خرج الإيرانيون إلى الشوارع مرات لا تحصى، احتجاجا على النظام الذي استولى على السلطة بعد ثورة عام 1979، في مشهد بات مألوفا في تاريخ الجمهورية الإسلامية، لكنه يحمل هذه المرة دلالات أعمق وأكثر خطورة.
فالدافع إلى الاحتجاج، لم يعد محصورا في الطابع العقائدي والقمعي للنظام، بل اتسع ليشمل ضائقة اقتصادية خانقة، تمس تفاصيل الحياة اليومية. ومع اتساع رقعة الغضب، برز تطور لافت تمثل في انخراط تجار بازار طهران، الذين اعتبروا تقليديا من ركائز التأييد للنظام، بعدما ظلوا على مسافة من الاحتجاجات السابقة. دخولهم على خط المواجهة، يعد تحولا مقلقا للسلطة، وإن لم يكن بالضرورة مؤشرا حاسما على قرب نهايتها.
في مواجهة هذا الحراك، دفعت السلطات بقوات أمن النظام والحرس الثوري والميليشيا الموالية المعروفة باسم "الباسيج" إلى الشوارع بأعداد كبيرة لقمع الاحتجاجات. وترددت تقديرات تفيد بأن نحو ثلاثة آلاف شخص لقوا حتفهم، فيما أصيب واعتقل آلاف آخرون، مع ترجيحات بأن تكون حصيلة القتلى أعلى بثلاثة أو أربعة أضعاف من الأرقام المعلنة.
وفي تفسيره للأزمة، يعزو النظام الإيراني ما يجري إلى تدخل خارجي، يهدف إلى زعزعة استقرار البلاد، ويلقي باللوم على العقوبات الدولية، لما لها من تأثير بالغ في الاقتصاد. وقد تحمل هذه المزاعم قدرا من الصحة، إلا أن جذور الأزمة تبدو أعمق، إذ تنبع في جوهرها من اختلالات بنيوية داخل النظام نفسه.
فالتضخم يتراوح بين 45 و50 في المئة، والريال الإيراني فقد جزءا كبيرا من قيمته أمام العملات الأجنبية، فيما تتفاقم مشكلات دفع المعاشات التقاعدية، ويشعر الإيرانيون بإنهاك عام. وفي الوقت الذي يزداد فيه الناس فقرا يوما بعد يوم، تواصل نخب النظام والانتهازيون مراكمة الثروات، في ظل فساد مستشر يفاقم الشعور بالغبن.
وإلى جانب الأزمة الاقتصادية، أخفقت السلطات على مدى سنوات طويلة في معالجة مشكلات مزمنة، من بينها تلوث هواء طهران، لتضاف إليها اليوم أزمة الجفاف. في المقابل، وجهت الموارد الشحيحة للبلاد إلى برامج تسليح متعددة، دمر كثير منها إلى حد كبير نتيجة هجمات نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

