غزة بين الإعمار المجتزأ والرهان الأميركي الصعبhttps://www.majalla.com/node/331244/%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9/%D8%BA%D8%B2%D8%A9-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%85%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%AA%D8%B2%D8%A3-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%87%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B9%D8%A8
تمضي الولايات المتحدة في خططها لإطلاق مسار إعادة إعمار غزة وإدارتها في المناطق الخارجة عن سيطرة "حماس"، بما يفتح نافذة أمل نادرة أمام سكان القطاع الذي أنهكته الحرب، رغم ما يحيط بهذه الخطط من عقبات جسيمة.
كما تضع هذه الخطط مصر أمام حسابات دقيقة، نظرا إلى دورها المحوري في التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة، وإلى الدور الذي تطمح إلى الاضطلاع به في مرحلة التعافي والإدارة بعد الحرب.
وتقوم الفكرة على إنشاء جيوب قابلة للإدارة داخل غزة، تتولى فيها إدارة مدنية انتقالية المسؤولية، وتبدأ جهود التعافي، وتتدفق إليها المساعدات بكميات كافية، وتنطلق فيها أعمال إعادة الإعمار. وقد تبلورت هذه الخطط بعدما بدا أن "مجلس السلام"، الذي يرأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فقد الأمل في أن تفي "حماس" بالتزامها إلقاء السلاح.
وبعد أسابيع من المداولات، بما في ذلك اجتماعات في القاهرة مع ممثلين عن "حماس" ومحاورين آخرين، خلص المجلس إلى قناعة مفادها أن الحركة لن تتخلى عن سلاحها، ولن تفكك شبكة أنفاقها.
وبمعنى ما، يعكس رفض "حماس" نزع سلاحها انعدام ثقتها بالعملية برمتها، بما في ذلك شكوكها في استعداد إسرائيل أو قدرتها على الوفاء بالتزاماتها بموجب خطة ترمب ذات النقاط العشرين لوقف إطلاق النار، التي أُعلن عنها في شرم الشيخ في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي.
وعلى الرغم من أن وقف إطلاق النار في غزة صمد رسميا منذ دخوله حيز التنفيذ، فإنه يبدو قائما إلى حد كبير على الورق.
ويواصل الجيش الإسرائيلي ضرب مناطق مختلفة من غزة، مما يوقع مزيدا من القتلى ويضيف إلى حصيلة تتجاوز 70 ألف قتيل خلّفتهم الحرب المستمرة منذ عامين على القطاع الساحلي. كما يواصل تدمير ما تبقى من مباني غزة وبنيتها التحتية المدنية.
وتواصل إسرائيل توسيع احتلالها لغزة، دافعة بما يسمى "الخط الأصفر"، الذي يحدد المنطقة العسكرية الإسرائيلية، إلى عمق أكبر داخل القطاع. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد كشف في وقت سابق من مايو/أيار أن جيشه بات يسيطر على أكثر من 60 في المئة من غزة، بعدما كانت النسبة 53 في المئة من مساحة القطاع البالغة 365 كيلومترا مربعا.
ويمنح هذا الاتساع في البصمة العسكرية الإسرائيلية قدرا من الوجاهة لبعض مخاوف "حماس"، وهي مخاوف زادتها حدةً الدعوات الإسرائيلية إلى إعادة توطين سكان غزة، وظهور مقترحات تنموية ترمي إلى تحويل القطاع الساحلي إلى منتجع دولي براق.
تقوم الفكرة على إنشاء جيوب قابلة للإدارة داخل غزة، تتولى فيها إدارة مدنية انتقالية المسؤولية، وتبدأ جهود التعافي، وتتدفق إليها المساعدات بكميات كافية، وتنطلق فيها أعمال إعادة الإعمار
بارقة أمل هشة
بالنسبة إلى أكثر من مليوني فلسطيني في غزة، لم يجلب وقف إطلاق النار سوى قدر ضئيل من التخفيف عن معاناتهم.
