في أن الموسيقى ليست لغة... شرط الانصات ومناطق الاستماع

الهجنة شرط للتطور والتعدد

Yusra Naim
Yusra Naim

في أن الموسيقى ليست لغة... شرط الانصات ومناطق الاستماع

يقع كثيرون في فخ اعتبار الموسيقى "لغة"، سواء اعتبروها لغة عالمية لا تعترف بالحدود، أو على العكس بالضبط ـ لا سيما بين أكاديميي المنطقة العربية ـ لغة خاصة يغار عليها ولا ينبغي لها أن تتلاقح بغيرها خشية التهجين Créolisation (ولنستعمل لها "كريلة" تمييزا لها عن تهجين hybridation وهي أدق في حالتنا) التي يظنون أنها تنتج العقم والعجز والاغتراب عن الذات.

الخيار الأول، إذا مددناه على استقامته، يتجاهل الألفة الضرورية للاستماع والاستمتاع فعلا بالموسيقى، وهو ما يبنى بالمعايشة والانصات على مر سنين أحيانا. كما يتجاهل خصوصيات الموسيقات المختلفة، فيما هي بشكل واع أو غير واع بين "الموسيقى العالمية" الكبيرة و"المشرفة" وبين الأوركسترا الغربية الأوروبية والموسيقى التي كتبت لها منذ ثلاثة قرون تقريبا. ويجعل من الانتشار في الغرب مقياسا لتطور ونضج التجارب الموسيقية المحلية، وهذا بين السخف والضحالة ولا يحتاج مزيدا من التفنيد.

أما الخيار الثاني فيرفض، تحت ادعاءات الفصاحة والأصالة النقيتين وبالاستناد إلى فهمه لنظريات ألسنية، واقع إن الموسيقى المحلية نفسها هي في حالة تطور وتغير دائمين كما يثبت التدقيق في تاريخها وذلك نتيجة لقاءات متواصلة بموسيقات الآخرين ونظرياتهم وآلاتهم وقوالبهم، إذ لم تكن تلك الموسيقى نقية وصافية في أي زمن ولم يرثها أحد بهذه الصفات دون اختلاط.

التهجين من طبيعة الألسن والفنون

يتجاهل أصحاب الخيار الثاني أن الألسنية لا تدين "الكريلة " والتهجين، ولم تعد حتى تفصل بينهما بشكل حاد بل تعتبرهما درجات متفاوتة من مسار الاختلاط بين اللغات، ولا تعتبرهما بالطبع عقيمين. بل إن علينا أن نعترف اليوم أن اللغة الإنكليزية ـ الأميركية هي إحدى أكثر اللغات تهجينا بدءا من كونها اختلاطا بين لغات مختلفة كالسلتية والجرمانية واللاتينية وصولا إلى استدخالها اليوم كلمات وأساليب لا تتوقف عن التغير نتيجة لتوسعها ولامتلاك ناس جدد لها من الهند إلى سنغافورة فإلى جنوب افريقيا وإلى سائر المهاجرين إلى بريطانيا وأميركا والذين يحملون معهم ملامح لغاتهم الأصلية فيلقحون بها اللغة التي تقوى وتعظم.

ولئن اعتبر البعض أن علينا اشتراط ألا يكون التلاقي والتلاقح إلا بين متجانسين créolisation homogène فإنه، من الناحية المبدئية، يفوت تماما جمال لحظة اللقاء هذه التي لا يسعها أن تكون لقاء مع الصورة الذاتية في المرآة بل مع المغاير تماما. بل إن ذلك الشرط ينفي معنى "الكريلة" في الألسنية حيث لا يمكنها أن تكون homogène بما أنها، عند من يقولون بتمايزها الحاد عن التهجين، ابتكار لغوي جديد ينتج من فرض واقع لغوي جديد بالعنف بين الشعوب.

