قمة "الناتو" في أنقرة... اختبار جديد لتماسك الحلف في ظل ترمب

هل يزور أحمد الشرع تركيا بالتزامن مع انعقادها؟

رويترز
رويترز
أعلام الدول الأعضاء في حلف الناتو ترفرف في مقر الحلف في بروكسل ببلجيكا، 2 أبريل 2025

قمة "الناتو" في أنقرة... اختبار جديد لتماسك الحلف في ظل ترمب

تكتسب القمة السادسة والثلاثون لحلف شمال الأطلسي، المقرر عقدها في أنقرة يومي 7 و8 يوليو/تموز 2026، أهمية خاصة. ولا تُستمد هذه الأهمية من احتمال صدور قرارات كبرى أو وثائق مفصلية، بقدر ما تستمدها من توقيتها، إذ تنعقد في لحظة تشهد تطورات جيوسياسية واسعة ونقاشات داخلية عميقة داخل الحلف، وكلها ملفات تمس مستقبل المنظمة وموقعها في النظام الدولي.

تترك الحربان في أوكرانيا وإيران آثارا عميقة في الأمن والسياسة على المستويين الإقليمي والدولي، في وقت يعاد فيه بناء الهيكل الأمني الأوروبي، ويتعرض الشرق الأوسط لموجة جديدة من إعادة التشكل.

وتضاف إلى ذلك حال من الفتور في العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين. فقد أسهمت سياسات الرئيس دونالد ترمب، وأسلوبه في إدارة العلاقات عبر الأطلسي، في إبعاد عدد من قادة الدول الحليفة عن واشنطن، وإثارة تساؤلات حول موثوقية الولايات المتحدة والتزامها بأمن شركائها.

ويرى ترمب أن حلف "الناتو" يحتاج إلى تحديث، وأنه يفرض عبئا ثقيلا على الولايات المتحدة. وقد وجّه انتقادات حادة إلى قادة الدول الحليفة بعد رفضهم الاستجابة لدعوته إلى دعم جهود إعادة فتح مضيق هرمز.

وبلغ غضب ترمب حد أنه قال، خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض في 25 يونيو/حزيران، عُقد أثناء زيارة الأمين العام لحلف "الناتو" مارك روته، إنه ما كان ليحضر قمة "الناتو" لولا أن الرئيس رجب طيب أردوغان طلب منه شخصيا المشاركة في اجتماع أنقرة.

يتمثل الهدف المعلن للرئيس دونالد ترمب في تخفيف العبء الذي تتحمله الولايات المتحدة في أمن أوروبا، ودفع الأوروبيين إلى الاضطلاع بمسؤولية أكبر في الدفاع عن قارتهم

في هذا السياق، يُنتظر من قمة أنقرة أن تكون مناسبة لإظهار وحدة الحلف، وإطلاق الخطوات التنفيذية لمفهوم "الناتو 3.0". وعلى نحو أوسع، تبدو هذه القمة اختبارا جديدا لقدرة الحلف على الحفاظ على تماسكه في ظل رئاسة ترمب.

ما المتوقع من قمة أنقرة؟

ستكون إحدى الأولويات تهدئة الأجواء المتوترة بين دونالد ترمب وقادة الدول الحليفة. وفي هذا الإطار، يُتوقع أن يؤدي الرئيس رجب طيب أردوغان، بصفته رئيس الدولة المضيفة ولعلاقته الجيدة بترمب، دورا رئيسا في تقريب المواقف. وسيشاركه هذا الدور الأمين العام لحلف "الناتو" مارك روته، الذي يحرص دائما على إدارة العلاقة مع ترمب بأكبر قدر ممكن من المرونة. غير أن تحقيق تقدم حقيقي في هذا المسار قد يبقى صعب المنال.

