لا يعدّ تشكيل "اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة"، والتي يفترض أنها انتقالية، كمشروع كياني، وفقا لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، باعتبارها سابقة فريدة من نوعها في التاريخ السياسي المعاصر للفلسطينيين، بغض النظر عن تقييم تلك الخطوة، سلبا أو إيجابا، وضمن ذلك إمكان تحولها، ككيان سياسي، إلى واقع دائم، بغرض تفتيت وتذويب قضية الشعب الفلسطيني، وإفقادها معناها التاريخي والسياسي والحقوقي، مع ما يتضمن ذلك من وأد أي مسار باتجاه كيانية سياسية فلسطينية مستقلة.
في مراجعة تاريخية يمكن ملاحظة أن الفلسطينيين عرفوا كثيرا من المحاولات، والتشكيلات الكيانية، قبل النكبة (1948) وبعدها، ما يؤكد صعوبة وتعقيدات وفرادة هذه المسألة، بحكم خصوصية ومحددات الحالة الفلسطينية الناجمة عن اصطدامها بالمشروع الصهيوني، بما هو عليه كمشروع استعمار استيطاني وعنصري، إحلالي واقتلاعي.
على ذلك قد يجدر لفت الانتباه، بداية، إلى المسائل المهمة الآتية: أولا، لم يحظ الفلسطينيون بأية تجربة كيانية سياسية مستقلة في تاريخهم، قبل نشوء كيان السلطة في الضفة وغزة (1994)، وفقا لمحددات اتفاق "أوسلو" (1993). ثانيا، أدت النكبة وولادة مشكلة اللاجئين (1948)، إلى كسر الوحدة المجتمعية للشعب الفلسطيني، وتجزئته، وتاليا حرمانه التطور المستقل، في حيّز، أو إقليم، جغرافي، نتيجة خضوعه لسلطات متعددة ومختلفة. ثالثا، بسبب من أوضاعه الخاصة، وحرمانه الاستقلالية، وافتقاده للموارد، وخضوعه لمحددات الشرطين العربي والدولي، فقد ظل العامل الخارجي بمثابة عامل مقرر في الشأن الفلسطيني. رابعا، فيما يخص اعتبار "منظمة التحرير" بمثابة كيان سياسي، فهي كذلك حقا، لكن من دون ممارسة أي شكل من أشكال السيادة في إقليم متعيّن، سيما أنها لم تبن أية مؤسسات لإدارة مجتمعات الفلسطينيين في الداخل والخارج؛ علما أن تجربة الضفة وغزة تتعلق بالسلطة.
محاولات كيانية قبل النكبة
لم يستطع الشعب الفلسطيني توليد أشكال كيانية قبل النكبة، بسبب السياسات التي انتهجتها سلطة الانتداب البريطاني، صاحبة "وعد بلفور"، القاضي بإنشاء "وطن قومي" لليهود في فلسطين، رغم أنها سمحت بذلك للحركة الصهيونية، التي تمكنت تلك الفترة من إنشاء الكيانات التي أسست لقيام إسرائيل (الوكالة اليهودية، الصندوق القومي اليهودي، الهاغاناه والمنظمات العسكرية الأخرى، "الهستدروت").
أيضا، فإن وضع الشعب الفلسطيني، آنذاك، أي مستوى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، لم يكن يتيح إقامة أحزاب أو كيانات، سياسية بمعنى الكلمة، إذ ظل كفاحهم الوطني، في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي، يجري في إطار "الجمعيات الإسلامية-المسيحية"، وأيضا، بسبب تمزق الوعي الكياني بين الوطنية الفلسطينية الناشئة، وبين اعتبار فلسطين جزءا من سوريا الكبرى، ومن بلاد الشام، فاقم من ذلك الانقسام السياسي بين الفلسطينيين، بين تياري الحسينية، نسبة للحاج أمين الحسيني مفتي القدس، والنشاشيبية، نسبة لراغب النشاشيبي رئيس بلدية القدس، وزعيم "حزب الدفاع".
في تلك الفترة كان ثمة محاولات كيانية لم يكتب لها النجاح، أو لم تكتمل، يأتي في مقدمتها محاولة سلطات الانتداب البريطاني إقامة نوع من التمثيل للفلسطينيين، وفقا لما عرف بـ"الكتاب الأبيض" (لعام 1939)، الذي أتى في أعقاب ثورة استمرت ثلاثة أعوام، وتضمن وجود فترة انتقالية قبل الانتقال إلى الدولة المستقلة في غضون عشر سنوات، يتزايد خلالها نصيب أهالي البلاد في الحكم، وتنمو فيها روح التفاهم والتعاون بين العرب واليهود، وتشكيل هيئة تشريعية عند توفر الظروف، وبعد خمس سنوات من بدء استتباب الأمن والنظام في البلاد تشكل هيئة من ممثلي أهالي فلسطين وحكومة جلالته لوضع دستور الدولة.
طبعا، لم يتم تنفيذ كل ذلك، بسبب التزام بريطانيا دعم الوجود الصهيوني في فلسطين، وبسبب ضعف الحركة الوطنية الفلسطينية، بعد إجهاض الثورة المسلحة (1936-1939)، مع إعدام، أو نفي، أو اعتقال، شخصيات رئيسة في الحركة الوطنية الفلسطينية.
بعد ذلك جرت محاولة كيانية أخرى تمثلت في إصدار الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارا رقم 181، لعام 1947، يقضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، مع مكانة دولية خاصة للقدس، وهي محاولة جوبهت بالرفض الفلسطيني والعربي، ومبادرة الميليشيات العسكرية الصهيونية للاستيلاء على أوسع مساحة من فلسطين، عقب انتهاء الانتداب البريطاني. والجدير ذكره أن نص القرار المذكور تضمن إنشاء هيئة وصاية دولية، وتشكيل هيئة إدارة فلسطينية مؤقتة، كما نص على الحدود والمواطنة والاتحاد الاقتصادي بين الدولتين.


