لا يسمح الواقع البائس الذي يرزح تحته النازحون في قطاع غزة، وجلهم ما زالوا يقيمون في الخيم التي تعرضت هذا العام لأقسى ظروف المناخ، باتخاذ مسافة من الواقع، كما لا تمنح اللغة رفاهية التمهل. فالشتاء في غزة ليس خلفية زمنية محايدة، بل شرط مادي يضغط على كل ما يقال. في هذا الفصل المناخي القاسي، تفقد الخيمة كل قابلية للقراءة الرمزية. لا تعود مساحة مؤقتة للحياة، ولا إطارا للتأقلم، بقدر ما تصبح بنية هشة تختبر يوميا على حدود الاحتمال. لا يعود المطر ولا العواصف المصاحبة له في كثير من الأحيان، عنصرا طبيعيا، بل قوة اقتحام. والبرد ليس إحساسا عاما، بل توتر دائم في الجسد، وفي النوم، وفي التنفس.
وبالتالي، لا يمكن وصف الخيمة انطلاقا من أي معيار معماري، ولا بوصفها تمرينا تأمليا في العيش المؤقت. فالعيش في الخيمة هو مواجهة مباشرة مع واقع يفيض على أدوات التحليل نفسها. ما كان يمكن النظر إليه سابقا كـ"معمار نجاة"، بما يحمله المصطلح من محاولة لفهم كيف تخترع الحياة في شروط الإلغاء، يعاد تعريفه اليوم تحت ضغط الشتاء كمعمار مهدد، قابل للفشل، والانقلاب على ساكنيه. هنا، لا يعود السؤال كيف تنظم الحياة داخل الخيمة، بل إلى أي حد يمكن هذا التنظيم أن يصمد حين يصبح المناخ نفسه طرفا في العنف.
هذا التوقيت يفرض مسؤولية إضافية، لا سيما حين نكتب عن الخيمة أو نتناول إعلاميا واقع النازحين في غزة. فكل لغة إنصات، وكل محاولة لفهم التفاصيل اليومية، تصبح معرضة للانزلاق نحو التلطيف، أو إلى ما يشبه التواطؤ غير المقصود مع واقع لا يجب أن يفهم أكثر مما يجب أن يدان. التحدي هنا ليس في الصمت، بل في كيفية الكلام دون تحويل الهشاشة إلى مشهد قابل للاستهلاك، ودون استبدال الغياب السياسي والمعماري بلغة "حنونة" تخفي حجم الفشل. بالتالي، لا فائدة ترتجى من محاولة استخراج معنى من المعاناة، ولا إلى تحويل الصمود إلى سردية أخلاقية مريحة. فالخيمة ليست نموذجا، ولا هي مدعاة لما يسمى القدرة الإنسانية على التأقلم. فمن يطلع عن كثب على تفاصيل الخيمة—ترتيبها الداخلي، إيقاع يومها، هشاشة مادتها— يعرف في الوقت نفسه أن هذه المعرفة لا تحمي أحدا من المطر، ولا تعزل جسدا عن البرد. هنا، لا تنتج المعرفة بوصفها إنقاذا، بقدر ما تصبح شهادة على ما يجبر الناس على احتماله حين تسحب منهم شروط العيش الأساسية.
الخيمة كترتيب حياة قسري
لا تنتظم الحياة داخل الخيمة بوصفها اختيارا، بل تفرض بوصفها استجابة. كل ترتيب داخلي هو نتيجة ضغط مباشر: ضيق المساحة، هشاشة المواد، تغير المناخ، وانعدام أي فصل وظيفي مستقر. لا يوجد "داخل"، بالمعنى المعماري، بل مساحة واحدة تتراكم فيها الوظائف بعضها فوق بعض: النوم، الطبخ، التخزين، الجلوس، وأحيانا المرض. ما يبدو تنظيما، هو في الحقيقة محاولة متواصلة لتقليل الخسائر.






