يقع كثيرون في فخ اعتبار الموسيقى "لغة"، سواء اعتبروها لغة عالمية لا تعترف بالحدود، أو على العكس بالضبط ـ لا سيما بين أكاديميي المنطقة العربية ـ لغة خاصة يغار عليها ولا ينبغي لها أن تتلاقح بغيرها خشية التهجين Créolisation (ولنستعمل لها "كريلة" تمييزا لها عن تهجين hybridation وهي أدق في حالتنا) التي يظنون أنها تنتج العقم والعجز والاغتراب عن الذات.
الخيار الأول، إذا مددناه على استقامته، يتجاهل الألفة الضرورية للاستماع والاستمتاع فعلا بالموسيقى، وهو ما يبنى بالمعايشة والانصات على مر سنين أحيانا. كما يتجاهل خصوصيات الموسيقات المختلفة، فيما هي بشكل واع أو غير واع بين "الموسيقى العالمية" الكبيرة و"المشرفة" وبين الأوركسترا الغربية الأوروبية والموسيقى التي كتبت لها منذ ثلاثة قرون تقريبا. ويجعل من الانتشار في الغرب مقياسا لتطور ونضج التجارب الموسيقية المحلية، وهذا بين السخف والضحالة ولا يحتاج مزيدا من التفنيد.
أما الخيار الثاني فيرفض، تحت ادعاءات الفصاحة والأصالة النقيتين وبالاستناد إلى فهمه لنظريات ألسنية، واقع إن الموسيقى المحلية نفسها هي في حالة تطور وتغير دائمين كما يثبت التدقيق في تاريخها وذلك نتيجة لقاءات متواصلة بموسيقات الآخرين ونظرياتهم وآلاتهم وقوالبهم، إذ لم تكن تلك الموسيقى نقية وصافية في أي زمن ولم يرثها أحد بهذه الصفات دون اختلاط.
التهجين من طبيعة الألسن والفنون
يتجاهل أصحاب الخيار الثاني أن الألسنية لا تدين "الكريلة " والتهجين، ولم تعد حتى تفصل بينهما بشكل حاد بل تعتبرهما درجات متفاوتة من مسار الاختلاط بين اللغات، ولا تعتبرهما بالطبع عقيمين. بل إن علينا أن نعترف اليوم أن اللغة الإنكليزية ـ الأميركية هي إحدى أكثر اللغات تهجينا بدءا من كونها اختلاطا بين لغات مختلفة كالسلتية والجرمانية واللاتينية وصولا إلى استدخالها اليوم كلمات وأساليب لا تتوقف عن التغير نتيجة لتوسعها ولامتلاك ناس جدد لها من الهند إلى سنغافورة فإلى جنوب افريقيا وإلى سائر المهاجرين إلى بريطانيا وأميركا والذين يحملون معهم ملامح لغاتهم الأصلية فيلقحون بها اللغة التي تقوى وتعظم.
ولئن اعتبر البعض أن علينا اشتراط ألا يكون التلاقي والتلاقح إلا بين متجانسين créolisation homogène فإنه، من الناحية المبدئية، يفوت تماما جمال لحظة اللقاء هذه التي لا يسعها أن تكون لقاء مع الصورة الذاتية في المرآة بل مع المغاير تماما. بل إن ذلك الشرط ينفي معنى "الكريلة" في الألسنية حيث لا يمكنها أن تكون homogène بما أنها، عند من يقولون بتمايزها الحاد عن التهجين، ابتكار لغوي جديد ينتج من فرض واقع لغوي جديد بالعنف بين الشعوب.




