دافوس في زمن ترمب... هل ينجح في لم الشمل الاقتصادي العالمي؟

حضور سعودي وازن وصندوق النقد يشيد بتنوع اقتصاد المملكة

أ.ف.ب.
أ.ف.ب.
إنطلاق منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس، تحت حراسة مشددة، سويسرا 24 يناير 2025

دافوس في زمن ترمب... هل ينجح في لم الشمل الاقتصادي العالمي؟

في لحظة عالمية مثقلة بالتوترات الجيوسياسية والتحولات التكنولوجية العميقة، ينعقد الاجتماع السنوي السادس والخمسون للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بين 19 و23 يناير/كانون الثاني، تحت شعار "روح الحوار". ويجمع المنتدى هذه السنة نحو 3000 شخصية من أكثر من 130 دولة، في واحدة من أوسع دوراته من حيث التمثيل السياسي والاقتصادي منذ تأسيسه في سبعينات القرن الماضي، وسط تساؤلات متزايدة عن جدوى المنصة وقدرتها على التأثير في عالم يتجه بثبات نحو الانقسام وتغليب المصالح الوطنية.

حضور قياسي ونخبة عالمية

يشهد دافوس 2026 مشاركة نحو 400 قائد سياسي رفيع المستوى، بينهم نحو 65 رئيس دولة أو حكومة، وستة من قادة مجموعة السبع، إلى جانب أكثر من 1700 من قادة الأعمال، بينهم نحو 850 من الرؤساء التنفيذيين الكبار ورؤساء مجالس الإدارات، ونحو 100 من رواد التكنولوجيا والشركات الناشئة المؤثرة. كما يشارك نحو 200 ممثل عن المجتمع المدني والأوساط الأكاديمية ومراكز الفكر.

ويعكس هذا الزخم، بحسب المنتدى، إدراكا متزايدا بأن الحوار بين القطاعين العام والخاص لم يعد ترفا، بل ضرورة في زمن تتداخل فيه الأزمات الاقتصادية مع النزاعات السياسية والتغير المناخي والتقدم التكنولوجي المتسارع. ويقول الرئيس التنفيذي للمنتدى، بورغه بريندي، إن "الحوار في أوقات عدم اليقين ضرورة ملحة"، معتبرا أن نسخة هذا العام قد تكون من بين الأهم في تاريخ دافوس.

أجندة تحت ضغط الواقع العالمي

يرتكز برنامج المنتدى على خمس قضايا محورية: كيفية التعاون في عالم يزداد تنافسا، إطلاق مصادر جديدة للنمو، الاستثمار في البشر، توظيف الابتكار بشكل مسؤول، وبناء الازدهار ضمن حدود الكوكب. غير أن هذه العناوين العريضة تأتي في سياق دولي شديد الاضطراب، حيث تتصدر "المواجهة الجيواقتصادية" قائمة الأخطار العالمية وفق التقرير السنوي للمنتدى، متقدمة على النزاعات المسلحة وتغير المناخ.

يحتل الذكاء الاصطناعي موقعا محوريا في أجندة "دافوس 2026"، لا بوصفه محركا للنمو فحسب، بل باعتباره ساحة اشتباك جديدة بين منطق السوق وضرورات الدولة

ويعرف المنتدى هذه المواجهة بأنها استخدام أدوات السياسة الاقتصادية، من رسوم جمركية وقيود استثمارية وعقوبات ودعم حكومي، كسلاح لتعزيز النفوذ وتقويض المنافسين. وترى المديرة العامة للمنتدى، سعدية زاهدي، أن هذا التوجه "يقوض أسس التعاون الدولي"، مشيرة إلى أن سياسات "أميركا أولا" أسهمت في تصعيد التوترات التجارية والمالية عالميا.

الذكاء الاصطناعي… خط تماس جديد

يحتل الذكاء الاصطناعي موقعا محوريا في أجندة "دافوس 2026"، لا بوصفه محركا للنمو فحسب، بل باعتباره ساحة اشتباك جديدة بين منطق السوق وضرورات الدولة. فمع الانتشار السريع للتقنيات التوليدية، باتت الأسئلة المطروحة تتجاوز الابتكار والكفاءة، لتطال قضايا السيادة الرقمية، وحوكمة البيانات، وتوزيع القوة الاقتصادية. ويعكس تركيز المنتدى على "التوظيف المسؤول للابتكار" وعيا متقدما بأن الاعتماد الكامل على السوق لتطوير الذكاء الاصطناعي قد يعمق الفجوات الاجتماعية ويعيد تشكيل موازين النفوذ العالمي لمصلحة عدد محدود من الشركات والدول.

