من فنزويلا إلى إيران وغرينلاند... الاقتصاد يهز أنظمة طال مقامها

ترقب في طهران والشرق الأوسط ومنطقة الكاريبي إلى "بيت الطاعة"

رويترز
رويترز
إيراني مقيم في اليابان، وقد وضع شريط لاصق على فمه ويحمل لافتة، يشارك في مسيرة دعم للاحتجاجات على النظام في إيران، طوكيو، اليابان، 18 يناير 2026

من فنزويلا إلى إيران وغرينلاند... الاقتصاد يهز أنظمة طال مقامها

هل تقدم الولايات المتحدة على ضرب طهران عسكريا، لدعم حركة المحتجين الإيرانيين الذين يطالبون بتدخل خارجي، بعدما تجاوز عدد ضحاياهم عتبة الألفي قتيل؟

حتى خدمات "ستارلينك" عبر الأقمار الاصطناعية التي كانت نافذة التواصل الوحيدة مع الحراك الشعبي الإيراني، الذي يقوده تجار البازار، تم التشويش عليها لمتابعة انتفاضة المتظاهرين في عشرات المدن والقرى، الذين يستجدون الدعم و المساندة، بعدما أقدمت السلطات على قطع خدمات الإنترنت والاتصالات الخليوية عن بلد شاسع يقطنه نحو 92 مليون نسمة.

وعلى الرغم من امتلاك إيران نحو 10 في المئة من الاحتياطيات العالمية من النفط و15 في المئة من احتياطي الغاز المؤكدة، وتصنيفها "قوة عظمى في مجال الطاقة"، فإنها تعاني أزمة محروقات خانقة. ويعيش الإيرانيون أوضاعا اجتماعية مأسوية في ظل اقتصاد متهالك وممركز، يقيد المبادرة الحرة ويغلق الأبواب أمام الاستثمار الأجنبي الرأسمالي. ولا يتجاوز متوسط الدخل الفردي 4,200 دولار سنويا، في بلد حكومته غنية وشعبه فقير، يرزح تحت ندرة العملة الصعبة، وارتفاع معدلات التضخم، وغلاء الأسعار، إلى جانب قمع الحريات وغياب شبه كامل لوسائل الترفيه والتعبير، مما فجر احتجاجات واسعة منذ أواخر عام 2025.

هل يعيد التاريخ نفسه في إيران؟

يستعد نظام ولاية الفقيه لإحياء الذكرى السابعة والأربعين لقيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية، في ظل اتهامات أميركية له بالضلوع في اقتحام السفارة الأميركية في طهران واحتجاز نحو 400 من موظفيها لأشهر طويلة، عقب ثورة الإمام الخميني التي أطاحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي في 11 شباط/فبراير 1979. وشكلت تلك الحادثة ضربة قاسية للإدارة الأميركية آنذاك برئاسة الرئيس الديمقراطي الراحل جيمي كارتر، الذي أخفق في إنقاذ رهائن السفارة، فيما تكبدت الولايات المتحدة خسائر جنودها وسمعتها، بعد تحطم ثماني مروحيات عسكرية خلال العملية في صحراء إيران.

تبدو الظروف الراهنة مواتية لتصحيح أخطاء أميركية وأوروبية متراكمة في الشرق الأوسط، ولا سيما بعدما فقدت إيران عددا من حلفائها الإقليميين، وتعرضت أذرعها إلى انحسار واضح

ومنذ ذلك التاريخ، ترسخت أحقاد وضغائن ورغبة في تصفية حسابات قديمة، امتدت على مدى ما يقارب خمسة عقود. وتبدو الظروف الراهنة، في نظر دوائر غربية، مواتية لتصحيح أخطاء أميركية وأوروبية متراكمة في الشرق الأوسط، ولا سيما بعدما فقدت إيران عددا من حلفائها الإقليميين، وتعرضت أذرع فصائلها المدافعة عن "الثورة" باسم العقيدة الشيعية إلى انحسار واضح. وفي هذا السياق، لم يستبعد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الخيار العسكري، قائلا إن "إيران تواصلت مع واشنطن واقترحت التفاوض حول ملفها النووي، لكننا قد نضطر إلى التحرك قبل ذلك بسبب التطورات الأخيرة"، في إشارة إلى تسارع الأحداث.