نجاح موسيقى القصبجي وعبد الوهاب والرحابنة ومن تلاهم، إنما هو الدليل الثابت على أن مقاربة التلاقي والانفتاح على الموسيقى الغربية، ليست عقيمة البتة

أما النظرة المستعلية على لغات الكريول والتهجين، واعتبارها عقيمة بتراء، فهي ربما نتيجة النظريات القديمة التي تستبطن نظرة المستعمِر إلى الشعوب الأخرى، باعتبارها غير قادرة على الإبداع. بينما أثبتت تجارب أدبية كبرى، مثل ديريك والكوت (الحائز جائزة نوبل ويمزج الإنكليزية بمؤثراته الكاريبية) وفرانكيتيين (الذي كتب بلغة كريول هايتي) أو دفاع أدوار غليسان وباتريك شاموازو عن "الكريلة" باعتبارها انفتاحا على دهشة العالم المتجددة، ان هذه التجارب "الهجينة"، كريولية أم لا، قادرة على إنتاج ما يضارع إنتاج أي لغة أخرى متى توافر لأهلها فرصة التعلم والكتابة والانتشار في الخارج

BROOKS KRAFT / AFP
الشاعر والكاتب المسرحي الحائز جائزة نوبل ديريك والكوت في مكتبه بعد إعلان فوزه بالجائزة، 1992

ولئن استعمل هذا البعض هذه المقارنة ليهاجم ويدين كل ما شكل تقريبا أسماع العرب في القرن العشرين بتهمة "الكريلة" (تقنيا لا يمكن اعتبار هذا "التهجين" عملية "كريلة" حقا بما إنها تظل على تلاق عميق مع جذور وأجناس الموسيقى المحلية الأسبق وإن حاولت الانفتاح على العالم وما هو متغير فيه) والخروج على "نقاء وفصاحة" الموسيقى المقامية العربية (التي تكاد تنحصر عنده في المدرسة الخديوية بعد فهمها بناء على النظرية العثمانية)، فإن نجاح موسيقى القصبجي وعبد الوهاب والرحابنة ومن تلاهم، نجاحا شعبيا والأهم فنيا، إنما هو الدليل الثابت على أن مقاربة التلاقي والانفتاح على الموسيقى الغربية في حالتنا، ليست عقيمة البتة. بل إنها شكلت صوت الشرق العربي الحديث، وهوية لبنان الصوتية كبلد مستقل مختلف عن جيرانه، وقوة مصر الناعمة التي غزت أسماع وافئدة مئات الملايين لعقود طويلة. بأي مقياس آخر يمكن أن نحكم على تجربة موسيقية إن لم يكن بنجاحها في إعادة بناء الجماليات الفنية بشكل معمق ولفترة مطولة من الزمن وبإثرائها احتمالات الابتكار والتأقلم والابداع في ظل مستجدات اجتماعية وتقنية واقتصادية متعددة؟

 AFP
أم كلثوم مع الملحن وعازف العود محمد القصبجي، خمسينات القرن الماضي

حدث ذلك في وقت بات فيه من الواضح، منذ مسرح سيد درويش الذي خرج على تقاليد سلامة حجازي وقبله أبو خليل القباني متلاقيا مع المؤثرات الأوروبية، أن الأصوات التي تلت الحمولي والمنيلاوي وعبد الحي حلمي كانت قاصرة عن الدفع أبعد بمدرستهم، وأن الإطار الموسيقي الذي نتج في عصر الخديوي (من الالتقاء أصلا بالحداثة الأوروبية لجهة الحفل الموسيقي والفنان النجم وانشاء المسارح، وحتى التأثر باسطنبول في فترة تأثرها أيضا بأوروبا) وانفصل عن الموسيقى الأقدم، أي عصر الموشحات وجمالياتها البعيدة عن المدرسة الخديوية وعصر الأدوار، كان قد أقفل بمتغيرات جديدة في الساحة الموسيقية: شركات الأسطوانات، والمسرح الغنائي، ثم الإذاعة والسينما، ونشوء الهويات الوطنية التي تريد منافسة الاستعمار في ما تراه صورة التقدم.

 AFP
المطرب والملحن المصري سيد درويش، أوائل عشرينات القرن الماضي

هي ليست لغة

إن محاولة إدانة قرن كامل من الأسماع بحجة أنه "هجين"، ويخرج عن التقليد، واعتبار التهجين سبة وعقما، مستحيلة واقعا وعقلا ـ كمثل المحاولات الفاشلة في الغاء الموسيقات المحلية كما حاول اتاتورك في تركيا فترة، أو للتعالي عليها كما فعل بعض المؤلفين العرب ـ لكنها تكتسب لأول وهلة وزنا كبيرا بحجة "النقاء اللغوي" التي تعني الكثير للعرب خصوصا بالنظر إلى الأهمية المركزية للغة العربية في تشكيل الهوية العربية الجامعة، فضلا عن الجانب الديني المرتبط باللغة العربية الفصحى.

