نظرة عن كثب على ما يعنيه العيش داخل خيمة في غزة

بنية هشة تختبر على حدود الاحتمال

OMAR AL-QATTAA / AF
OMAR AL-QATTAA / AF
خيام تؤوي عائلات فلسطينية نازحة على شاطئ مدينة غزة، 13 يناير 2026، مع اشتداد الرياح الشتوية، في ظل دمار واسع خلّفته الحرب

نظرة عن كثب على ما يعنيه العيش داخل خيمة في غزة

لا يسمح الواقع البائس الذي يرزح تحته النازحون في قطاع غزة، وجلهم ما زالوا يقيمون في الخيم التي تعرضت هذا العام لأقسى ظروف المناخ، باتخاذ مسافة من الواقع، كما لا تمنح اللغة رفاهية التمهل. فالشتاء في غزة ليس خلفية زمنية محايدة، بل شرط مادي يضغط على كل ما يقال. في هذا الفصل المناخي القاسي، تفقد الخيمة كل قابلية للقراءة الرمزية. لا تعود مساحة مؤقتة للحياة، ولا إطارا للتأقلم، بقدر ما تصبح بنية هشة تختبر يوميا على حدود الاحتمال. لا يعود المطر ولا العواصف المصاحبة له في كثير من الأحيان، عنصرا طبيعيا، بل قوة اقتحام. والبرد ليس إحساسا عاما، بل توتر دائم في الجسد، وفي النوم، وفي التنفس.

وبالتالي، لا يمكن وصف الخيمة انطلاقا من أي معيار معماري، ولا بوصفها تمرينا تأمليا في العيش المؤقت. فالعيش في الخيمة هو مواجهة مباشرة مع واقع يفيض على أدوات التحليل نفسها. ما كان يمكن النظر إليه سابقا كـ"معمار نجاة"، بما يحمله المصطلح من محاولة لفهم كيف تخترع الحياة في شروط الإلغاء، يعاد تعريفه اليوم تحت ضغط الشتاء كمعمار مهدد، قابل للفشل، والانقلاب على ساكنيه. هنا، لا يعود السؤال كيف تنظم الحياة داخل الخيمة، بل إلى أي حد يمكن هذا التنظيم أن يصمد حين يصبح المناخ نفسه طرفا في العنف.

هذا التوقيت يفرض مسؤولية إضافية، لا سيما حين نكتب عن الخيمة أو نتناول إعلاميا واقع النازحين في غزة. فكل لغة إنصات، وكل محاولة لفهم التفاصيل اليومية، تصبح معرضة للانزلاق نحو التلطيف، أو إلى ما يشبه التواطؤ غير المقصود مع واقع لا يجب أن يفهم أكثر مما يجب أن يدان. التحدي هنا ليس في الصمت، بل في كيفية الكلام دون تحويل الهشاشة إلى مشهد قابل للاستهلاك، ودون استبدال الغياب السياسي والمعماري بلغة "حنونة" تخفي حجم الفشل. بالتالي، لا فائدة ترتجى من محاولة استخراج معنى من المعاناة، ولا إلى تحويل الصمود إلى سردية أخلاقية مريحة. فالخيمة ليست نموذجا، ولا هي مدعاة لما يسمى القدرة الإنسانية على التأقلم. فمن يطلع عن كثب على تفاصيل الخيمة—ترتيبها الداخلي، إيقاع يومها، هشاشة مادتها— يعرف في الوقت نفسه أن هذه المعرفة لا تحمي أحدا من المطر، ولا تعزل جسدا عن البرد. هنا، لا تنتج المعرفة بوصفها إنقاذا، بقدر ما تصبح شهادة على ما يجبر الناس على احتماله حين تسحب منهم شروط العيش الأساسية.

الخيمة كترتيب حياة قسري

لا تنتظم الحياة داخل الخيمة بوصفها اختيارا، بل تفرض بوصفها استجابة. كل ترتيب داخلي هو نتيجة ضغط مباشر: ضيق المساحة، هشاشة المواد، تغير المناخ، وانعدام أي فصل وظيفي مستقر. لا يوجد "داخل"، بالمعنى المعماري، بل مساحة واحدة تتراكم فيها الوظائف بعضها فوق بعض: النوم، الطبخ، التخزين، الجلوس، وأحيانا المرض. ما يبدو تنظيما، هو في الحقيقة محاولة متواصلة لتقليل الخسائر.

ما كان يمكن النظر إليه سابقا كـ"معمار نجاة" بما يحمله المصطلح من محاولة لفهم كيف تخترع الحياة في شروط الإلغاء، يعاد تعريفه اليوم تحت ضغط الشتاء كمعمار مهدد

يبدأ اليوم من الضوء بوصفه شرطا زمنيا وحيدا يمكن الاعتماد عليه، وبما يتجاوز كونه عنصرا جماليا. حركة الأجساد تعاد معايرتها بحسب مسار الشمس، وبحسب قدرة القماش البلاستيكي على تمرير الحرارة أو حجبها. مع تغير الضوء، تتغير وظائف المكان. الأرضية التي تستخدم للجلوس نهارا، تتحول ليلا إلى مساحة نوم مشتركة، بلا عزل، بلا حدود واضحة، وبلا ضمان للخصوصية. هذا التحول المستمر لا يعكس مرونة، بل غياب البديل.