أ.ف.ب
متظاهرون احتجاجا على حملة القمع الدموية في إيران أمام البيت الأبيض في واشنطن، 17 يناير 2026

ويرى بعض المحللين أن ترمب يبدي اهتماما أكبر بملف جزيرة غرينلاند وضمها إلى المجال الأميركي، إلا أنه يبقي خيار التدخل العسكري في إيران قائما، رهن تطورات المشهد واختيار التوقيت المناسب، بعد رفع مستوى الجاهزية في القواعد العسكرية الأميركية المنتشرة في البحر المتوسط والخليج العربي والمحيط الهندي. وفي هذا الإطار، تنقل الصحافة الفرنسية تقديرات مفادها أن "الضربة قادمة لا محالة، لكنها تحتاج إلى غطاء سياسي وديبلوماسي من الحلفاء، من دون إغضاب الخصوم".

دول نفطية في عين العاصفة الأميركية

من طهران إلى كاراكاس فغرينلاند، تبدو الإدارة الأميركية عازمة على محو عار تاريخي يعود إلى أزمة الصواريخ النووية في كوبا عام 1962، إبان إدارة الرئيس ريتشارد نيكسون. لذلك، أقدمت واشنطن أخيرا على نشر أكبر قوة عسكرية أميركية في خليج البحر الكاريبي منذ عقود، وفرضت قيودا صارمة على الملاحة، مانعة أي سفينة أجنبية من دخول المياه الفنزويلية أو تصدير النفط منها من دون موافقة الرئيس شخصيا، وذلك في أعقاب ملاحقة سفينة نفط روسية في القطب الشمالي.

يسعى ترمب إلى إعادة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي إلى "بيت الطاعة" الأميركي، في وقت تمثل المنطقة نحو 19,2 في المئة من تجارة الولايات المتحدة الخارجية

وكان ترمب قد وعد بتحويل عائدات النفط إلى الشعب الفنزويلي، ومنح الشركات الأميركية العاملة هناك حصة تتراوح بين 30 و50 مليون برميل لمعالجتها في المصافي الأميركية، بما يسهم في خفض تكلفة المحروقات على الاقتصاد الأميركي. وهي مقاربة يرى مراقبون أنها قابلة للتكرار في دول أخرى خارج المنطقة، ولا سيما أن خلافات ترمب تكاد تنحصر مع دول "مارقة" مصدرة للطاقة، حكوماتها غنية وشعوبها فقيرة، تنفق الجزء الأكبر من عائدات النفط والغاز على التسلح، وتغذي الفتن والنزاعات في محيطها الإقليمي.

رويترز
قوات أميركية خاصة تقتاد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بعد هبوط مروحية عسكرية في الولايات المتحدة، تمهيدا لتسليمه للمحاكمة، 5 يناير 2026

ويسعى ترمب إلى إعادة أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي إلى "بيت الطاعة" الأميركي، في وقت تمثل فيه هذه المنطقة نحو 19,2 في المئة من تجارة الولايات المتحدة الخارجية. وبلغت الصادرات الأميركية إليها نحو 517 مليار دولار، فيما تجاوزت الواردات، ولا سيما من المكسيك، 661 مليار دولار، مما كبد الاقتصاد عجزا تجاريا قدر بنحو 144 مليار دولار في عام 2024. كما صدرت واشنطن خدمات بقيمة 135 مليار دولار، خصوصا في قطاع التكنولوجيا، في مقابل واردات خدمية بلغت نحو 95 مليار دولار، وفق بيانات مكتب التجارة الأميركي. ولا تنظر الولايات المتحدة بعين الرضا إلى تنامي الحضور الصيني في أميركا اللاتينية والكاريبي، لا سيما في مجالات المعادن الحيوية والأنشطة المرتبطة بالاقتصاد الدائري، إذ لا تزال واشنطن تعتبر المنطقة "حديقتها الخلفية"، وتعيد إحياء شعار "أميركا للأميركيين".

سقوط الممانعين والتحكم بالطاقة

لم يكن سقوط سلطة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، واختطافه من قصره في كاراكاس واعتقاله من قبل الولايات المتحدة بتهم تتعلق بالاتجار الدولي بالمخدرات، عملا منفردا يستهدف نظاما شيوعيا يعارض الهيمنة الاقتصادية الأميركية على ثروات أميركا اللاتينية، أو خطوة معزولة لرفع إنتاج وتصدير النفط من مليون إلى أربعة ملايين برميل يوميا لتحسين أوضاع شعب يمتلك أكبر احتياطي عالمي للطاقة. بل يأتي ذلك، وفق هذا المنظور، في إطار خطة ترمبية أُعدت منذ أشهر، تهدف إلى تصفية الخصوم المناوئين والمزعجين للولايات المتحدة على امتداد الخريطة الدولية.