وستبعث القمة، في جميع الأحوال، برسالة تؤكد أن الحلفاء يمضون معا، رغم الخلافات، في إطار من الوحدة والتنسيق. ومن المرجح أن يجدد القادة التزامهم بالمادة الخامسة من معاهدة واشنطن لعام 1949، وهي جوهر الدفاع الجماعي في "الناتو"، وتنص على أن أي هجوم على دولة عضو يعد هجوما على جميع أعضاء الحلف.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يشارك في اجتماع مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، الولايات المتحدة، 24 يونيو 2026

كما سيحتل مفهوم "الناتو 3.0" موقعا متقدما على جدول الأعمال. ويستخدم هذا المفهوم لوصف التحول الجاري داخل الحلف، انطلاقا من تقسيم تاريخه إلى ثلاث مراحل: مرحلة الحرب الباردة، ومرحلة ما بعد الحرب الباردة، ثم المرحلة الثالثة التي بدأت مع الحرب في أوكرانيا. وقد وصف الأمين العام مارك روته هذه المرحلة بأنها مسار جديد يصبح فيه الحلف أقل اعتمادا على الولايات المتحدة، مع بقائه راسخا في الإطار الأطلسي. وفي أنقرة، سيحاول الحلفاء تأكيد التزامهم بهذا التحول.

ورغم استمرار بعض التباينات في الرؤى والمقاربات، ستؤكد قمة أنقرة مجددا دعمها لأوكرانيا. ويواصل "الناتو" تنسيق إيصال المساعدات إلى كييف، بما في ذلك الدعم العسكري والتدريب وأشكال المساندة الأساسية الأخرى، بالتعاون مع الدول الأعضاء والشركاء.

الولايات المتحدة تفعل أقل... وأوروبا تفعل أكثر

يتمثل الهدف المعلن للرئيس ترمب في تخفيف العبء الذي تتحمله الولايات المتحدة في أمن أوروبا، ودفع الأوروبيين إلى الاضطلاع بمسؤولية أكبر في الدفاع عن قارتهم.

وفي سبيل هذا الهدف، تمكن ترمب خلال قمة "الناتو" لعام 2025 في لاهاي من حمل الحلفاء على الموافقة على رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035. كما أمر أخيرا بسحب 5000 جندي أميركي من ألمانيا، وألغى خططا لنشر قوات جديدة في ألمانيا وبولندا.

شهدت صناعة الدفاع التركية تحولا كبيرا خلال العقدين الماضيين، وباتت تركيا اليوم من الدول البارزة في هذا المجال

فرسالة ترمب واضحة، والاتحاد الأوروبي يحاول التكيف معها. وكانت فرنسا، على وجه الخصوص، قد أبدت منذ زمن طويل عدم ارتياحها إلى هيمنة الولايات المتحدة على "الناتو"، ودعت إلى بناء منظومة أمنية أوروبية أكثر استقلالا. وقد منحت سياسات ترمب هذا التوجه دفعة جديدة.

واتخذ الاتحاد الأوروبي خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، من بينها إنشاء صندوق الدفاع الأوروبي، وتطوير برامج تمويل وائتمان داعمة، مثل برنامج "المساعدة الأمنية لأوروبا"  (SAFE).

ويجري العمل أيضا على بلورة تصور خاص بردع نووي أوروبي.

"الناتو" يمضي نحو خطوات كبرى في صناعة الدفاع

أصبح تعزيز صناعة الدفاع وزيادة الاستثمار في الإنتاج الدفاعي من أولويات "الناتو". وفي إطار البرنامج الرسمي لقمة أنقرة، سيُعقد منتدى صناعة الدفاع في 7 يوليو/تموز في مركز مؤتمرات أنقرة، بمشاركة كبار مسؤولي "الناتو" والدول الحليفة والشركاء، إلى جانب قادة قطاع الصناعة.

وشهدت صناعة الدفاع التركية تحولا كبيرا خلال العقدين الماضيين، وباتت تركيا اليوم من الدول البارزة في هذا المجال. وقد صرح الأمين العام مارك روته بأنه يتوقع الإعلان في أنقرة عن عقود جديدة بعشرات المليارات من الدولارات.

رويترز
مارك روته والرئيس التركي طيب أردوغان يظهران في صورة تذكارية خلال قمة للحلف في لاهاي بهولندا، في 25 يونيو 2025

الشركاء في أنقرة

كما سيزور الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أنقرة للمشاركة في مأدبة عشاء رسمية يقيمها الرئيس أردوغان، ولعقد لقاءات ثنائية مع قادة عدد من الدول الحليفة. غير أنه لن يلقي كلمة أمام القادة في الجلسة الرسمية.