أ.ف.ب.
حضور الرئيس الأميركي دونالد ترمب سيهيمن على منتدى دافوس 2026، كما هيمن عبر الشاشة في العام المنصرم، 23 يناير 2025

في المقابل، تخشى الحكومات من أن يؤدي الإفراط في التنظيم إلى خنق الابتكار وفقدان القدرة التنافسية، خصوصا في ظل سباق عالمي محتدم تقوده الولايات المتحدة والصين. وبين هذين القطبين، يحاول "دافوس" لعب دور الوسيط، عبر الدفع نحو أطر مرنة للحوكمة تجمع بين تشجيع الابتكار وحماية المصلحة العامة. ويبرز هذا التوتر كأحد العناوين الأعمق للمنتدى، إذ لم يعد النقاش حول الذكاء الاصطناعي تقنيا بحتا، بل سياسي واقتصادي بامتياز.

ترمب… رسم التوازنات الجيوسياسية

وسط هذا المشهد، يحضر الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى دافوس على رأس أكبر وفد أميركي في تاريخ المنتدى، وينظر إلى مشاركته على أنها سيف ذو حدين: فهي من جهة تضيف زخما إعلاميا وسياسيا، ومن جهة أخرى تجسد التناقض بين رسالة المنتدى الداعية إلى التعاون المتعدد الأطراف، وسياسات ترمب الانعزالية التي شككت في أسس النظام الدولي القائم على القواعد.

من خلال "البيت السعودي" وسلسلة الحوارات المصاحبة، تسعى الرياض إلى تقديم نفسها فاعلا مشاركا في إعادة صوغ مفهوم الاستثمار بوصفه أداة للتنمية الشاملة وبناء القدرات، لا مجرد تدفق لرؤوس الأموال

ومن المتوقع أن يحمل ترمب إلى دافوس أجندة تتجاوز التجارة، لتشمل إعادة رسم التوازنات الجيوسياسية، من أوكرانيا وغزة إلى إيران وغرينلاند. كما ينتظر أن تستضيف دافوس محادثات جانبية بين الوفد الأميركي والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وحلفاء من مجموعة السبع حول الضمانات الأمنية المحتملة في حال التوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا.

السعودية… حضور يتجاوز الاستثمار

تحضر السعودية بوفد رفيع المستوى برئاسة وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، وعضوية وزراء الاقتصاد والتخطيط، والاستثمار، والمالية، والتجارة، والطاقة والصناعة، والسياحة، والاتصالات، إلى جانب سفيرة المملكة في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر. وعلى هامش المنتدى، تنظم هيئة "استثمر في السعودية" فاعليات متخصصة تحت مظلة "البيت السعودي"  (Saudi House)، بهدف التواصل مع المستثمرين العالميين واستعراض البيئة الاستثمارية وفرص الشراكات في القطاعات ذات الأولوية.

انطلاق فاعليات منتدى الاقتصاد العالمي في دافوس، سويسرا 18 يناير 2026

ويعود جناح "سعودي هاوس" هذا العام بسلسلة تزيد على 20 جلسة حوارية، منها أكثر من عشر جلسات معتمدة من المنتدى، تتناول محاور تشمل الاستثمار، وتنمية القدرات البشرية، وجودة الحياة، والبيانات، ورؤية المملكة 2030. ويؤكد الأمير فيصل بن فرحان أن دافوس يمثل "فرصة مهمة لتعزيز التعاون الدولي وبناء القدرات المؤسسية والبشرية"، مشددا على التزام المملكة دورها في دعم الاستقرار والتنمية المستدامة.

