الصين النووية بين الردع والتوسع... من عقيدة ماو الى توازنات ما بعد "نيو ستارت"https://www.majalla.com/node/329822/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%AF%D8%B9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%88%D8%B3%D8%B9-%D9%85%D9%86-%D8%B9%D9%82%D9%8A%D8%AF%D8%A9-%D9%85%D8%A7%D9%88-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%AA%D9%88%D8%A7%D8%B2%D9%86%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D9%86%D9%8A%D9%88-%D8%B3%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D8%AA
الصين النووية بين الردع والتوسع... من عقيدة ماو الى توازنات ما بعد "نيو ستارت"
سباق في عالم متغير
رويترز
مجموعة الضربات الاستراتيجية تستعرض صواريخ DF-5C النووية خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى الثمانين لانتهاء الحرب العالمية الثانية، في بكين، الصين، 3 سبتمبر 2025
الصين النووية بين الردع والتوسع... من عقيدة ماو الى توازنات ما بعد "نيو ستارت"
في صيف 1946، بعد عام واحد فقط من القصف النووي لليابان، وصف ماو تسي تونغ القنبلة الذرية بأنها "نمر من ورق"، في إشارة إلى قوتها السياسية أكثر من كونها أداة حرب. ومع ذلك، قررت الصين خلال عقدين امتلاك السلاح النووي، ليس بهدف شن حرب، بل لضمان ردع مضمون ضد أي تهديد نووي. ومنذ ذلك الحين، صاغت بكين عقيدة نووية قائمة على الردع الأدنى وعدم الاستخدام الأول، مع التركيز على القدرة على البقاء بعد أي ضربة محتملة.
اليوم تبدو المفارقة لافتة. فبينما تؤكد الصين تمسكها بهذه العقيدة، تشير تقديرات غربية إلى توسع سريع في منشآتها الصاروخية وزيادة في قدراتها النووية، ما أعاد طرح السؤال القديم بصيغة جديدة: هل ما زالت بكين تفكر نوويا بعقلية ماو، أم إن صعودها كقوة عظمى يفرض عليها عقيدة مختلفة؟ لا سيما في ظل مشروع التحديث الواسع لجيش التحرير الشعبي الصيني؟
اكتسب السؤال زخما إضافيا بعد انتهاء صلاحية معاهدة "نيو ستارت" في 5 فبراير/شباط 2026، آخر اتفاقية ثنائية بين الولايات المتحدة وروسيا تحد من ترسانتيهما النوويتين. فقد تجاهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب عرض فلاديمير بوتين تمديد المعاهدة لعام واحد، وطالب بإشراك الصين في أي اتفاق جديد للحد من الأسلحة الاستراتيجية، وهو ما رفضته بكين بشدة.
غير أن انتهاء الاتفاقية اليوم يعيد طرح مسألة أوسع في ظل عودة تنافس القوى الكبرى، بعدما بات الانتقال إلى التعددية القطبية أكثر واقعية، الأمر الذي يفرض تحديات على مختلف جوانب نظام ضبط التسلح الذي نشأ خلال الحرب الباردة، وقام على توازن ثنائي، واستمر فاعلًا وإن بدرجات متفاوتة لنحو ثلاثة عقود بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
تختلف العقيدة النووية الصينية تاريخيا عن نظيرتيها الأميركية والروسية في نقطة أساسية: فالسلاح النووي في الفكر الصيني لم يُصمَّم كأداة قتال، بل كأداة سياسية لمنع الحرب
ومع توجّه متزايد لروسيا، عقب غزو أوكرانيا، إلى تطوير وتحديث ترسانتها النووية، ومبادرتها إلى تعديل عقيدتها بما يجعل لجؤها إلى السلاح النووي أكثر مرونة، تفرض هذه التحولات تحديات مباشرة على الاستراتيجية النووية الأميركية نفسها.
ويحذر محللون أميركيون من أن الاستراتيجية النووية الأميركية صُممت لمواجهة خصم واحد، الاتحاد السوفياتي، وليس أكثر من خصم في آن واحد. ويزيد التعقيد تنامي التنسيق بين بكين وموسكو، ويشكك هؤلاء في قدرة نظام ضبط التسلح القديم على التعامل مع واقع وجود ثلاث قوى نووية كبرى، معتبرين أنه في ظل التعقيدات الناشئة سيكون أي اتفاق محتمل أكثر هشاشة، بما يضع العالم أمام عهد نووي جديد.
عقيدة نووية شكلتها الصدمات
تختلف العقيدة النووية الصينية تاريخيا عن نظيرتيها الأميركية والروسية في نقطة أساسية: فالسلاح النووي في الفكر الصيني لم يُصمَّم كأداة قتال، بل كأداة سياسية لمنع الحرب. ومنذ تجربة 1964، أعلنت بكين مبدأ "عدم البدء بالاستخدام"، وربطته بمفهوم "الردع الأدنى"، أي الاحتفاظ بترسانة محدودة لكن موثوقة تضمن القدرة على الانتقام بعد أي ضربة محتملة، مع الحفاظ على الهيكل الاستراتيجي للصواريخ والقيادة لضمان بقاء القدرة على الرد، وليس فقط التوازن العددي.
