يمزج بين قداسة العبادة وبذخ العطاء. ففي العصر الفاطمي، كانت قاعة الذهب في القصر الفاطمي تشهد مد "الأسمطة" السلطانية، وهي موائد تفيض بما لذ وطاب في أواني الذهب والصيني، التي ضمت آلاف الخراف والدجاج ومئات أطباق الحلويات وجرار ماء الورد، في مشهد لا يغادر فيه أحد القصر إلا وقد نال نصيبه. ولم يقتصر الأمر على تقديم الطعام، بل كان المصريون يجتمعون عند أبواب القصور في مستهل الشهر في تقليد إداري طريف، مطالبين بصرف رواتبهم واستحقاقاتهم لمواجهة نفقات الشهر، لتبلغ الميزانية الإجمالية، بين صدقات وكسوة وأسمطة، مبالغ خيالية تقدر بملايين الدولارات في معايير عصرنا، مما يعكس فلسفة الدولة الفاطمية في جعل رمضان موسم الوفرة للجميع.

لعل أشهر موائد الإفطار الجماعية هي المائدة المطرية، وهي الكبرى في العالم وفقا لموسوعة "غينيس"

ومع تعاقب العصور، ظل الكرم المصري يتلون بصبغة الحكام، فبينما أنشأ السلطان الكامل الأيوبي بقلعة الجبل قاعة رمضان ليدني الفقهاء والصالحين من مجلسه، كان السلطان المملوكي الظاهر برقوق يمارس كرمه بلمسة إنسانية شاملة، إذ كان يذبح يوميا خمسا وعشرين بقرة توزع مع آلاف الأرغفة على أهل المساجد، والمدارس، وحتى قاطني السجون، ليعم الشبع والسرور وراء كل الأبواب الموصدة. ولم يكن الكرم حكرا على السلاطين، بل برزت شخصيات أثرت في الوجدان الشعبي، مثل لؤلؤ الحاجب الأرمني، الذي كان يقف بنفسه مشدود الوسط، يخدم الفقراء ويوزع عليهم اثني عشر ألف رغيف يوميا، مفضلا إطعامهم "اللحم المذاب" أولا، وقبل أن يبسط موائد الأكابر، في صورة تجسد ذروة التفاني والعطاء.

Ahmed HASAN / AFP
طفلة تسير في باحة الجامع الأزهر قبل الإفطار خلال رمضان، 7 مارس 2025

واليوم لا تزال موائد الرحمن تملأ طرق القاهرة الكبيرة والصغيرة في مشهد مجتمعي يستمر في شوارع المحروسة منذ أكثر من ألف عام، ولا يزال أيضا مشهد إفطار المصريين الجماعي مستمرا إلى اليوم، ولعل أشهر موائد الإفطار الجماعية هي المائدة المطرية، وهي الكبرى في العالم وفقا لموسوعة "غينيس"، إذ تضم آلاف الصائمين من الطبقات الاجتماعية كافة، بعد أن كانت في بدايتها مجرد مائدة رحمن لإفطار المحتاجين.

الخيمة الرمضانية: حين استحال بيت الشعر وطنا لأيام القاهرة

منذ أن أرسى جوهر الصقلبي دعائم القاهرة عام 358هـ، وهي تبتكر لنفسها في كل رمضان ثوبا جديدا، ولعل الخيمة الرمضانية هي الثوب الأكثر فرادة من بين أثواب القاهرة، فهي ابتكار مصري النشأة لم يعرف له العالم نظيرا. بدأت فكرة الخيام الرمضانية مستوحاة من خيام المتصوفة، وعرفت في العصر الفاطمي ببيت الشعر، وكانت تنصب فيها حلقات الذكر والتواشيح. هذه الخيام مأخوذة أصلا من فكرة  "السرادق" المصرية التي كانت تنصب ولا تزال للعزاء، ثم استقرت في وجدان المدينة كأيقونة رمضانية تجمع بين جلال العبادة وبهجة السهر.

REUTERS/Mohamed Abd El Ghany
مصلون يؤدون صلاة التراويح في ليلة القدر في الجامع الأزهر بالقاهرة، 17 أبريل 2023

خيام السرادق هي نفسها خيمة رمضان، وهي ليست مجرد أقمشة، بل لوحات فنية حية تصاغ يدويا في سوق الخيامية قرب الغورية، حيث يبدع الفنان المصري في تطريز الزخارف النباتية والهندسية بألوان زاهية يطغى عليها الأحمر والأبيض، في تعشيقات بديعة تعود جذورها الى العصر المملوكي، واليوم تنتشر الخيام عبر بلدان ومدن العالم العربي، بعد أن أصبحت مطبوعة على الأقمشة.

تبقى الخيمة شاهدا حيا على عبقرية المدينة التي صهرت الفن والتدين معا، لتروي حكاية القاهرة التي لا تنام إلا مع مطلع النهار

ومع مرور الزمن، اتسعت رحابة هذه الخيام لتحظى بوجود أهل الفكر والثقافة، ففي العقود الماضية، كان ليل رمضان ينقسم داخل الخيام الرمضانية بحسب الأيام العشرة: فالعشرة الأوائل كان يتلى فيها القرآن بصوت الشيخ المنشاوي، والعشرة أيام الوسطى كان يسيطر عليها الفولكلور الشعبي، أما الختام فكان يشدو في خيام رمضان القاهرية كبار النجوم مثل أم كلثوم ومنيرة المهدية والشيخ علي محمود، في أجواء روحانية تجمع بين الطرب والوقار.

REUTERS/Asmaa Waguih
غروب الشمس فوق مسجد محمد علي في قلعة القاهرة، 14 يونيو 2009

واليوم، انتقلت الخيمة من الأحياء الشعبية البسيطة إلى أرقى الفنادق والساحات، لكنها ظلت وفية لروحها القديمة، حيث تتمايل رقصات التنورة على وقع الابتهالات، وتستضيف الندوات الأدبية كبار المفكرين والشعراء. وهكذا ينتهي ليل القاهرة ما بين صلاة التراويح وذكر السحر، لتبقى الخيمة شاهدا حيا على عبقرية المدينة التي صهرت الفن والتدين معا، لتروي حكاية القاهرة التي لا تنام إلا مع مطلع النهار.

font change