هل يصمد الهاتف الذكي في عصر الذكاء الاصطناعي؟

الهيمنة الثنائية لـ"آبل" و"أندرويد" تتعرض لهجوم من "OpenAI" و"ميتا" و"أمازون"

رويترز
رويترز

هل يصمد الهاتف الذكي في عصر الذكاء الاصطناعي؟

مؤخراً، عندما سألت لورين باول جوبز سام ألتمان والسير جوني آيف عن "الشيء" المرتبط بالذكاء الاصطناعي الذي يعملان عليه، تحاشى الرجلان الخوض في التفاصيل. ومع ذلك، ألمح ألتمان، رئيس شركة "اوبن آي" OpenAI، إلى أن استخدام الجهاز الجديد سيمنح تجربة مختلفة تماما عن تلك التي يقدمها "آيفون"، ذلك الجهاز الذي يستحوذ على انتباه المستخدم، والذي كان آيف قد صممه لزوج السيدة باول، الراحل ستيف جوبز. وشبه ألتمان تجربة استخدام الهاتف الذكي بالسير في ساحة تايمز سكوير في نيويورك، وسط أضواء وامضة وضجيج صاخب. ولكن ألتمان وآيف ليسا وحدهما ممن يحاولون ابتكار بديل. فقد انطلق الآن سباق لإزاحة الهاتف الذكي عن موقعه.

(رويترز)
سام ألتمان، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة "OpenAi" مشاركا بجلسة نقاش حول الذكاء الاصطناعي في برلين، فبراير 2025

على مدى العقدين الماضيين، فرض "آيفون" ومقلدوه هيمنتهم على الطريقة التي يتفاعل بها المستهلكون مع العالم الرقمي. نشأت عن ذلك واحدة من أكثر الشراكات ربحا في تاريخ الأعمال، تجمع بين "آبل" بهاتفها الشهير، و"غوغل" بنظام "أندرويد" الذي يشغل معظم الهواتف الأخرى، بما فيها أجهزة بيكسل الخاصة بها. لم يكن لدى أي منهما دافع كبير لتغيير قواعد اللعبة، إذ تدفع "غوغل" سنويا مبالغ طائلة لـ"آبل" مقابل جعل محرك بحثها الخيار الافتراضي على "الآيفون". وفي الواقع، فإن "لينون وماكارتني(1) عصر الهواتف الذكية" يعمقان شراكتهما في زمن الذكاء الاصطناعي. فقد أعلن الطرفان هذا الشهر أن "آبل" ستستخدم نماذج "Gemini" من "غوغل" لتشغيل نسخة مطورة من المساعد الصوتي "سيري" (Siri)، المقرر إطلاقها لاحقا هذا العام، إلى جانب مزايا جديدة.

واحدة من أكثر الشراكات ربحا في تاريخ الأعمال، تجمع بين "آبل" بهاتفها الشهير، و"غوغل" بنظام "أندرويد" الذي يشغل معظم الهواتف الأخرى

لكن هذا التعاون لا يردع الطامحين إلى كسر هذه الهيمنة الثنائية. ففي 19 يناير/كانون الثاني، أعلنت "OpenAI" أنها "على المسار الصحيح" للكشف عن جهازها خلال النصف الثاني من العام. وبعد يومين، أفادت تقارير بأن "آبل" تعمل على تطوير دبوس قابل للارتداء، في محاولة لاستباق ما يطوره ألتمان وآيف. أما "ميتا"، أكبر شركة تواصل اجتماعي في العالم وإحدى الجهات المطورة لنماذج الذكاء الاصطناعي، فتعمل على نظارات ذكية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتحول جزءا من مواردها بعيدا عن خوذ الواقع الافتراضي لتسريع هذا المشروع. وفي الوقت نفسه، طرحت "أمازون"، أكبر متجر إلكتروني في العالم، نسخة "Alexa+" من مساعدها الذكي على مكبرات "Echo"، وتخطط لإتاحتها قريبا على نظاراتها الذكية وسماعات الأذن التابعة لها.

في الأعوام القليلة المقبلة، يبدو الطريق أمام الهواتف الذكية محفوفا بالصعوبات. يتوقع يانغ وانغ من شركة "Counterpoint Research" أن تنخفض الشحنات العالمية بنحو 6 في المئة هذا العام، وهو تراجع أسوأ من توقعه السابق في ديسمبر/كانون الأول عندما قدر انخفاضا بنسبة 2 في المئة، ولا يرجح حدوث انتعاش في عام 2027. وكانت الشحنات قد نمت بنسبة 2 في المئة عام 2025.

