لجنة "إدارة غزة"... عقبات إسرائيلية عالقة وأهداف أميركية استراتيجية

التمكين أساس نجاح عمل لجنة "إدارة القطاع"

OMAR AL-QATTAA / AFP
OMAR AL-QATTAA / AFP
نازحون فلسطينيون يقفون على طريق غمرته مياه الأمطار في مدينة جباليا شمال قطاع غزة، 25 نوفمبر 2025

لجنة "إدارة غزة"... عقبات إسرائيلية عالقة وأهداف أميركية استراتيجية

في 14 يناير/كانون الثاني الحالي، أعلن مبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، بدء المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار بين حركة "حماس" وإسرائيل، والإعلان عن تشكيل لجنة لإدارة الحكم في قطاع غزة، ومكونة من شخصيات فلسطينية تكنوقراطية، تبعها إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عن تشكيل "مجلس السلام" وإدارته التنفيذية، والتي ستكون مهمتها دعم والإشراف على عمل اللجنة في استلام الحكم من "حماس"، والبدء في مرحلة إعادة الإعمار. وذلك وفقا لبنود ورقة ترمب التي أعلن عنها في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

جاء تشكيل لجنة "إدارة غزة"، بموافقات أميركية-إسرائيلية على الشخصيات الفلسطينية التي ستتولى مهامها برئاسة الدكتور علي شعث، وكخيار ثان عقب إصرار إسرائيل على رفضها السماح بعودة السلطة الفلسطينية، وتمكين حكومتها برئاسة الدكتور محمد مصطفى من استعادة الحكم والإشراف عليه في القطاع، وهو ما أسس لبداية مرحلة جديدة لوجود حُكم فلسطيني أقل من وجود السلطة التي تأسست، نتيجة "اتفاقية أوسلو" بين "منظمة التحرير الفلسطينية" وإسرائيل عام 1993، وبإشراف أميركي مباشر على الحكم.

كذلك، ستباشر اللجنة عملها في الحكم، وتقديم الخدمات وإعادة الإعمار، بما يشمل تطوير مدن القطاع، وفق الرؤية والخطط الأميركية، على أقل من نصف مساحة القطاع التي كانت تحكمها السلطة حتى عام 2007 ثم سيطرة "حماس" على الحكم، وصولا إلى حرب الإبادة، حيث لا يزال الجيش الإسرائيلي يسيطر على أكثر من 60 في المئة من مساحته، ولا يزال موضوع الانسحاب من كامل المناطق الفلسطينية، موضع نقاش دون قرار فعلي إسرائيلي ينهي ذلك، وتتذرع إسرائيل بحقها في الحفاظ على أمن مواطنيها، وعدم البدء في نزع السلاح.

ورحبت الدول الوسطاء "مصر وقطر وتركيا" وكذلك السلطة الفلسطينية، بقرار تشكيل اللجنة الإدارية، فيما التزمت "حماس" الصمت، ولم تصدر أي بيان رسمي بشأنها، كما فعلت في أحداث ومناسبات أخرى، واكتفت بتصريحات صادرة عن قيادة الحركة: باسم نعيم، وطاهر النونو، حيث عبرا عن ترحيبهما بالقرار، مؤكدين على جهوزية حركتهما وأجهزتها الحكومية بتسليم كافة المؤسسات الحكومية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، بموظفيها، تمهيدا لبدء انتقال الحكم، وما سيتبعه من مرحلة إعادة إعمار ما تسببت به حرب الإبادة من تدمير شامل، يُوجب إعادة هيكلة غزة بالكامل في السنوات القادمة.

أما الموقف الإسرائيلي، فقد انقسم بين من يؤيد استمرار تطبيق وتنفيذ بنود الخطة الأميركية في تثبيت وقف إطلاق النار، ومن يرى أن الولايات المتحدة الأميركية تحاول فرض قراراتها والاستمرار في تطبيق الخطة، خاصة بعد أن عثر الجيش الإسرائيلي على جثة آخر إسرائيلي في قطاع غزة، وهو الشرطي ران غويلي، في مقبرة شمالي القطاع، وهو ما حال دون بدء تطبيق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار.

يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية هي من يقود المرحلة ولديها الإصرار الكامل على فرض نجاح جهودها السياسية 

وبخلاف جميع التصريحات والترحيبات، وحتى العراقيل التي تحاول إسرائيل وضعها أمام تنفيذ المرحلة الثانية على أرض الواقع، يبدو أن الولايات المتحدة الأميركية، هي من يقود المرحلة ولديها الإصرار الكامل على فرض نجاح جهودها السياسية، وإنجاح عمل لجنة "إدارة غزة"، حيث عقدت الأخيرة اجتماعها الأول في السفارة الأميركية بالقاهرة، وكأنّ الولايات المتحدة تريد أن تؤكد بذلك دعمها العلني الكامل لعمل اللجنة، وهو ما أعرب عنه الأميركيون بشكل واضح وصريح، من دعم إنجاح عملها، وتثبيت وجودها في غزة.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني سفيان أبو زايدة، أنّ قرار فتح معبر رفح جزئيا أول خطوة من خطوات تطبيق المرحلة الثانية من الاتفاق على الأرض، مشيرا إلى أنّ عدم فتح المعبر سيمثل فشلا، ليس فلسطينيا، بل سيمثل فشلا أميركياً أيضا. حيث من المفترض أن يتمكن أعضاء اللجنة من الوصول إلى غزة لمباشرة عملهم في استلام الحكم، والبدء في العمل على تغييرات الواقع الذي أنتجته حرب الإبادة على مدار أكثر من عامين متواصلين.

