في تمام الساعة الثانية عشرة بتوقيت غرينتش يوم 14 ديسمبر/كانون الأول 2003، صعد بول بريمر، رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة التي تولت إدارة العراق بعد سقوط النظام العراقي، إلى منصة مؤتمر صحافي في بغداد معلنا أمام الحضور "سيداتي وسادتي، لقد قبضنا عليه".
وجاء هذا الإعلان تأكيدا لاعتقال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، إثر عملية عسكرية نفذتها القوات الأميركية مساء اليوم السابق تحت اسم "عملية الفجر الأحمر"، وخلال المؤتمر عرضت صورا لصدام حسين بملامح مرهقة ولحية كثيفة، في محاولة لإبراز نجاح العملية العسكرية.
وقد أثار هذا الحدث آنذاك انقساما واسعا في المواقف والآراء. فبينما اعتبره بعضهم إهانة لرئيس سابق وتعديا غير مقبول على سيادة دولة العراق، خصوصا في ظل رفض قطاعات واسعة من المجتمع العراقي والعربي، بل وحتى الدولي، للاحتلال الأميركي للعراق؛ رأى آخرون في العملية خطوة مبررة في سياق السياسات الأميركية آنذاك.
غير أن هذه الواقعة لم تكن الأولى من نوعها في التاريخ الحديث للولايات المتحدة. ففي أواخر عام 1989 نفذت واشنطن غزوا لبنما تحت اسم "عملية القضية العادلة" وكان هدفها اعتقال رئيسها آنذاك مانويل نورييغا، الذي استسلم في 3 يناير/كانون الثاني 1990. وبعد عقود، وفي فجر يوم 3 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت الولايات المتحدة اعتقال رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو في عملية حملت اسم "العزم".
لا يمكن النظر إلى هذه الأحداث بوصفها مجرد إطاحة لأنظمة سياسية قائمة، حتى مع وجود مؤيدين لبعض السياسات الأميركية المرتبطة بها. ففي أعقاب مثل هذه العمليات، ينشأ غالبا ما يعرف بـ"فراغ السلطة"، وهو وضع يحدث عندما ينهار النظام الحاكم ويفقد قدرته على إدارة الدولة، تاركا خلفه حالة من الغموض والارتباك السياسي والاجتماعي، كما حدث في العراق وبنما وفنزويلا.
يمتد تأثير هذا الفراغ إلى المجتمع نفسه، إذ قد يولد حالة من الاضطراب والصدمة لدى السكان، ويترك آثارا نفسية عميقة يمكن أن تنتقل عبر الذاكرة الجمعية إلى الأجيال اللاحقة. كما تشير دراسات عديدة إلى أن الحروب والنزاعات والأحداث السياسية الكبرى لا تمر دون أثر على الصحة النفسية للإنسان، بل قد تخلف تأثيرات طويلة الأمد تمتد إلى العمليات الحيوية في الدماغ، بل وقد تورث بصورة غير مباشرة عبر ما يشبه "البصمة البيولوجية" التي تحملها الأجيال التالية. والسؤال هنا، كيف يحدث ذلك؟
الصدمة العابرة للأجيال
على الرغم من أن الإنسان يتعرض خلال حياته لأشكال مختلفة من الصدمات، مثل العلاقات المؤذية أو تجارب الفقد والوفاة، فإن الصدمة التي تصيب جماعة كاملة من الناس تعد أقل شيوعا. إذ تنشأ هذه الصدمة نتيجة أحداث كبرى تمر بها مجموعة بشرية في الوقت نفسه. ويشير مصطلح الصدمة الجماعية إلى حالة من الضغط النفسي والعاطفي الشديدين تنشأ عقب أحداث سياسية أو اجتماعية واسعة النطاق، مثل الحروب والثورات والاضطرابات التي تهدد استقرار الدولة. وغالبا ما تخلف هذه الأحداث آثارا عميقة في المجتمع، إذ تولد حالة من الخوف والاضطراب تستقر في الذاكرة المشتركة لأفراده، وقد يمتد تأثيرها إلى ما بعد الجيل الذي عايشها، بحيث تحدث خللا في النسيج الاجتماعي للجماعة.

ويرتبط بذلك مفهوم الصدمة العابرة للأجيال، وهو المصطلح الذي يصف انتقال آثار الضغوط الشديدة — مثل الحروب والنزاعات والفقر والاضطرابات السياسية — من الجيل الذي تعرض لها مباشرة إلى الأجيال اللاحقة. وغالبا ما تظهر هذه الآثار في صورة أنماط نفسية وعاطفية متكررة، مثل القلق المزمن، وضعف الشعور بالأمان، وتراجع الثقة بالآخرين، إضافة إلى الميل للاكتئاب.