صحيح أن القتل الجماعي والقصف اللذين طبعا حرب إسرائيل على القطاع على مدى عامين تراجعا جزئيا، لكن الحياة اليومية لا تزال قاسية إلى حد كبير كما كانت أثناء القتال. فما زال الغزيون يواجهون حر الصيف القائظ وبرد الشتاء القارس في العراء. وهم محاطون بركام منازلهم وشوارعهم ومؤسساتهم المدنية، وبذكريات مرة عن أحبائهم الذين قتلوا بنيران إسرائيلية، ولا يجدون مكانا يذهبون إليه في أرض تبدو، عند النظر إليها من الجو، أقرب إلى "موقع هدم"، كما لاحظ ترمب سابقا، مرددا ما قاله مبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، الذي وُثق أنه زار القطاع مرتين على الأقل في عام 2025.
طفل فلسطيني يحمل طفلة يسير في منطقة مدمرة وسط أنقاض المباني السكنية في مدينة غزة، 11 مايو
ولا تزال المساعدات الإنسانية تدخل غزة بكميات محدودة، من دون أن تخفف فعليا من الجوع واسع النطاق أو تخفض معدلات سوء التغذية التي بقيت عند مستوياتها السابقة. أما المرافق الطبية القليلة التي لا تزال تعمل، فتفتقر إلى قائمة تبدو بلا نهاية من الإمدادات والمعدات الأساسية.
صحيح أن القتل الجماعي والقصف اللذين طبعا حرب إسرائيل على القطاع على مدى عامين تراجعا جزئيا، لكن الحياة اليومية لا تزال قاسية إلى حد كبير كما كانت أثناء القتال
وكما أشارت "الأونروا" في تقرير صدر منتصف مايو/أيار، فإن توسع المنطقة العسكرية في غزة من شأنه أن يعرقل التدخلات الإنسانية، ويزيد الضغط على السكان، ويرفع المخاطر الناجمة عن العنف. كما حذرت الوكالة من شبه انهيار النظام الصحي في غزة، ولا سيما مع تفاقم أزمة صحية عامة تغذيها القوارض والحشرات الناقلة للأمراض، بما يفاقم هشاشة ظروف معيشية متدهورة أصلا.
وفي هذا السياق، من شأن انتقال غزة إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار والإدارة المدنية، ضمن خطة وقف إطلاق النار، أن يبعث الأمل لدى سكان لم يعودوا يطلبون سوى فرصة للعيش مثل سائر البشر، بأمان وسلام.
ويدرك الغزيون أن إعادة الإعمار والعودة إلى الحياة الطبيعية لا يمكن أن تتحققا بين ليلة وضحاها. ويدركون أيضا التعقيدات العملية التي تنطوي عليها هذه المرحلة الانتقالية. ومع ذلك، فإن مجرد احتمال حدوث تغيير، أي تغيير إيجابي، سيمنحهم فرصة متجددة للعيش بقدر من الكرامة والأمن.
حسابات القاهرة البرغماتية
تضغط مصر منذ اكتمال المرحلة الأولى من خطة ترمب لوقف إطلاق النار في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2025 من أجل تنفيذ المراحل اللاحقة من الخطة.
ومن غير المرجح أن تعترض القاهرة على الانتقال إلى إعادة الإعمار والإدارة في المناطق الخارجة عن سيطرة "حماس"، لأسباب تتصل بموقفها الأيديولوجي من الحركة وبمخاوفها الأمنية الخاصة.
فقد فضلت مصر منذ وقت طويل إدارة لغزة تستثني "حماس". أما فكرة تشكيل لجنة من تكنوقراط فلسطينيين غير حزبيين لإدارة غزة، تعرف رسميا باسم "اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة"، فقد وُلدت في القاهرة في مارس/آذار 2025. وكانت أبرز سماتها استبعاد "حماس".
نتنياهو يزور الجنود الاسرائيليين في رفح جنوب قطاع غزة في 18 يوليو 2024
وفي ذلك الوقت، لم تقدم مصر المقترح على أنه خطوة موجهة ضد "حماس". غير أن كل من تابع العلاقة بين القاهرة والحركة التي تحكم غزة منذ اثني عشر عاما يدرك عمق الفجوة الأيديولوجية بين الطرفين. فـ"حماس" تمثل تيارا من الإسلام السياسي تعارضه مصر وتحاربه في الداخل والخارج.