غير إن ما يضرب هذه المقاربات في مقتل، هو أصلا أن الموسيقى ليست لغة. فاللغة أساسا أداة تفكير، وهو ما لا تقوم به الموسيقى، مثلما أن هذه الأخيرة قاصرة في واقع الأمر عن التعبير والتواصل. والقول إنها لغة يمنعنا من الاستماع إليها فعلا، لأنه يحملنا على محاولة ربط أو تأويل الموسيقى بالكلمات، أو اعتبار الموسيقى تلاوة لنص ضمني، وهو ما ينزلق بسهولة في الخطاب الشائع إلى القول بأن الموسيقى تعبر عن كلام الأغاني، أو عن كلمات النص القرآني، تعبيرا يحاكي كلمة فكلمة النصوص، باعتماد مقام معين لكل حالة نفسية في النص أو باعتماد التخافض والتصاعد اللحنيين (وكأن أمام الموسيقى غيرهما، فضلا عن ان المصطلحين في حقيقة الأمر مجازيان) دليلا على الجوى أو الشوق أو الفرح أو السرور... الخ. وهذا ما لا تدعمه أمثلة التلاوة الكثيرة (ينظر كتاب "التلاوة المصرية" لهيثم أبو زيد) ولا الألحان، سواء حين يلحَّن نص واحد بأشكال كثيرة أو حين تقال نصوص كثيرة بلحن واحد.

والموسيقى لا تصلح للتواصل والتعبير. فالموسيقى لا تستطيع أن تعبر عن أي شيء بدقة، إذا تجاوزنا محاولات التقليد السطحية كتقليد زقزقة العصافير أو صوت سيارة الإسعاف، وحتى هذه لا معنى لها موسيقيا إن لم تكن "موسيقى"، أي إن لم يتم إدخالها في سياق موسيقي منظم ذي قواعد منفصل عن حياة الطيور أو عن الإجراءات الصحية. لا تستطيع الموسيقى أن تقول "أعطني شربة ماء" مثلما لا تستطيع حتى أن تقول "أنا حزين لأن فريقي المفضل خسر البطولة".

تحرير الموسيقى

وفي ظننا أن تحرير الموسيقى من هذا الاستتباع شرط أولي للإنصات إليها في ذاتها. إذ بدل التنبه إلى العناصر الموسيقية (مثل بناء الجملة الموسيقية، الاستعادات والتغيرات والتحويلات، مخاتلات النغم للايقاع، أنواع القفلات، التوزيع الموسيقي، القوالب، التوتر والارخاء ... الخ) تصبح هذه النظرة إلى الموسيقى محصورة أولا بالغناء أو الإنشاد أو الترتيل، أو افتراض أنها مضمرة، وثانيا بإخضاع النغم لفهمنا للكلمات التي تغنى أو تنشد أو ترتل أو للطبع الضمني للنص.

القول إن الموسيقى لغة يمنعنا من الاستماع إليها فعلا لأنه يحملنا على محاولة ربط أو تأويل الموسيقى بالكلمات

أما إذا توقفنا عند مرحلة أسبق من التجريد، أي اعتبار الموسيقى تعبر، لا بدقة عن الكلمات، ولكن عن مزاج غامض كالقول بأن بعض المقامات ذو طابع "قبضي" أو "بسطي" أو "معتدل" (وبعض القدماء يضيف "منشط"، وهذه التصنيفات في الواقع إشارات إلى "تأثير" الموسيقى الفني لا إلى كونها "تعبيرا" لغويا)، فإن هذه المقاربات القروسطية لتأثير الموسيقى لا تعني أنها معبرة فعلا ولا أنها أداة تواصل. فضلا عن ذلك، فإن هذه الأفكار القروسطية التي تشاكل بين الموسيقى واوتار العود والطبائع الأربع والسوائل في الجسد والأجسام في الأفلاك، انتهت في المرحلة القروسطية ذاتها إلى "مشاكلات" طريفة بين النغم مثلا وبحور الشعر، كافتراض أن بحرا ما كالوافر يليق به مقام الراست، بغض النظر عن مضامين القصيدة، أو بين جماعة المستمعين والمقام وتوقيت الموسيقى كأن يستحسن أداء مقام معين للتجار في ساعة معينة من الليل أو النهار!  