يكتسب الحضور السعودي هذا العام دلالة تتجاوز الترويج للفرص الاستثمارية، ليعكس تحولا أوسع في مقاربة المملكة لدور الاستثمار في السياسات الاقتصادية. فمن خلال "البيت السعودي" وسلسلة الحوارات المصاحبة، تسعى الرياض إلى تقديم نفسها فاعلا مشاركا في إعادة صوغ مفهوم الاستثمار بوصفه أداة للتنمية الشاملة وبناء القدرات، لا مجرد تدفق لرؤوس الأموال.

وتقدم "رؤية المملكة 2030" نموذجا يستند إلى ربط الاستثمار بالإصلاحات المؤسسية، وتنمية رأس المال البشري، ونقل التكنولوجيا، وهو ما ينسجم مع النقاشات الدائرة في دافوس حول مستقبل النمو في عالم يتسم بالتباطؤ والتجزئة. كما يضع هذا التوجه السعودية في موقع مختلف عن الاقتصادات التقليدية المصدرة لرأس المال أو المستقبِلة له، إذ تسعى إلى لعب دور "الوسيط التنموي" القادر على الجمع بين الدولة والسوق، وبين الاستقرار المالي والابتكار. وفي هذا السياق، لا يبدو الحضور السعودي في دافوس مجرد مشاركة رفيعة المستوى، بل محاولة واعية للتأثير في النقاش العالمي حول شكل السياسات الاقتصادية والاستثمارية في مرحلة ما بعد العولمة التقليدية.

يرى ديبلوماسيون سابقون أن التحدي الحقيقي أمام المنتدى لم يعد في تنظيم الحوار، بل في إثبات أن الحوار ذاته لا يزال قادرا على إحداث فرق

وفي أولى جلسات جناح "البيت السعودي" أبدت كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، تقديرها البالغ لمسيرة الإصلاح السعودي، منوهة بـ"عنصر الإصرار" في تحقيق الإصلاح الهيكلي، الذي ميز التجربة السعودية. وقالت إن المملكة اتخذت قرارا استراتيجيا بالاهتمام بالإصلاحات وتقديم تجربتها لتشاركها مع العالم، مؤكدة أن "التنويع الاقتصادي في السعودية بات واقعا ملموسا ينطبق، اليوم، على جميع القطاعات" دون استثناء.

تناقضات دافوس... الطاقة والبيئة

تواكب المنتدى هذا العام عودة قوية لشركات النفط الكبرى، مثل "إكسون موبيل" و"شل" و"توتال إنرجيز"، في ظل تراجع زخم الانتقال الطاقي تحت ضغط اعتبارات أمن الطاقة والجغرافيا السياسية. ويرى منظمو المنتدى أن هذا الحضور يرسخ التحول في أولويات الاقتصاد العالمي، لا التراجع عن الأهداف البيئية بقدر ما هو إعادة ترتيب للواقعية السياسية.

.أ.ف.ب
متظاهرون يرتدون أقنعة لبعض حضور منتدى دافوس، سويسرا 18 يناير 2026

في المقابل، تجدد المنظمات البيئية انتقاداتها لـ"دافوس"، إذ أظهرت دراسة لمنظمة "غرينبيس" زيادة ملحوظة في رحلات الطيران الخاص إلى المطارات المحيطة بالمنتدى، معتبرة أن "انبعاثات الرفاهية" تقوض صدقية الخطاب المناخي الذي يرفعه المشاركون.

هل لا يزال لـ"دافوس" دور؟

في عالم يتآكل فيه الإيمان بالتعددية، يرى بعض المراقبين أن "دافوس" لم يعد منصة لصنع القرار بقدر ما هو مرآة تعكس انقسامات النظام الدولي. ويقول ديبلوماسيون سابقون إن التحدي الحقيقي أمام المنتدى لم يعد في تنظيم الحوار، بل في إثبات أن الحوار ذاته لا يزال قادرا على إحداث فرق.

ومع ذلك، يراهن منظمو "دافوس" على أن جمع هذا الطيف الواسع من القادة، في توقيت بالغ الحساسية، قد يساهم، ولو جزئيا، في احتواء الأخطار وتبادل الرؤى حول مستقبل الاقتصاد والسياسة العالميين. وبين التفاؤل الحذر والشك العميق، يدخل "دافوس 2026" اختبارا جديدا لدوره كأكثر تجمع للنخب تداولا وتأثيرا على الساحة الدولية.

font change