وترى مصر- التي وضعت خطتها الخاصة لإعادة إعمار غزة في مارس/آذار 2025 ردا على مقترح ترمب بشأن "ريفييرا الشرق الأوسط"- أن إعادة إعمار القطاع مسألة أمن قومي. فبالنسبة إلى القاهرة، تشكل إعادة الإعمار أيضا حاجزا ضروريا في وجه تهجير سكان غزة إلى سيناء، وهي الأرض المصرية التي تحد كلا من غزة وإسرائيل.
ومن شأن إطلاق عملية إعادة الإعمار أن يتيح لـ"اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة غزة" نقل عملياتها من القاهرة إلى داخل الأراضي الفلسطينية نفسها، بما يسمح بإدارة أكثر فاعلية للمرحلة الانتقالية.
ومع ذلك، لا يزال المسؤولون المصريون قلقين من أن يؤدي استبعاد "حماس" إلى خلق فراغ أمني في غزة وإضعاف السيطرة على حدود القطاع مع سيناء.
ويخضع مئات من رجال الشرطة الفلسطينيين، بحسب تقارير، لتدريبات في مصر استعدادا لنشرهم في غزة، حيث سيتولون مسؤولية الشؤون الأمنية خلال مرحلة إعادة الإعمار.
مخاطر إعادة الإعمار المجتزأة
غير أن بدء مسار إعادة الإعمار والإدارة في المناطق الخارجة عن سيطرة "حماس" أسهل تصورا منه تنفيذا.
فبقاء أجزاء من غزة تحت سيطرة "حماس" سيقيد حرية الحركة بين مناطق القطاع المختلفة، بما يعرقل جهود إعادة الإعمار. وكانت الكلفة الإجمالية لإعادة إعمار غزة قد قُدرت سابقا بنحو 70 مليار دولار.
وفي 19 فبراير/شباط من هذا العام، تعهدت تسع دول أعضاء في "مجلس السلام" بتقديم مليارات الدولارات لتمويل خطة إعادة الإعمار. لكن جزءا ضئيلا فقط من هذه الأموال وصل إلى المجلس.
وقد بددت الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران كثيرا من الآمال المعقودة على تمويل إعادة إعمار غزة، بعدما ألحقت أضرارا مؤلمة باقتصادات دول الخليج التي كان يُتوقع أن تتحمل الجزء الأكبر من هذا التمويل. كما تركت الحرب آثارا سلبية على الاقتصاد الدولي، مما قلل احتمالات تبرع دول أخرى بأموال لإعادة بناء غزة.
فلسطينيون نازحون في شارع تتناثر فيه المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة، في السادس من مايو 2026
وبعيدا عن آثار الحرب، يشترط معظم المانحين الدوليين، في مساهماتهم المحتملة، أن تنزع "حماس" سلاحها وأن تُستبعد من مستقبل غزة.
وبالنسبة إلى "حماس"، تبدو هذه الشروط أقرب إلى حكم بالإعدام.
فالحركة، التي لا تزال تبحث عن قيادة سياسية مستقرة المعالم، تدرك أن ما تبقى في يدها من سلاح، وشبكة الأنفاق التي تديرها في أنحاء غزة، والمناطق التي تسيطر عليها، تمثل ورقتها الأخيرة.
ومن المرجح أن تتمسك "حماس" بهذه الورقة، رغم إدراكها حجم الضرر الذي ألحقته بشعبيتها بين الفلسطينيين، بعد الدمار الذي جلبته على غزة وعلى القضية الفلسطينية ككل، من خلال تنفيذ هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 في إسرائيل، وهي أفدح سوء تقدير استراتيجي وعسكري في تاريخ الحركة الممتد على مدى أربعة عقود.
وفي المقابل، فإن إعادة إعمار أجزاء من غزة، مع التسليم ببقاء أجزاء أخرى تحت سيطرة "حماس"، ستوجه ضربة موجعة إلى الآمال بإقامة إدارة مدنية فلسطينية موحدة في غزة والضفة الغربية المحتلة، كخطوة على طريق تحقيق حلم الدولة الفلسطينية.
وعلى الرغم من كل المنافع التي قد تحملها إعادة الإعمار الجزئية في غزة، فإنها تنطوي على مخاطر ينبغي وزنها بعناية، بينما يرسم "مجلس السلام" مسارا جديدا لهذا القطاع المنكوب.