ويقول أبو زايدة إنّ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزراء حكومته، قد يتذرعون لاحقا بعدم تسليم "حماس" سلاحها بالكامل لغلق المعبر مجددا، إذ يحاول نتنياهو كسب مزيد من الأصوات، تمهيدا للانتخابات الداخلية القادمة، والموازنة بين ما يتخذه من قرارات على أرض الواقع، تماشيا مع الضغوطات الأميركية التي ستجبره في نهاية المطاف، على الانسحاب الكامل من القطاع، بعد دخول القوات الدولية على طول الخط الأصفر، والعمل بالتوازي على نزع السلاح مع بدء مرحلة الإعمار.

.أ.ف.ب
قافلة من الشاحنات تقف خارج معبر رفح ضمن المساعدات المصرية لسكان قطاع غزة، 26 أكتوبر 2025

ويتوقف نجاح اللجنة في تمكينها على الأرض، من إحداث تغييرات إيجابية على حياة المواطن الفلسطيني في غزة، بعد ما تعرضوا له من قتل ودمار شامل طوال عامين، ليتمثل ذلك في فتح معبر رفح البري بالاتجاهين، والسماح بدخول البضائع والمواد الغذائية، ومواد البناء والكرفانات والمعدات الثقيلة والمحروقات، وغيرها من الاحتياجات اليومية الحياتية، وما سيرافق ذلك من انخفاض في الأسعار، لتكون في متناول الجميع، وذلك بالتوازي مع البدء في عمليات الإعمار وتقديم الخدمات الأساسية من الحصول على المياه والكهرباء، وتهيئة الشوارع والبنية التحتية وحتى إزالة الركام وبدء إعمار منازلهم، والذي يتطلب سنوات قادمة لتطبيقه.

لكن أولى تلك الخطوات التي ستؤسس لذلك، تتمثل في فتح المعبر، ودخول أعضاء لجنة الإدارة لاستلام مقاليد الحكم من حكومة "حماس" التي سيطرت على الحكم قرابة 18 عاما، والبدء في مرحلة الإعمار. بالتأكيد، لن يكون الطريق مفروشا بالورود أمام عمل "لجنة غزة"، حيث يتطلب ذلك تسهيلات إسرائيلية في السماح بدخول كافة الاحتياجات من خلال المعابر، والسماح للمؤسسات المحلية والدولية بممارسها عملها وتقديم الخدمات من صحة وتعليم وبنية تحتية.

حتى بعد قرار فتح معبر رفح، تعمل إسرائيل على إبطاء الدور الأميركي وفرض المزيد من العقبات

حتى بعد قرار فتح معبر رفح، تعمل إسرائيل على إبطاء الدور الأميركي وفرض المزيد من العقبات، على سبيل المثال أبدت إسرائيل موافقتها على فتح معبر رفح بالاتجاهين، بعد مماطلات لأسابيع لكنها تذرعت بعدم جهوزيتها في إقامة نقطة تفتيش إسرائيلية من الجهة الفلسطينية "رفح-2" تريد من خلالها إخضاع العائدين إلى تفتيش دقيق، وأشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أنّ الحكومة تطالب بتحديد عدد العائدين إلى غزة بحد أقصى 50 فلسطينيا في اليوم الواحد، والمزيد من العراقيل التي تتطلب اجتماعات أميركية إسرائيلية لحسم تلك العقبات.

قد تصطدم المصالح الأميركية-الإسرائيلية خلال المراحل التالية، بالمزيد من العقبات التي تحاول الأولى فرضها على الحكومة الإسرائيلية، فقد حسم الأميركيون موقفهم بفرض القرارات على إسرائيل بهدف إنجاح خطتهم لأسباب تتعلق بمطامع اقتصادية، أبرزها حقول الغاز قبالة شواطئ القطاع، واستغلال الواجهة البحرية لضخ الاستثمارات وجذب السياح.

إذن، سيبقى عمل "لجنة غزة" وما سينتج عن جهودها من تغييرات على حياة الفلسطينيين في غزة، مرهونا بالعلاقة الأميركية-الإسرائيلية، وإذا ما تصدعت تلك العلاقة أو تبدلت المصالح مستقبلا، سيؤدي ذلك لعواقب أكثر سوءا على حياة الغزيين، وربما ستسحب إسرائيل موافقتها على استمرار عمل اللجنة، فلا اتفاق فلسطيني-إسرائيلي واضح يحفظ حقوقهم وتمكينهم من حكم أنفسهم في القطاع، ويضمن عدم تدخل الأخيرة في استمرار فرض تحكمها بأدق تفاصيل حياتهم مستقبلا.

صحيح أنّ "إدارة غزة" ستمهد الطريق أمام عودة السلطة، واستلام الحكومة الفلسطينية مهامها مستقبلا في القطاع، لكن هذا الأمر لا ضمانات لتحقيقه، ويتطلب سنوات عمل طويلة قد تستغلها إسرائيل مع تغير لعبة المصالح الأميركية في المنطقة، حيث يتطلب الأمر من السلطة الفلسطينية الإسراع في عمليات الإصلاح السياسي، التي من المفترض أن تعمل عليها للإسراع في عملية استعادتها الحكم، وتوحيد غزة والضفة الغربية تحت حكومة وإدارة فلسطينية واحدة.

font change