فإذا ما تركنا أحلام الأفكار القروسطية المبنية على "المشاكلات" بكل حمولتها الرمزية العتيقة، وهي ما انفصل عصرنا عنه منذ قرون نحو مقاربات أكثر دقة فلسفيا وعلميا، فإن كون الموسيقى ليست لغة، رغم التشابه الظاهر، تدعمه آراء الموسيقيين ودارسي جمالياتها وكذلك دراسات علم الأعصاب والدماغ وفلسفة اللغة. ذلك أن التشابه الظاهر ينحصر في كون الموسيقى نظاما صوتيا ذا قواعد محددة منتشرا في العالم، واللغة كذلك في غالب الأحيان، لأن ليس ما يمنع من وجود لغات غير منطوقة أو ممارسين لها غير قادرين على السماع أو النطق.

بيد أن ليس كل نظام لغة، وإن كنا نشبه الأمور لغويا بما هو الأقرب إلينا إلى اللغة، فنتحدث عن "الجملة الكروية" في كرة القدم و"المفردات البصرية" لدى بيكاسو و"لغة العمارة" "ولغة العيون" أو حتى "قواعد الطبخ"، لكن ذلك لا يعني أنها لغات بالمعنى الدقيق للكلمة. وقد كان جان مولينو، أحد كبار علماء الموسيقى الفرنسيين في القرن العشرين وأحد الألسنيين أيضا، بالغ الشك في محاولات تطبيق المنهجيات الألسنية على الموسيقى في مجموعة"القرد الموسيقي"، ولهذا اقترح فصلا بين ثلاثة تحليلات: تحليل تفكير المؤلف، تحليل النص وصفيا على المستوى المحايد المباشر، وتحليل تلقي المستمع.

 AFP
المؤلف الموسيقي الروسي الأميركي إيغور سترافينسكي يقود إحدى الأوركسترات

لذا فإن افترض البعض أن في وسع الموسيقي أن يعرب عن فرحه أو حزنه بشكل غامض وعمومي، باستخدام موسيقى راقصة أو بطيئة، مفرحة أو محزنة، فإنه يتجاهل أمرين مهمين، أولا إن هدف الموسيقى هو التأثير في المتلقي وجعله هو يشعر بالفرح أو بالحزن، وليس المهم هنا احساس الموسيقي الذي يؤدي ربما مهمة يقبض عليها أجرا آخر السهرة بغض النظر عن مشاعره. وثانيا إن تلقي الموسيقى مرتبط بنفسية السامع واستعداده وألفته وذكرياته، بل وحوادث يومه ساعة استماعه إليها، فقد يجد في موسيقى حزينة عزاء أو تحمله موسيقى راقصة إلى ذكرى حزينة، وليس محكوما بأداء الموسيقي أمامه ولا بالطبع بالحالة النفسية للمؤلف الذي قد يمضي سنوات في تأليف عمل ما رغم تقلب أحواله النفسية. أي أن الموسيقى ليست في ذاتها فرحة أو حزينة، بل هي تسعى إلى التأثير في السامع قدر الإمكان وقدر استعداده وتهيئه، لا إلى التعبير عن منشئها المحترف. فمن النافل في طبيعة الحال معرفة إن كان العازف الذي يؤدي مجموعة القطع التي ألفها غالبا غيره في جولة طويلة عبر العالم يحتفظ بالحالة الشعورية نفسها طوال شهور جولته وحفلاته.

أداة مفاهيمية

بل، فوق ذلك، إن اللغة ليست في الدرجة الأولى أداة للتواصل والتعبير بل للمفاهيم والتفكير والتجريد. تشومسكي نفسه، الذي يعتمده بعض أهل الخيار الآنف الذكر مرجعا لمنهجه التحليلي، يكرر كثيرا أن اللغة (أيا كان رأينا في اخضاعه لها إلى نظام نحوي مختزل) هي في الأصل أداة للتفكير والفهم، والغالبية الساحقة من استعمالاتنا لها إنما تتم في داخل رؤوسنا ولا يخرج منها إلى الآخرين إلا أقل القليل، ولو كانت للتواصل لما أتاحت كل هذا المجال لسوء الفهم. ولهذا فإن تشومسكي يلتقي مع القائلين بأن اللغة والموسيقى نظامان مختلفان في الدماغ.