تبدو الصين في صميم الاستهداف الأميركي، إذ تعد المستورد الأول للنفط الفنزويلي بنسبة تفوق 70 في المئة، والمورد الأساس لإيران بالسلع الصناعية والتكنولوجية في مقابل النفط والغاز

ويرى ترمب أن إطاحة تلك الأنظمة تمثل جزءا من المصلحة الاستراتيجية العليا للولايات المتحدة، لحماية شعبها وتعزيز اقتصادها ونفوذها العسكري. ويشير بعض المحللين إلى أن قمة ترمب–بوتين، التي عقدت في ولاية ألاسكا خريف العام المنصرم، قد تشكل نموذجا غير معلن لتقسيم النفوذ العالمي، على غرار القمة التي جمعت الرئيس رونالد ريغان والزعيم ميخائيل غورباتشوف في ريكيافيك بأيسلندا عام 1988، والتي مهدت لانهيار جدار برلين، وإعادة توحيد ألمانيا، ونهاية حقبة الاتحاد السوفيتي، وإطلاق العولمة الاقتصادية التي مكنت الصين من التحول إلى القوة الاقتصادية الثانية عالميا، بناتج محلي إجمالي يبلغ نحو 20,6 تريليون دولار، في مقابل 31,5 تريليون دولار للولايات المتحدة في عام 2026، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي.

 إبعاد الصين وتحييدها في فنزويلا وإيران

ولا تبدو الصين بعيدة عن الاستهداف الأميركي، فهي المستورد الأول للنفط الفنزويلي بنسبة تفوق 70 في المئة، والمورد الأساس لإيران من السلع الصناعية والتكنولوجية في مقابل النفط والغاز، خارج نطاق العقوبات الغربية. وهدد الرئيس ترمب بفرض عقوبات تجارية تصل إلى 25 في المئة على كل الدول المتعاملة مع إيران، في مسعى لخنق الاقتصاد المحلي. ومع ذلك، ينصح مسؤولون في الإدارة الأميركية بعدم تكرار تجربة حصار العراق بين عامي 1991 و2003، إذ غالبا ما تتضرر الشعوب المقهورة من تأثير العقوبات الاقتصادية، بينما تظل الأنظمة الاستبدادية بمنأى عنها.

من جهتها، أعلنت الصين، التي تتحكم بنحو 60 في المئة من الإنتاج العالمي للمعادن النادرة، وهي العناصر الحيوية لصناعة أشباه الموصلات والمكونات الإلكترونية، فرض قيود مؤقتة على تصدير هذه المعادن إلى أي دولة دعمت اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقد أثار هذا القرار قلقا بالغا لدى عمالقة التكنولوجيا الأميركية مثل "آبل" و"مايكروسوفت" و"غوغل" و"إنتل"، التي تعتمد بشكل كبير على سلاسل التوريد الصينية في مكوناتها الرئيسة وأنظمتها الإنتاجية.

أ.ف.ب
رفع المتظاهرون في لاهاي لافتات وأعلاماً إيرانية خلال تظاهرة لدعم المسيرات الحاشدة في إيران، 10 يناير 2026

ولإبعاد موسكو عن طريق الحرير الصيني، قد تسعى واشنطن إلى تمكين فلاديمير بوتين من مكاسب محدودة في حربه على أوكرانيا، التي قد يتم إعادة إعمارها بمجهود تمويلي تساهم فيه الولايات المتحدة، على غرار برنامج "مارشال" الذي أعاد بناء دول أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. من جهتها، قد لا تعارض موسكو سيطرة الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند شمال الدنمارك واعتبارها جزءا من المجال الاستراتيجي الأميركي في القطب الشمالي. وتبقى تكلفة هذه الصفقة الجغرافية وعدد الأنظمة المتأثرة بها غير محددة حتى الآن.

إيران في عين العاصفة

ويكاد يجمع المحللون على أن موسكو قد لا تتمسك بنظام خامنئي في إيران، أو أنظمة أخرى مناوئة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إذا استمر الحراك الشعبي وواجهته تلك الحكومات بقتل مزيد من المدنيين، كما حصل مع نظام بشار الأسد في نهاية 2024. وتبدو إيران حلقة ضعيفة ضمن خريطة التوافقات والصفقات الجديدة، بعدما فقدت معظم أذرعها الدفاعية الأمامية، لا سيما "حزب الله" اللبناني الذي تعرض لضربات مدمرة من إسرائيل خلال العام المنصرم. كما أن بداية استقرار الأوضاع الأمنية في اليمن، والحسم السعودي في النزاعات المجاورة، والتحول السياسي في العراق بعد الانتخابات الأخيرة، تجعل طهران بدون غطاء الجماعات المسلحة كما كان سابقا، مما قد يدفع الحرس الثوري نحو مزيد من التصعيد.