(رويترز)
رقاقات أشباه الموصلات تظهر على لوحة دوائر كمبيوتر في هذه الصورة التوضيحية

ويعود جزء من هذا التراجع إلى الارتفاع الحاد في أسعار شرائح الذاكرة المستخدمة في الهواتف الذكية، وسط موجة استثمارات ضخمة في مراكز البيانات التي استهلكت المعروض المتاح. وخلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، ارتفعت تكلفة 12 غيغابايت من ذاكرة "DRAM"، وهي سعة شائعة في الهواتف، بنحو 70 دولارا وفق تقديرات وانغ. ومن المرجح أن يضطر مصنعو الهواتف الأرخص سعرا إلى رفع أسعارهم، ما سيضغط على حجم المبيعات. وحتى "آبل"، التي تبيع هواتفها بهوامش ربح مريحة، ستشعر بضيق الهوامش.

خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية، ارتفعت تكلفة 12 غيغابايت من ذاكرة "DRAM"، وهي سعة شائعة في الهواتف، بنحو 70 دولارا

ويفاقم ذلك مشكلة أخرى يسميها وانغ "حرب المصانع". فمصنعو الهواتف مثل "آبل" و"سامسونغ" كانوا لسنوات أكبر زبائن لمصانع أشباه الموصلات مثل "TSMC". و لكن الساحة بدأت تميل لصالح "إنفيديا" وغيرها من مصممي شرائح الذكاء الاصطناعي، إذ إن شرائحهم أعلى قيمة وأكثر ربحية للمصانع. ومع تراجع أهمية شركات الهواتف كزبائن، قد تجد صعوبة أكبر في تأمين الشرائح التي تحتاج إليها.

المنافسون الساعون إلى إرباك "آبل" و"غوغل" يكثفون من ضغطهم. فالأمر لا يقتصر على السعي وراء مصدر دخل محتمل، بل يتجاوز ذلك إلى تصفية حسابات قديمة مع "نظام الجزية" المفروض على الهواتف الذكية. فالمطورون ملزمون بدفع عمولة تصل إلى 30 في المئة لصالح "آبل" على المشتريات داخل التطبيقات العاملة على نظامها. أما "OpenAI"، التي تعتمد حاليا على اشتراكات المستهلكين كمصدر رئيس للإيرادات، فعليها التنازل عن جزء من أي اشتراك يُشترى عبر "آيفون" أو جهاز "أندرويد". ومع أن "ميتا"، التي تعتمد على الإعلانات، لا تواجه هذا العبء، فإنها تسعى منذ عام 2021 إلى تقليص اعتمادها على هذه الهيمنة الثنائية، بعدما وفرت "آبل" للمستخدمين خيار منع تتبع نشاطهم عبر التطبيقات والمواقع، وهو ما أعاق قدرة عملاق التواصل الاجتماعي على جمع البيانات.

ثم هناك احتمال دفع المستهلكين نحو أجهزة تتماشى أكثر مع نماذج أعمال المنافسين. ليس من قبيل المصادفة أن تكون "ميتا" مهتمة بالنظارات الذكية. فالكاميرات المدمجة، والعدسات التي تعرض رسائل "واتساب"، والسماعات التي توجه الصوت مباشرة إلى الأذن، كلها تجعل مشاركة المستخدمين لما يفعلونه على الشبكات الاجتماعية أسهل، ومتابعة ما يفعله الآخرون أسرع. بالنسبة لـ"ميتا"، المزيد من الوقت على منصاتها يعني المزيد من عائدات الإعلانات.

(رويترز)
امرأة تقف بالقرب من شعار شركة "ميتا" خلال الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، 2026

أما "أمازون"، فستسعد بأن يكون لكل منزل مكبر "Echo"، ولكل وجه نظارتها الذكية، لجمع مزيد من البيانات وتعزيز نشاطها الإعلاني المتنامي وتسهيل الشراء من منصتها. ولكن بالنسبة لـ"Open AI"، فإن تخلي الناس عن الشاشات واعتمادهم على روبوت محادثة لإدارة تفاعلهم مع العالم الرقمي سيكون مكسبا كبيرا.