الموسيقى ليست في ذاتها فرحة أو حزينة، بل هي تسعى إلى التأثير في السامع قدر الإمكان وقدر استعداده وتهيئه، لا إلى التعبير عن منشئها المحترف

أما راي جاكندوف، تلميذه السابق المنقلب عليه، اثر تجربته في تحليل الموسيقى التي فتحت عينيه على تعدد الأنظمة أو البنى المتوازية Parallel Architecture التي يعمل بها الدماغ، سواء في الموسيقى او اللغة أو غير ذلك من الأنشطة، فرفض بالتالي اخضاع النظام اللغوي كله إلى كفاية لغوية نحوية فحسب، فحاول مع فريد ليردال الانطلاق من تطبيق نظرية تشومسكي على الموسيقى، غير أنه انتهى أيضا إلى الخلاصة نفسها بأن الموسيقى ليست لغة، وإن كانت لها قواعد في طبيعة الحال، وليست محكومة بنظام "نحوي" واحد بل بأنظمة متوازية. وانتهت طريقته إلى كونها محاولة لفهم كيف يستقبل السامع الموسيقى (فيتقاطع هنا مع التحليل الثالث لدى مولينو) ويختزلها ليستوعبها، أي كيف تتم عملية الاستماع فعلا، من خلال عدد من الأنظمة المتوازية التي تعمل بالتزامن مثل الإيقاع، والاختزال الزمني، وتجميع النغمات والاختزال الهارموني، لا إلى اعتبار ان هنالك قواعد نحوية لغوية مركوزة مسبقا في الدماغ تنتج الموسيقى منها في الأصل.

ويبدو أن نظريات تشومسكي، وقد عدل فيها مرارا، في شأن "الكفاية اللغوية المركوزة فطريا في الدماغ"، التي يفترض البعض على مثالها كفاية "موسيقية" مشروطة باتباع التقاليد الموروثة دون خروج عليها تحت طائلة الحكم عليها بالعقم الكريولي، تتعرض في عصرنا هذا إلى نقد شديد من نظريات أخرى تسعى إلى الحلول محلها، لا سيما على قاعدة أن هذه "الكفاية اللغوية الفطرية" لا تفسر بدقة كيف يتعلم الأطفال اللغة، ولا اشتراك العناصر الفطرية نفسها التي تسمح بذلك مع أنشطتهم غير اللغوية ومنها الموسيقى. فتضم هذه العناصر مثلا قدرات البشر على التقليد والمحاكاة والتفاعل الاجتماعي واستكشاف الأنماط المتكررة. أي أن اللغة والموسيقى، وغيرهما من الأنشطة، نتاج تفاعل عدد من المسارات والمناطق المنفصلة في الدماغ البشري، وليست "كفاية فطرية" خاصة ومتاحة مسبقا.

مناطق الموسيقى واللغة في الدماغ

عززت أبحاث علم الأعصاب الحديثة هذه المقولات البديهية التي سبق كثيرون إلى إعلانها، أي تمايز المجال اللغوي ذي المعاني عن المجال الموسيقي. إذ أثبت أن عددا من المناطق الضرورية لمعالجة الموسيقى في الدماغ مختلفة عن المناطق التي تتعامل مع المادة اللغوية (مثلا فيدورينكو وسواها، اوكسفورد، 2023 التي كان عنوانها "نظام اللغة الإنساني بما في ذلك الجزء الجبهي الأسفل في منطقة بروكا Broca's area لا يدعم الاستماع الموسيقي"، وأوزوريو وأسانيو، 2025، وكذلك فيدورينكو وماليك ـ موراليدا وغيرهم، 2025). فبعد الاشتراك في التعامل مع "الصوت" تنفصل معالجة الموسيقى عن التعامل اللغوي، إلى حد أن بعض المصابين المتضررين بتلف في أدمغتهم، يصبحون عاجزين تماما عن التعامل مع أبسط الجمل لكنهم يكونون قادرين على الغناء مثلا. بل إن هنالك منطقة في الدماغ تقوم بـ"التنبؤ" بدقة (بخلاف التنبؤ في بعض اللغات كالصينية في اتجاه اللفظة) بما سيكون عليه ارتفاع النغمة التي لم تعزف بعد، أو التي ستتوجه إليها الجملة، فتملأ الفراغ حتى في حال تركت الجملة الموسيقية معلقة (برلو ونوروسكي، 2018).