OMAR AL-QATTAA / AFP
امرأة فلسطينية تطهو قرب أطفال أمام خيمة في مخيم للنازحين بخان يونس جنوب قطاع غزة، سبتمبر 2025

الطبخ لا يفصل عن العيش، ولا يعزل عن النوم. مصدر النار، سواء أكان موقدا بسيطا أم وسيلة ارتجالية، يوضع حيث تسمح المساحة، لا حيث يكون آمنا. الروائح، الدخان، والرطوبة، تتسرب في كل الاتجاهات، وتصبح جزءا من الهواء المشترك. في هذا السياق، لا يعود التلوث مسألة بيئية، بل حالة معيشة يومية لا يمكن تجنبها.

التخزين داخل الخيمة فعل دفاع أكثر مما هو فعل حفظ. الأغراض القليلة المتبقية تكدس على الأطراف، تعلق، أو ترفع عن الأرض كلما أمكن، تحسبا للمطر أو التسرب. هذا الرفع المستمر للأشياء، يكشف عن وعي دائم بالهشاشة: الأرض ليست ثابتة، والجدران ليست حاجزا، والسقف ليس ضمانا. كل شيء مهدد بأن يبتل، يضيع، أو يتلف في أي لحظة.

BASHAR TALEB / AFP
أطفال يطلّون من ثقب في خيمة داخل مخيم للنازحين في شمال النصيرات وسط قطاع غزة، 7 أكتوبر 2025

تفكيك الداخل اليومي للخيمة

الحركة داخل الخيمة محدودة، لكنها محسوبة بدقة. المسارات ليست مرسومة، بقدر ما هي محفوظة في الجسد. خطوات قصيرة، التفاف حول الأغراض، انحناء مستمر لتفادي الاصطدام. الأطفال يتعلمون مبكرا هذه الجغرافيا المصغرة عبر التكرار والإصابة أحيانا. الجسد هنا هو أداة القياس الوحيدة، وهو أيضا أول ما يتعرض للإرهاق.

هذا الترتيب القسري لا ينتج استقرارا، إنما ينتج حالة استعداد دائم. كل عنصر داخل الخيمة قابل لإعادة التوزيع في أي لحظة: عند هبوب الرياح، عند تسرب المياه، عند مجيء الليل، أو عند وصول خطر غير متوقع. الحياة هنا تدار وفق سلسلة من التعديلات الصغيرة التي تهدف فقط إلى تأجيل الانهيار، أكثر مما تدار وفق إيقاع يومي.

OMAR AL-QATTAA / AFP
الطفلة الفلسطينية النازحة سارة سعادة (15 عاما) ترسم داخل خيمتها مع عائلتها في مدينة غزة، بعد نزوحها من بيت لاهيا، 30 ديسمبر 2025

الخيمة، في هذا المعنى، لا تنتج فضاء للعيش بقدر ما تنتج نظاما مؤقتا لإدارة الهشاشة. ما يبدو تكيفا هو في جوهره استجابة اضطرارية لغياب أي بنية تحمي، أو أي أفق يعد بالاستقرار. هذا الترتيب ليس دليل قدرة إنسانية استثنائية، بل مؤشر واضح الى مستوى الضغط الذي يفرض على الحياة اليومية حين تجرد من شروطها الأساسية.

لحظة الانكسار: حين تنقلب الخيمة على ساكنيها

يأتي الشتاء بوصفه لحظة كاشفة، لا بوصفه حدثا طارئا. في هذه المرحلة، لا تعود الخيمة فضاء للتفاوض، بل تتحول إلى بنية غير قادرة على الاحتمال. ما كان يدار عبر التكيف اليومي—الشد، الترتيب، إعادة التوزيع—يصل إلى حده الأقصى. هنا، لا يعود الخلل مؤقتا، بل يصير بنيويا.

هذا الرفع المستمر للأشياء يكشف عن وعي دائم بالهشاشة: الأرض ليست ثابتة، والجدران ليست حاجزا، والسقف ليس ضمانا

المطر لا يدخل الخيمة فجأة، بل يتسلل. يبدأ من الأرض، من الحواف، من نقاط الربط. الماء لا يواجه، بل يلاحق: ينقل من زاوية إلى أخرى، ترفع الأغراض، تفرش الأقمشة، ثم تعاد الدورة من جديد. هذه الإدارة المستمرة للمياه لا تنتج حماية، بل استنزافا. الليل يصبح أطول، والنوم متقطعا، والجسد في حالة استعداد دائم.

يتحول البرد إلى قوة داخلية، يتجاوز كونه عنصرا خارجيا. يتسرب إلى الفراش، إلى المفاصل، إلى التنفس. لا يوجد داخل حراري يمكن الاعتماد عليه، ولا عزل يحد من الفقد. التدفئة، إن وجدت، تصبح مصدر خطر إضافيا: نار في مساحة مكتظة، أو وسيلة غير مستقرة توازن بين الدفء والاختناق. في هذه اللحظة، تتحول الخيمة من مأوى هش إلى عامل يضاعف التهديد.