المنافسون الساعون إلى إرباك "آبل" و"غوغل" يكثفون من ضغطهم. فالأمر لا يقتصر على السعي وراء مصدر دخل محتمل، بل يتجاوز ذلك إلى تصفية حسابات قديمة مع "نظام الجزية" المفروض على الهواتف الذكية

في الوقت الراهن، تبدو التهديدات التي تواجه "آبل" و"غوغل" محدودة. فمصرف "HSBC" يقدر عدد مستخدمي النظارات الذكية حول العالم بنحو 15 مليون مستخدم، بينما يُعتقد أن "آبل"، التي تعلن هذا الأسبوع نتائجها الفصلية الأخيرة، باعت 250 مليون جهاز "آيفون" خلال العام الماضي وحده. وإذا ساعدت صفقتها الأخيرة مع "غوغل" في جعل "سيري" أقل إزعاجا وأكثر كفاءة، فقد يشجع ذلك مزيدا من الناس على اقتناء "آيفون".

في المقابل، يواجه مطورو الأجهزة البديلة تحديات كبيرة. فالنظارات الذكية التي أطلقتها "غوغل" عام 2014 توقفت بعد عام فقط، جزئيا بسبب المخاوف من أن كاميراتها المدمجة تنتهك خصوصية الآخرين، وهي مخاوف لم تتبدد حتى اليوم. وهناك أيضا عقبات تقنية، فبينما يمكن للهاتف الذكي أن يسخن ضمن حدود دون إزعاج المستخدم، لا تحتمل النظارات درجة حرارة مماثلة. كما أن طبيعتها الخفيفة والمريحة تفرض قيودا صارمة على حجم البطاريات. وكانت السخونة الزائدة وقصر عمر البطارية من بين الأسباب التي ساهمت في فشل دبوس الذكاء الاصطناعي الذي أطلقته شركة "Humane" وسط ضجة إعلامية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، قبل أن تطوي الشركة صفحته العام الماضي.

ويتوقع أليكس كاتوزيان من شركة "كوالكوم" انتشار هذه الأجهزة "الطرفية"، لكن فقط بدعم من "قرص" مساعد، أو حتى هاتف ذكي في الجيب يتولى الجزء الأكبر من المعالجة الحسابية. وصرح مارك زوكربيرغ من "ميتا" بأن مستخدمي النظارات الذكية لن يتخلوا عن هواتفهم، بل سيحدقون فيها أقل. ففي نهاية المطاف، لم يمنع ظهور الهواتف الذكية الناس من مواصلة شراء الحواسيب الشخصية.

(رويترز)
مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لشركة "ميتا"، يرتدي نظارات العرض "ميتا راي-بان"، خلال الكشف عن خط الإنتاج الجديد، سبتمبر 2025

وفوق ذلك، لا تقف "آبل" و"غوغل" مكتوفتي الأيدي. فإلى جانب الدبوس الذي يقال إن "آبل" تطوره، تشير التقارير إلى أنها تعمل على نظارات ذكية خاصة بها، اعتمادا على التقنية التي طورتها لسماعة الواقع الافتراضي "Vision Pro" التي صدرت عام 2024. وفي أكتوبر/تشرين الأول، أطلقت "غوغل" منصة "Android XR" المصممة لتشغيل خوذ الواقع الافتراضي والنظارات الذكية التي تصنعها "سامسونغ" وغيرها. كما طرحت مؤخرا نسخة جديدة من مكبرها الذكي تعمل بنظام "Gemini".

مستخدمو النظارات الذكية لن يتخلوا عن هواتفهم، بل سيحدقون فيها أقل

مارك زوكربيرغ

وربما يتمثل الأثر الأكبر للذكاء الاصطناعي على سوق الأجهزة في إعادة توزيع الغنائم داخل هذه الهيمنة الثنائية. فمع دمج "Gemini" في منظومتي "آبل" و"أندرويد"، تمتلك "غوغل" فرصة الوصول إلى كم هائل من البيانات يعزز ذكاء نماذجها. وبدأت الشركة تجني ثمار ذلك بالفعل، إذ تجاوزت القيمة السوقية لـ"ألفابت"، الشركة الأم لـ"غوغل"، قيمة "آبل" مؤخرا، وأصبحت خلف "إنفيديا" مباشرة. وقد تجد "آبل" نفسها لاحقا نادمة على منح "غوغل" كل هذا النفوذ.

(1)- تُشبّه عبارة "لينون ومكارتني في عصر الهواتف الذكية" شركتي "آبل" و"غوغل" بثنائي التأليف الموسيقي الشهير في فرقة "البيتلز"، جون لينون وبول مكارتني، اللذين صاغت شراكتهما ملامح جيل موسيقي كامل. ويُقصد بها هنا أن "آبل" و"غوغل" أسهمتا معا في تشكيل منظومة الهواتف الذكية الحديثة وهيمنتا عليها لسنوات طويلة، عبر علاقة تجمع بين التنافس والتعاون في آن واحد. [المترجم]

font change

مقالات ذات صلة