في عام 1598، وصف الرحالة الفرنسي جاك دو فيلامون بعض مظاهر احتفالات القاهريين بشهر رمضان، فتحدث عن مواكب دراويش الصوفية وحلقات الذكر، والمساجد المضاءة وزحام الأسواق، وعن مآدب الإفطار التي يدعو إليها القاهريون الأهل والأصدقاء، ويصف المصريين بالكرم، فيقول: "ولديهم عادة جميلة، إذ يجلسون على الأرض ويأكلون في فناء مكشوف أو أمام بيوتهم، ويدعون المارة إلى الطعام في صدق وحرارة". هذه الأوصاف لا تزال حاضرة إلى يومنا هذا في أجواء مصر الرمضانية، وكأن الزمن لم يمر بالقاهرة عندما يتعلق الأمر برمضان.
تعرف أجواء رمضان في مدينة القاهرة بأنها من بين الأكثر حميمية وبهجة في سائر العواصم العربية والمدن الإسلامية، فمن أسباب تميز الشهر الفضيل في مصر، تلك الطقوس الرمضانية القديمة التي تعود بالزمن الى نشأة القاهرة نفسها، من فوانيس المسحراتي ومدفع الافطار إلى الخيم الرمضانية وموائد الرحمن وحركة الأسواق. كلها طقوس قاهرية قديمة، لا تزال حاضرة في الشارع المصري.
في انتظار القمر: كيف صاغ المصريون ليلة الرؤية عبر التاريخ؟
تبدأ طقوس شهر رمضان المبارك برؤية الهلال، والرؤية تقليد ضارب في الوجدان القاهري، حيث تروي الحكايات سجالا لطيفا بين المؤرخين حول هوية أول قاض اعتلى منصة الرؤية. فبينما يرى الإمام السيوطي أن القاضي غوث بن سليمان كان الرائد في هذا المضمار، يذهب شيخ المؤرخين الكندي إلى أن الفضل يعود الى القاضي ابن لهيعة، الذي عاش في القرن الثامن الميلادي، وهو الذي سن تقليد "موكب الشهود"، فكان يخرج في جماعة من أهل الصلاح إلى الجيزة ثم إلى سفح جبل المقطم، ليتحول استطلاع الهلال من مجرد ترقب فردي إلى طقس رسمي مهيب تشهده الرعية.