ولئن أشارت بعض الأبحاث إلى التناغم الزمني synchrony  الذي يحصل أحيانا بين دماغ العازف في حفل حي وأدمغة المستمعين (أكثر من التسجيلات، فروهلز 2024، وكذلك اشتاجيري ولوي 2026) فإن ذلك ليس على سبيل "التواصل" وتمرير "رسالة" من العازف إليهم، بل لكون العازف نفسه هو أول المستمعين وربما من أكثرهم تأثرا بالإيقاع والجملة الموسيقية التي تؤثر أيضا في المستمعين. وهذا ما يؤكد وظيفة الموسيقى الاجتماعية في التنسيق بين عناصر الجماعة الواحدة.

JENS SCHLÜTER / BACH ARCHIVE / AFP
موظف في أرشيف باخ بمدينة لايبزيغ يعرض نسخا من مقطوعتين مفقودتين ليوهان سيباستيان باخ اكتشفتا حديثا، 2025

يمكن للخطابة أيضا أن تنشئ مثل هذا التناغم الزمني لكن من خلال ضم المستمعين إلى تصور ذهني أو إلى حكاية موحِّدة،  لا من خلال الإيقاع الصوتي. أي أن الاستماع إلى الموسيقى فعلا يتم من خلال العناصر "الفيزيائية" فيها (الإيقاع، القوة، الارتفاع أو الانخفاض، طابع صوت الآلة.. الخ)، بخلاف الاستماع إلى اللغة الذي يتم باستمرار اللجوء إلى التصورات الذهنية للمعاني، إذ أن لكل منهما مسارا ووظائف متمايزة.

وظائف اللغة ووظيفة الموسيقى

ذلك أن وظائف اللغة عديدة لا تكاد الموسيقى تتشارك أيا منها، فهي إن استخدمت للإشارة (كإشارات بدء الهجوم الحربي) إنما تتحول إلى شيفرة أو كود وليس إلى لغة لأن اللغة ليست جامدة كما ينبغي بالشيفرة أو الإشارة الحربية أن تكون.

الاستماع إلى الموسيقى يتم من خلال العناصر "الفيزيائية" فيها بخلاف الاستماع إلى اللغة الذي يتم باستمرار اللجوء إلى التصورات الذهنية للمعاني

ومن وظائف اللغة طبعا التسمية والتخصيص (هذا "فلان") والإخبار (فلان "مريض") والتجريد النوعي (هذه "شجرة") أو المفهومي ("العدل") أو الأداء الفاعل كأن يكون الوعد قائما بمجرد تلفظ الواعد به بغض النظر عن نيته، أو إنشاء كلمات ذات معان متضمنة فيها لا يمكن تعميمها (فالآن عندي أو "هنا" لدي، يختلفان عن "آن" القارئ و"هنا"ه) أو الطلب ("أغلق الباب") أو مجرد التثبت من وجود مستمع منتبه ("ألو؟") أو اللعب على الألفاظ للإضحاك أو السخرية (ليس في الموسيقى مفردات دالة على معان محددة، لكن أيضا ليس فيها تعدد معان ولا مرادفات للكلمات ولا للجمل! فكل تركيبة ميلودية تتغير إن غيرنا فيها نغمة واحدة) وغير ذلك كثير.

وحدها الوظيفة الشعرية، في بعض تعريفاتها، ربما تتقاطع مع وظيفة الموسيقى، حيث تفترض إنشاء ملامح جمالية واستعمالا فنيا للكلمات بما ينطلق من معانيها الموجودة لكنه يدفعها نحو احتمالات تتجاوز هذه المعاني. أي تحديدا بمحاولتها الخروج من الاستعمال اللغوي الطاغي نحو جماليات تستعير بعضها ربما من الموسيقى (الإيقاع، تناغم الأصوات) وبعضها الآخر من عالم الصور والمنطق والادب. هذا اللقاء، بسبب الطابع الفني للوظيفة الشعرية، يظل جزئيا إذن. أما وظيفة الموسيقى الأساس، على ما يقول بعض فلاسفتها مثل جيرولد ليفنسون، فهي "تعزيز خبرتنا المعيشة في لحظة ما"، أي تعزيز الشعور باللحظة سواء كانت لحظة عزاء أو فرح أو عمل أو راحة، مثلما إنها، على ما يبدو، كانت ذات وظيفة اجتماعية في تنسيق إيقاع العمل بين العمال، وتعزيز لحمة الجماعات في لحظات حياتها الأساس من موت وزواج وانتصارات وسوى ذلك.

