أصبح تعرض الأطفال والمراهقين لمقاطع الفيديو القصيرة ظاهرة يومية تكاد تلامس كل بيت، ومع صعود صيغة "الريلز" على منصات التواصل، تحول هذا الشكل من المحتوى إلى نافذة سريعة ومكثفة تقدم فيها المتعة في ثوان معدودة، ثم تستبدل بمتعة أخرى قبل أن يهدأ الدماغ أو يلتقط أنفاسه.
لا يتعامل كثيرون مع الأمر باعتباره أكثر من "تسلية بريئة"، لكن تراكم الأدلة العلمية خلال السنوات الأخيرة دفع الباحثين إلى وصف هذه الممارسات بوصفها سلوكا قد يميل إلى القهر والاعتياد، خاصة لدى الفئات العمرية الأصغر سنا.
فالأطفال ليسوا مجرد مستخدمين عاديين للتقنية، بل هم في مرحلة نمو معرفي وانفعالي واجتماعي تتشكل فيها العادات، وتبنى فيها دوائر الانتباه والتحكم الذاتي، وتختبر فيها القدرة على تأجيل الإشباع، وهي كلها عناصر تجعل "الريلز" أكثر من مجرد مقاطع مسلية: تجعلها بيئة تدريب مستمر على الاستجابة الفورية، والانتقال السريع، والبحث المتكرر عن محفز جديد.
تزداد خطورة هذه الظاهرة عندما تتداخل مع فكرة الإدمان السلوكي، وهو نمط من الاعتماد النفسي والسلوكي على نشاط بعينه رغم عواقبه السلبية، بما يشمل صعوبة التوقف، والشعور بالضيق عند الانقطاع، والتأثير على النوم والتحصيل والعلاقات.
يأخذ "إدمان الريلز" موقعه داخل هذا الإطار بوصفه استخداما مفرطا وقهريا لمحتوى الفيديو القصير بما يؤدي إلى ضيق ملحوظ أو تعطل في جوانب الحياة اليومية. وقد باتت خصائص الفيديو القصير نفسها عاملا مساعدا في ذلك، فهو محتوى مجزأ، وسريع الإيقاع، ومتغير باستمرار، وقائم على المفاجأة والاختزال، وغالبا ما يصاحبه صوت أو موسيقى أو مؤثرات تحافظ على الإثارة وتمنع الملل. هذا المزيج يجعل الدماغ في حالة ترقب دائم، ويعزز الميل إلى الاستمرار، لأن التوقف يعني التخلي عن "المقطع التالي" الذي قد يكون أكثر متعة أو إثارة أو فائدة ظاهرة.
في طور التشكل
تنبع أهمية الحديث عن الأطفال تحديدا من حقيقة أن أدمغتهم تتطور بوتيرة كبيرة، وأن شبكات الانتباه لديهم لا تزال في طور التشكل، وأن قدرتهم على تنظيم الذات والتحكم في الاندفاع أقل نضجا من البالغين. الطفل حين يعتاد نمطا من المحتوى يقدم له مكافأة سريعة كل بضع ثوان، يتعلم ضمنيا أن الشعور بالمتعة لا يحتاج إلى جهد أو انتظار، وأن الانتقال من شيء إلى آخر هو القاعدة لا الاستثناء.
مع مرور الوقت، تتكون علاقة بين التوتر أو الفراغ أو الملل وبين فتح التطبيق والبدء في التمرير، لتصبح "الريلز" أداة تهدئة لحظية، ثم تتحول تدريجيا إلى عادة، ثم إلى اعتماد، ثم إلى نمط قهري يصعب كسره، خاصة عندما تتعزز هذه العادة بوجود خوارزميات تعرض المحتوى وفق تفضيلات المستخدم وتاريخه، فتبدو المقاطع كأنها “مفصلة” على مزاج الطفل وميوله، فيزداد تعلقه بها أكثر.