صور للزعيم الشيوعي الصيني الراحل ماو تسي تونغ في كشك بسوق للتحف في بكين، يوم 26 ديسمبر 2023، الذي يصادف الذكرى المئوية والثلاثين لميلاد مؤسس الصين الشيوعية
ولدت هذه العقيدة من سلسلة صدمات شكلت الوعي الأمني الصيني: القنبلة الأميركية على هيروشيما وناغازاكي عام 1945، تلويح واشنطن باستخدام السلاح النووي خلال أزمتي مضيق تايوان في خمسينات القرن الماضي، القطيعة مع السوفيات عام 1959 وسحب خبرائهم النوويين، إضافة إلى المخاوف من ضربة نووية سوفياتية محدودة خلال الاشتباكات الحدودية على نهر أوسوري عام 1969.
نظر ماو إلى القنبلة بوصفها "نمرا من ورق"، لكنه اعتبر امتلاكها ضروريا لضمان عدم قدرة أي قوة كبرى على ابتزاز الصين نوويا
هكذا نشأت مفارقة صينية: نظر ماو إلى القنبلة بوصفها "نمرا من ورق" سياسيا، لكنه اعتبر امتلاكها ضروريا لضمان عدم قدرة أي قوة كبرى على ابتزاز الصين نوويا. وقد أفرز ذلك عقيدة تقوم على ردع محدود موثوق مع التمسك بسياسة عدم الاستخدام الأول، مع تركيز متزايد لاحقا على جعل القدرة على الرد قابلة للبقاء لضمان الانتقام المؤكد لا الإطلاق السريع.
اليوم، تظل هذه العقيدة هي الإطار الذي توجه به الصين سياساتها النووية: فهي تبرر التوسع التدريجي للترسانة مع الحفاظ على مبدأ الردع الأدنى وعدم الانخراط في سباق تكافؤ عددي.
ففي اجتماع أممي في اكتوبر الماضي، شدد سون شياوبو، المدير العام لإدارة مراقبة الأسلحة في وزارة الخارجية الصينية على أن "السياسة النووية الصينية مستقرة ومتسقة وتستند إلى عقيدة الدفاع الذاتي، حيث تلتزم الصين بعدم الاستخدام الأول وعدم المشاركة في أي سباق تسلح، والحفاظ على ترسانتها في أدنى مستوى مطلوب لأمنها الوطني".
صاروخ JL-1 الباليستي من الجيل الأول الذي يُطلق من غواصة نووية خلال عرض عسكري بمناسبة الذكرى الثمانين للانتصار على اليابان ونهاية الحرب العالمية الثانية، في ميدان تيانانمن ببكين في 3 سبتمبر 2025
وأشار سون شياوبو الى أن "جهود الحد من التسلح يجب أن تقوم على مبدأ الأمن للجميع، وليس على تعزيز تفوق دولة على أخرى، وأن الدول صاحبة الترسانات الأكبر تتحمل مسؤولية أساسية في تقليص ترساناتها النووية بشكل ملموس وموثق، وضمان استقرار الردع العالمي قبل أي مفاوضات جديدة."
الترسانة الأسرع نموا
وبالنظر إلى الأرقام الصادرة في 2025، قدر معهد استكهولم الدولي لأبحاث السلام ونشرة علماء الذرة بأن الصين لديها نحو 500 إلى 600 رأس نووي، مقابل نحو 5580 رأسا لروسيا، ونحو 5240 رأسا للولايات المتحدة. ووفق المصدر نفسه، لدى الصين ما بين 24 إلى 60 رأسا نوويا جاهزا للاستخدام مقابل حوالي 1580 لروسيا، و1740 للولايات المتحدة، ما يعني عمليا أن حجم الترسانة الصينية وكذلك قدرتها الضاربة الفعلية لا يزال أقل بعشرات المرات من واشنطن وموسكو.
غير أن الأميركيين ينظرون إلى وتيرة نمو الترسانة النووية الصينية، التي تضاعفت في غضون 14 عاما، فمنذ تولي شي جينبينغ السلطة في 2012 ارتفع حجم الترسانة من نحو 260 رأسا إلى نحو 600، ما يجعلها الأكثر نموا على المستوى العالمي. ويقدر آخر تقرير سنوي للبنتاغون عن القوة العسكرية الصينية أن الترسانة الصينية ستتجاوز 1000 رأس نووي بحلول عام 2030.
وبحسب المصادر الأميركية، لم يقتصر التحديث النووي الصيني على زيادة عدد الرؤوس، بل شمل إنشاء مئات صوامع الصواريخ العابرة للقارات في شينجيانغ وقانسو، وإدخال صاروخ "DF-41" متعدد الرؤوس النووية إلى الخدمة، ونشر غواصات الصواريخ الباليستية من فئة "جين" المزودة بصواريخ "JL-3"، إضافة إلى منصات إطلاق متحركة على الطرق والسكك الحديدية.
