في مشهد موسيقي واقتصادي يسيطر عليه اتجاه من اثنين، إما الانفتاح المطلق على الاندماجات الموسيقية والتعاون مع موسيقيين من مشارب واتجاهات وأصول فنية مختلفة، أو الانغلاق على خطاب أصولي يعلي شأن التقليد والمحافظة، تلح بضعة أسئلة على المرء، ويجد في شغل عازف العود المصري الشاب علي عيسى معينا له على التفكير فيها.
فإن كان التقليد والتكرار لا ينتجان غنى بل يكتفيان بالاستيلاء على الموروث وتحويله إلى سلعة، فكيف نتعامل مع الموروث دون تسليعه او تحنيطه؟
وإن كان الانفتاح واللقاء بموسيقيين أجانب (في الغالب الأعم أوروبيين بالطبع) يعني المغامرة، واحتمال الفشل والنجاح فيها متساو، فبماذا يسهم الموسيقي الشرقي في هذا الانفتاح، هذا إذا شاء ألا يقدم موروثه نفسه كمجرد شذرات تضفي ألقا اكزوتيكيا واستشراقيا على سطح الناتج العام ذي الجذر الغربي في حقيقة الأمر؟
فخاخ الاندماج
يتفادى علي عيسى فخاخ الاندماج، أولا بكونه مؤلف القطع التي يلتقي بها موسيقيين أجانب، كما في إصدار من الإصدارين اللذين ينشران في هذا الشهر (وتحديدا في "منه فيه" أو بالانكليزية "new old medicine" في إطار فرقة "تسلم وتسليم" أو "The Handover" الصادر عن Sublime Frequencies) حيث يجتمع مع عازف الكمان المصري أيمن عصفور والأورغ والسنتيتيزر جوناس كامبيان الذي يستثمر "الصوت" المألوف جيدا لدينا لأورغ الثمانينات، قبل تحديثات "البوب" وقبل المهرجانات. وهو سبق له التعاون أيضا في حفلات حية مع عازفين أوروبيين آخرين.
هو لا يؤلف قطعه على الطريقة الغربية، بل على طريقته داعيا إياهم إلى ملعبه. هذا الملعب الذي لا يكتفي برسم حدوده انطلاقا من الموروث النغمي الشرقي، بل يتشرب منه أيضا أهمية الحرية في التناول واللعب والمفاجآت المرتجلة. فلا يستولي على موروثه، بل يضمنه داخل شغله بأعمق ما فيه، الحرية والنغم اللاهي، البعيد كل البعد عن التحنيط.
هكذا فإن الموسيقى الشرقية المصرية، بأنغامها الشهيرة من راست وبياتي وحجاز وغيرها، وبتاريخها الذي يجمعه عيسى بدأب غير متعال على شعبيها وريفيها ولا على تترات مسلسلاتها وإن كان لا يخفي شغفه بالسنباطي، لن تكون ضيفة على مساحة الاندماج المقترح، بل تصير هي المساحة ويصير السؤال مقلوبا، في اعمال علي السابقة: ماذا يمكن لموسيقيين أجانب ان يقدموا لها بهتروفونيتها التي لا تقبل الاخضاع المسبق إلى قواعد صارمة؟