REUTERS/Haseeb Alwazeer
امرأة فلسطينية نازحة تجمع متعلقات موحلة في مخيم خلال يوم ماطر في خان يونس جنوب قطاع غزة، 11 ديسمبر 2025

مع تراكم الرطوبة، تتغير وظيفة المواد نفسها. القماش يثقل، الحبال ترتخي، الأرض تصبح لزجة وغير صالحة للاستخدام. ما كان قابلا للترميم السريع، يصبح عرضة للانهيار. أي عاصفة إضافية لا تقابل بالاستجابة، بل بالعجز. هنا، لا يفشل التنظيم الداخلي فقط، بل تفشل فكرة السيطرة ذاتها.

في هذه اللحظة، تنقلب الخيمة على ساكنيها انطلاقا من حقيقة أنها بنية لم تصمم أصلا لتحمل هذا المستوى من الضغط. ما يطلب من الجسد داخلها يتجاوز التكيف: السهر المستمر، إعادة الترتيب المتكررة، التعامل مع البلل والبرد والمرض كحالة طبيعية. الحياة لا تدار، بل تستنزف.

هذه ليست لحظة درامية، بل لحظة صامتة. لا إعلان للفشل، ولا حدث واحد يمكن الإشارة إليه. الانكسار يحدث تدريجيا: في الإرهاق، في المرض، في فقدان القدرة على إعادة المحاولة. هنا، لا تعود الخيمة معمار نجاة، بل تصير دليلا على أن شروط النجاة نفسها قد سحبت.

في هذا السياق، يصبح الحديث عن التكيف غير كاف، بل مضلل. ما يحدث ليس قدرة استثنائية على الاحتمال، بل تحميل مستمر للأجساد أكثر مما تستطيع. الخيمة لا تنهار لأنها ضعيفة، إنما لأنها تترك لتواجه ما يفوق وظيفتها. لحظة الانكسار هذه لا تدين الخيمة، بل تدين النظام الذي جعلها الخيار الوحيد.

OMAR AL-QATTAA / AFP
فتاة تقف وسط بركة مياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بعد أمطار غزيرة في حي الزيتون بمدينة غزة، ديسمبر 2025

الخيمة كإدانة

الخيمة ليست نموذجا للسكن، ولا حلا مؤقتا يمكن القبول به، ولا أفقا يعول عليه. هي نتيجة مباشرة لغياب البنية، وانسحاب المسؤولية، وتحويل الطوارئ إلى حالة دائمة. ما يظهر داخلها من تنظيم، أو تكيف، أو محاولات للحياة، لا يجب أن يقرأ بوصفه نجاحا، بقدر ما هو دليل على مستوى الضغط الذي يمارس حين تترك الأجساد لتدير الهشاشة وحدها.

REUTERS/Mahmoud Issa
امرأة فلسطينية نازحة داخل مخيم خلال يوم ماطر في النصيرات وسط قطاع غزة، 11 ديسمبر 2025

فالعيش في الخيمة يكشف عن حدود المقدرة على الاحتمال. كل تفصيل يومي—من ترتيب الأرضية، إلى شد القماش، إلى إدارة الماء والبرد—هو استجابة لما لا ينبغي أن يطلب أصلا. الخيمة، في هذا المعنى، هي معمار يستنزف باستمرار، ويحمل أكثر مما يحتمل.

هذا لا يعني الدعوة إلى "تحسين الخيمة"، ولا إلى التفكير في بدائل "أذكى" داخل المنطق نفسه. فالإشكالية ليست في التصميم، إنما في الشرط الذي يجعل الخيمة الخيار الوحيد. وبالتالي، فما يجب مساءلته هو النظام الذي يعتبر هذا المستوى من العيش مقبولا، أو قابلا للتطبيع، أو قابلا للفهم الهادئ، أكثر مما هو كيفية العيش داخل الخيمة.

الخيمة ليست مكانا يحتفى به، بل علامة يجب أن تقلق، وتحرج، وتظل غير قابلة للتطبيع

إذا كانت الخيمة تبدو هنا كائنا يتفاعل، وينهك، وينكسر، فذلك ليس لإضفاء إنسانية عليها، بل لإبقاء الإنسانية حيث يجب أن تكون: في السؤال عما يفرض على الناس، وفي رفض تحويل المعاناة إلى سردية قابلة للاستهلاك. الخيمة لا تدان لأنها ضعيفة، بل لأنها تستخدم كبديل من حماية لم تقدم.

REUTERS/Mahmoud Issa
نازحون فلسطينيون يستقلّون عربة يجرّها حمار في شارع غمرته مياه الأمطار بمدينة غزة، 12 ديسمبر 2025

في النهاية، يتركنا واقع الخيمة في إزاء توتر مفتوح: بين ما يمكن للمعرفة أن تراه، وما تعجز عن تغييره، بين الرغبة في الفهم، وضرورة عدم التبرير. فالخيمة ليست مكانا يحتفى به، بل علامة يجب أن تقلق، وتحرج، وتظل غير قابلة للتطبيع.

font change