اللغة لا تنفصل عن التفكير، وبالتالي عن أن تكون لها دلالة، أما افتراض ان الموسيقى هي "مثال اللغة الأسمى لأنها بلا دلالات" فهو مجرد حذلقة. فالواقع أن الموسيقى لا تلعب أيا من وظائف اللغة الآنفة الذكر هذه. وقد كرر كبار الموسيقيين في القرن العشرين مثل سترافنسكي وشونبرغ أن الموسيقى "لا تقول شيئا"، أي لا يمكن اختزالها إلى كونها تعبيرا عن مقولة محددة، وليس أدل على ذلك من أن نسأل خمسين شخصا عما "تقوله" فوغة لباخ مثلا.

لننصت فعلا إلى الموسيقى

الاستماع إلى الموسيقى، في ذاتها، أي دون اعتبارها منحصرة في الغناء أو تابعة لنص يتلى، مشروط إذن بالخروج من التفكير فيها كأداة لغوية، والاعتراف بخصوصيتها كعالم صوتي مستقل ليس مرجعه محاكاة الواقع ومتابعة زمنه، بل نتاج زمن خاص به وبناء واقع متفرد تتحرك فيه الأصوات بالعلاقات الإنسانية التي فيها (ليست زقزقة العصفور موسيقى، بل ـ احتمالا ـ استخدام مؤلف لها في سياق موسيقي محدد) وبتفاعلها مع الذاكرات والتجارب الاجتماعية وتاريخ الموسيقى كله.

لا يعنينا من ذلك فقط تكرار أن الموسيقى ليست لغة، وأن التلاقح الموسيقي مع الآخر المختلف هو قانونها طوال تاريخها، وهو ضروري للخروج بها من الحدود التي تكون قد استنفدت امكاناتها بالنظر إلى متغيرات زمانها. وليس هدفنا تكرار الإعلاء من شأن القصبجي وعبد الوهاب والرحابنة بل وحتى الشيخ علي محمود الذي لا يشك سامع مدقق في قفزاته النغمية انه قد استمع الى الأوبرا شأنه شأن سيد درويش، فهؤلاء اجلّ من أن ينتظروا دفاعا عنهم وقد نجحوا بالفعل في تجديد وتطوير الموسيقى في بلادنا ومنحها هوياتها الفريدة، أكثر بكثير مما نجحت محاولات الإحياء التقليدي أو محاولات التثوير الأوركسترالي (سواء استندت الأوركسترا فيها إلى ملامح المقامات الشرقية أو بالعكس إلى حلم اللحاق بالغرب). بل يهمنا التشديد على ضرورة "الإنصات" إلى الموسيقى في ذاتها، لأننا عندما ننفصل عن ذلك نحاكم موسيقاتنا بناء على نظريات قروسطية عن الطبائع والأفلاك، أو على كلام الأغاني، لا على فن الموسيقى المتجدد نفسه.

اللغة لا تنفصل عن التفكير، وبالتالي عن أن تكون لها دلالة، أما افتراض ان الموسيقى هي "مثال اللغة الأسمى لأنها بلا دلالات" فهو مجرد حذلقة

لا يجعلنا هذا ننفي الشحنة الشعورية التي يمكن الموسيقى بتأثيرها أن تولدها فينا (لا التي تحملها هي في ذاتها كشيء مجرد عن السامع)، إذا ما أنصتنا إليها جيدا وبحسب درجة استعدادنا وألفتنا بها وذاكراتنا الثقافية. وهذا الانصات إلى مادة الموسيقى المباشرة كالأصوات وطابعها وايقاعها وتداخلها وما يطرأ عليها من تركيب وتنمية وتحويل، وما يتركب منه نسيجها الفريد، وما في داخلها يدل على زمنه وتقنياته وجمالياته وفضائه الخاص، وما يتجاوز "الحالة النفسية للمؤلف" او "التعبير النصي" إلى الابتكار الموسيقي ومفاجآته وما يتركب فيه من منطق خاص به، كل ذلك يتطلب أيضا تنبها إلى مفاجآت الموسيقى وما تجعلنا نختبره في داخلنا. فالموسيقى هي فن التأثير، لا التعبير، وهذان، أي الانصات والتأثير، مجالان سنعود إليهما وإلى البحث في سبلهما وأدواتهما في موضع آخر.

font change