في هذا السياق، يقول الزميل الأول في برنامج السياسات النووية وبرنامج كارنيغي للصين، تونغ تشاو، إن "التعزيز النووي المستمر للصين يشكل أحد الدوافع الرئيسة لقرار الولايات المتحدة السماح بانتهاء معاهدة (نيو ستارت) واستعادة واشنطن خيار توسيع قدراتها النووية عبر تحميل رؤوس إضافية على أنظمة الصواريخ القائمة". ويضيف أن "القلق الأساسي لم يعد في روسيا، بل في بكين، التي تمتلك القدرة والنية لتحدي الهيمنة العسكرية الأميركية، خصوصا في بؤر التوتر مثل تايوان، ما قد يقود إلى صراع مباشر وخطير بين واشنطن وبكين".
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قبل مكالمة فيديو مع الرئيس الصيني في موسكو في 4 فبراير 2026
في المقابل، يرى هو شيجين، وهو معلق سياسي قومي في صحيفة "غلوبال تايمز" التابعة لصحيفة الشعب اليومية، أن تعزيز الترسانة الصينية يبقى في أساسه دفاعياً، قائلاً: "حتى مع 1000 رأس نووي، تظل الترسانة الصينية جزءاً صغيراً مقارنة بالترسانة الأميركية، لكن القدرة على البقاء بعد الضربة الأولى تمنح الصين رادعاً فعالاً ضد أي تهديد نووي أميركي، بما يرسخ موقفها الدفاعي". ويضيف: "إذا شعرت واشنطن بعدم قدرة على تحمل الردع النووي الصيني، فإن هذا القلق يعكس طموحات غير واقعية ويُعد في النهاية نتيجة أفعالها الخاصة."
التنافس الجيوسياسي وتايوان
يجادل الكثير من المسؤولين الصينيين والخبراء المتابعين للملف الصيني بأن تعزيز بكين لقدراتها النووية يأتي ردا على سياسة الاحتواء الاستراتيجي الأميركية ومحاولة تقييد صعود الصين اقتصاديا وعسكريا وردا على نشر منظومات الدفاع الصاروخي الأميركية، والضربات التقليدية الدقيقة، والقدرة الأميركية على استهداف قيادة الصين ونقاط حيوية أخرى، بالإضافة إلى الحاجة لتأمين الرد بعد أي ضربة.
كما أن بكين ترى أن تطوير القدرة النووية يحول دون قدرة الولايات المتحدة على ممارسة "الابتزاز النووي" ويضمن للصين هامش تحرك أكبر في ملف تايوان، بما يعزز قدرتها على مواجهة أي تهديد أو تدخل نووي محتمل في حال قررت توحيد الجزيرة بالقوة.
بكين ترى أن تطوير القدرة النووية يحول دون قدرة الولايات المتحدة على ممارسة "الابتزاز النووي" ويضمن للصين هامش تحرك أكبر في ملف تايوان
يأتي ذلك فيما تبدو إدارة ترمب عازمة على تطوير القدرات النووية وهو ما نصت عليه صراحة استراتيجية الدفاع القومي الصادرة في يناير/كانون الثاني الماضي، علما أن ترمب أعلن في أكتوبر 2025 خلال توجهه إلى أول لقاء بولايته الثانية مع شي جينبينغ في كوريا الجنوبية، أنه أمر باستئناف التجارب النووية وذلك للمرة الأولى منذ 33 عاما.
النظام الدولي الجديد
ولا يزال من غير المحسوم إدراج الملف النووي الصيني على جدول أعمال اللقاء المرتقب بين ترامب وشي جينبينغ الشهر المقبل. ويرى تونغ أن بكين تسعى أولًا إلى استيضاح ما إذا كانت إدارة ترامب تمضي فعلًا نحو الابتعاد عن نهج المواجهة الأيديولوجية والاحتواء الاستراتيجي، كما عكسته استراتيجيتا الأمن القومي والدفاع الوطني الصادرتان أخيرًا، وما إذا كان هذا التوجه سيستمر. وإلى أن تتضح هذه المسألة، ستبقى الصين متحفظة إزاء الانخراط في محادثات جدية للحد من التسلح.
وفي ظل ضبابية نيات واشنطن وعدم اتضاح ملامح النظام الدولي قيد التشكل وموقع بكين فيه، تبدو الدعوات الأميركية إلى تقييد الترسانة النووية الصينية أقرب إلى أداة ضغط سياسي منها إلى سياسة متماسكة للحد من الانتشار، وهو ما يعني أن بكين ستظل مترددة بشدة في أي التزام يفرض عليها تقليص ترسانتها، رغم احتمال مشاركتها في مفاوضات استكشافية، لا سيما إذا أسفرت زيارة ترامب عن نتائج إيجابية.