وسيُعقد كذلك عشاء عمل على مستوى وزراء الخارجية بصيغة مجلس "الناتو" وأوكرانيا. ويبدأ البرنامج الرسمي للقمة في 7 يوليو/تموز باجتماع لوزراء خارجية مبادرة إسطنبول للتعاون، وهي برنامج شراكة أطلقه "الناتو" في قمة إسطنبول عام 2004، ويهدف إلى تعزيز التعاون الأمني الثنائي مع قطر والبحرين والكويت والإمارات العربية المتحدة.

تبدو أنقرة كأنها تعيش حال طوارئ غير معلنة. فعلى مدى أسبوع كامل، ستُغلق معظم الطرق الرئيسة في العاصمة أمام الجمهور. كما حُظرت التجمعات العامة

وكانت دول الخليج قد تعرضت لصواريخ وطائرات مسيرة إيرانية خلال الحرب الأميركية-الإسرائيلية-الإيرانية. ولا تشمل المادة الخامسة الدول الشريكة، غير أن هذه المبادرة توفر منصة لتبادل وجهات النظر وبحث آفاق التعاون في المستقبل.

وسيحضر إلى أنقرة أيضا شركاء "الناتو" في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهم أستراليا واليابان وكوريا الجنوبية ونيوزيلندا، كما جرت العادة في قمم "الناتو" الأخيرة.

هل يأتي رئيس سوريا إلى أنقرة؟

تتردد أنباء عن احتمال توجه أحمد الشرع، رئيس سوريا، إلى أنقرة بالتزامن مع انعقاد القمة. ولن يكون حضوره، إن حصل، بدعوة إلى القمة نفسها، بل في إطار دعوة ثنائية من تركيا، بما يتيح له عقد لقاءات مع عدد من قادة الدول الحليفة الموجودين في العاصمة التركية.

وتقول مصادر مطلعة إن دعوة رسمية لم توجه بعد إلى الشرع، وإن المسألة ما زالت قيد البحث في أكثر من جهة.

وعلى الرغم من خلفيته قائدا سابقا لـ"جبهة النصرة"، ينظر الرئيس ترمب حاليا إلى الشرع كشريك محتمل في مكافحة التنظيمات الإرهابية والمتطرفة، وفي مقدمها "داعش".

وقد أثارت فكرة ترمب الأخيرة المتعلقة بإرسال الجيش السوري إلى لبنان لمواجهة "حزب الله"، موجة من الجدل والانتقادات.

استعدادات مكثفة وانتقادات واسعة

أما على صعيد اللوجستيات والاستعدادات الأخرى، فقد أثارت إجراءات نادرا ما شهدتها قمم "الناتو" السابقة ردود فعل وانتقادات واسعة.

تبدو أنقرة كأنها تعيش حال طوارئ غير معلنة. فعلى مدى أسبوع كامل، ستُغلق معظم الطرق الرئيسة في العاصمة أمام الجمهور. كما حُظرت التجمعات العامة، بما في ذلك الندوات والفعاليات الترفيهية، ومنح موظفو الدولة إجازة إدارية باستثناء العاملين في القطاعات الحيوية.

وتتواصل أعمال التحسين والتجميل بوتيرة سريعة، بما في ذلك إعادة رصف الطرق، وتجديد مدارج المطارات، وتركيب ألواح على بعض المسارات لحجب مشاهد غير مرغوب فيها. ولا يُسمح بتنظيم مظاهرات مناهضة لـ"الناتو"، فيما احتُجز أشخاص يُنظر إليهم كمحتملين لإثارة الاضطرابات. وسيتولى نحو 70 ألف عنصر من الشرطة والدرك مهامهم الميدانية خلال فترة القمة.

وكما هي الحال في أي مدينة تستضيف حدثا بهذا الحجم، يبقى خطر الإرهاب أحد مصادر القلق. وقد قتلت قوات الأمن أخيرا عنصرا من "داعش" خلال مداهمة في أنقرة. كما مُنع عدد من الصحافيين الأتراك البارزين، المعروفين بتغطية قضايا السياسة الخارجية والذين لا يُنظر إليهم كموالين للحكومة، من الحصول على اعتماد لتغطية القمة.

وفي رد مباشر على الانتقادات، قال متحدث باسم "الناتو" إن الحلف يعتمد على تقييمات الدول المضيفة للصحافيين المحليين في مسائل الوصول إلى القمم، ما يضع مسؤولية حالات الرفض على عاتق تركيا.

font change