الضربة القاصمة تكمن في عجز الاقتصاد عن الصمود أمام مطالب المحتجين على اختلاف فئاتهم، ولا سيما تجار البازار الذين شكلوا تاريخيا العمود الفقري لإطاحة الشاه، وساهموا في عودة آية الله الخميني وإعلان الجمهورية الإسلامية

ورفع متظاهرون إيرانيون في لندن وعواصم أوروبية أخرى راية الشمس والأسد فوق مباني سفارات بلادهم، رمز عهد الشاه، في تحد غير مسبوق للدولة الإسلامية. واستجابة لهذه الاحتجاجات، قرر البرلمان الأوروبي حظر دخول الديبلوماسيين والمسؤولين الإيرانيين إلى مقره في ستراسبورغ، في مؤشر الى بداية قطيعة رسمية. من جانبها، استدعت وزارة الخارجية الإيرانية في طهران سفراء بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبلجيكا، احتجاجا على ما وصفته بـ"دعمهم لحركة الاحتجاجات" التي يقودها المعارضون الإيرانيون المقيمون في أوروبا.

أ.ف.ب

وقالت قناة "سي. إن. إن." إن ثلاثة أسابيع من الانتفاضات الشعبية في إيران أسفرت عن مقتل 544 شخصا على الأقل، معظمهم من الشباب والنساء والتجار في طهران ومحافظات أخرى، الذين أطلق عليهم الحرس الثوري النار بشكل متعمد. علما أن وسائل أخرى ذكرت أن عدد القتلى بات بالآلاف حتى الساعة ويصعب التأكد من المعلومات نظرا للتعتيم والقمع الإعلامي من قبل الحكومة. وكشفت القناة أن الإدارة الأميركية لا تستبعد خيار التدخل العسكري، وهو سيناريو تم تداوله خلال زيارة رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الأخيرة لواشنطن، وقد يكون حصل على ضوء أخضر في هذا الاتجاه. من جهته، هدد رئيس البرلمان الإيراني بقصف القواعد العسكرية والتجارية الأميركية في المنطقة، وهو ما وصفه محللون أمنيون بأنه "تصعيد إعلامي أكثر منه قدرة عسكرية"، في ظل تعقيدات داخلية نابعة من الانقسام بين الجيش النظامي، الذي يميل إلى الواقعية، والحرس الثوري، المندفع تحت تأثير العاطفة والأيديولوجيا.

تراجع الناتج المحلي الإجمالي الإيراني من أكثر من 700 مليار دولار عام 2011، إلى نحو 375 مليار دولار فقط في نهاية عام 2025، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، مما يعني أن البلاد فقدت نحو نصف ثروتها خلال 14 عاما

قد لا تكون الأوضاع الدولية مواتية للحكومة الإيرانية، وهذا أمر ليس جديدا، غير أن الضربة القاصمة تكمن في عجز الاقتصاد عن الصمود أمام مطالب الغاضبين والمحتجين على اختلاف فئاتهم، ولا سيما تجار البازار الذين شكلوا تاريخيا العمود الفقري لإطاحة الشاه، وساهموا في عودة آية الله الخميني من باريس وإعلان الجمهورية الإسلامية. اليوم، تبدو الصورة شبيهة من حيث الظروف، لكنها تسير في الاتجاه المعاكس، إذ إن تدهور مستوى معيشة السكان كان، ولا يزال، المحرك الأساس لكل الثورات عبر التاريخ. فقد تراجع الناتج المحلي الإجمالي الإيراني من أكثر من 700 مليار دولار عام 2011، إلى نحو 375 مليار دولار فقط في نهاية عام 2025، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي، مما يعني أن البلاد فقدت نحو نصف ثروتها خلال 14 عاما، في وقت تضاعف فيه عدد السكان. 

ونتيجة لذلك، بات حجم الاقتصاد عاجزا عن تلبية حاجات نحو 100 مليون نسمة، بدخل فردي يصنف ضمن فئة المتوسط الضعيف. وحتى نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، لم تتجاوز قيمة التجارة الخارجية الإيرانية نحو 76 مليار دولار، بفعل العقوبات الاقتصادية الأميركية والأوروبية، في حين تصدر إيران نحو مليوني برميل نفط يوميا، وهي عائدات لا تكفي لتأمين حاجات الأسواق المحلية من السلع الاستهلاكية الأساسية.

font change

مقالات ذات صلة