بين الحكاية والموسيقى والرسم... العلاج بالفن للأطفال في غزة

إخراجهم من منطقة الخوف الدائم إلى حيز أمان مؤقت

Lina Jaradat
Lina Jaradat

بين الحكاية والموسيقى والرسم... العلاج بالفن للأطفال في غزة

في غزة، بعد الحرب، لم تعد الطفولة تعاش كما كانت من قبل. شيء ما انكسر في تفاصيل الحياة اليومية، وبقي الأطفال يحاولون فهم عالم تغير بسرعة تفوق قدرتهم على الاستيعاب. في المدارس المؤقتة والمخيمات والغرف الضيقة، لم تعد الكلمات كافية لشرح ما حدث ويحدث، لذلك تقدم فنانون للعب دور آخر، كطريقة لاستعادة شيء من عالم الطفولة المفقود. بين الرسم والحركة والغناء والصوت، بدأ هؤلاء الفنانون بمساعدة الأطفال في استعادة التعبير عن أنفسهم، ليحضر العلاج بالفن بوصفه مساحة إنسانية تحاول أن تمنح ما تبقى من الطفولة فرصة للتنفس، ولو على شكل حكاية أو أغنية أو لون.

"المجلة" التقت ثلاثة فنانين من غزة، للوقوف على تجاربهم الميدانية خلال عملهم كداعمين وموجهين نفسيين للأطفال، حيث يتداخل العمل الفني مع الوظيفة العلاجية، ويتحول الإبداع إلى أداة لإعادة بناء المساحة الداخلية للطفل، ولو مؤقتا، داخل واقع مفتوح على الفقد والتحولات.

الحكاية كمدخل رمزي

تقوم تجربة الحكواتية اعتزاز العبيد على تفكيك العلاقة المباشرة بين الطفل والحدث الصادم، عبر إدخال الحكاية بوصفها وسيطا رمزيا. فهي لا تبدأ من الحرب، ولا تنتهي عندها، فتنطلق من عناصر محايدة مثل الطبيعة واللون والخيال، بهدف خلق مسافة أمان نفسية.

توضح العبيد: "لا أبدأ مع الأطفال من الحرب، بل من عناصر تمنحهم إحساسا بالدفء والخيال، حتى تتشكل مساحة آمنة قبل أي تعبير مباشر. ترد الحرب في القصة صورة بشعة بين عشرات الصور الجميلة، فأتمكن بذلك من نقل الطفل إلى مساحة الفن الآمنة".

لا يميل الطفل للحكي عن آلامه، يخفيها ويظهر الخوف على ملامحه كأن الحدث وقع للتو


اعتزاز العبيد

في هذا السياق، لا يطلب من الأطفال إعادة سرد تجاربهم بشكل مباشر، بل يدفعون إلى الكتابة الرمزية عبر رسائل توجه إلى أشياء لا تدل على الحرب بقدر ما تدل على الحياة، و"هذا النمط يسمح بإخراج المشاعر دون استعادة الصدمة بشكل صارخ"، تقول العبيد.

 Eyad Baba / AFP
أطفال فلسطينيون نازحون يشاركون في جلسات دعم نفسي داخل مرسم فني يستخدم الحيوانات الأليفة والطيور في منطقة الزوايدة وسط قطاع غزة، 2026

في حياة طفل اعتاد لثلاث سنوات أن ينام بحذائه، لأنه اعتاد على لحظة إخلاء سريعة، تصبح أدوات الفن طريقة لتفكيك خوفه، وعدم ثقته بالعالم. الحكاية عند العبيد لا يمكن اعتبارها  تعويضا عن آلام الواقع، وإنما إعادة ترتيب، وتفكيك لها، عبر الرمزية، بما يسمح للطفل بالتحكم بدرجة القرب والبعد من تجربته.

يبقى هاجس المنشطين خلال العمل، الخوف من انغلاق الطفل نفسيا عند سرد قصته، لكن اعتزاز العبيد تتفادى ذلك عبر السير على خيط رفيع، من الممكن أن ينقطع في أية لحظة. تقول: "لا يميل الطفل للحكي عن آلامه، يخفيها ويظهر الخوف على ملامحه كأن الحدث وقع للتو".

 Omar AL-QATTAA / AFP
رجل يحمل طفلة خلال فعالية ترفيهية للأطفال لمناسبة عيد الفطر في مدينة غزة، 2026

فلكل تجربة فنية أدواتها الذكية. توضح العبيد أنها تستخدم القصة والخيال بهدف عمل طريق مواز للأطفال يستطيعون العبور خلاله إلى منطقة آمنة، وهم يرون القصة الأصلية في داخلهم. تقول: "اعتمد على تحويل التجربة إلى رموز مثل السماء والبحر والغيوم والمطر والأرجوحة، أربط ذلك بخيال الطفل في لحظة أمان شعر بها ولو لمرة. أسير معه ببطء. فيتحدث الطفل عن ألمه دون تسميته". 

الأمر يشبه إنقاذ غريق وسط عاصفة، عبر الاحتضان ودعوته إلى الاسترخاء.

الموسيقى والدمج الاجتماعي

في المقابل، يتعامل المطرب أحمد أبو عمشة مع الموسيقى كأداة تدرجية لفك العزلة وتحقيق الدمج الاجتماعي. إذ تمنح الأطفال حسب رأيه طريقا سهلا، يتمكنون من خلاله من التعافي النفسي عبر الغناء والعزف وتصنيع الآلات. تبدأ التجربة من استماع الطفل بصمت وتنتهي بالمشاركة الجماعية. لا تفرض المشاركة منذ البداية، ويترك للطفل حق المشاركة والاختيار. 

يقول أبو عمشة: "في البداية، كان العديد من الأطفال لا يشاركون، فقط يسمعون، ثم خطوة خطوة يبدأ الغناء تدريجيا حتى يصبحوا جزءا من المجموعة".

هذا التدرج يعكس فهما لطبيعة الصدمة النفسية عند الأطفال، حيث "ينظر إلى الصمت لا كرفض، بل كمرحلة أمان أولى"، كما يقول أبو عمشة. فهناك طفل لم يستطع أن يخرج صوته، انقطعت أنفاسه أمام ضربة صاروخية في محيط منزله. وهو بحاجة لأن يستعيد صوته من جديد، من خلال أدوات الفن.

اعتبرنا صوت الزنانة خلفية للغناء، وأن علينا أن نرفع صوت الغناء ونكمل الحياة


أحمد أبو عمشة

كما تكشف التجربة عن بعد اجتماعي إضافي، حيث تتحول الموسيقى من نشاط فني إلى عنصر قبول مجتمعي تدريجي، بعدما كانت تقابل بالتحفظ في بدايات الحرب لصالح الأولويات المعيشية المباشرة. يخبرنا أبو عمشة: "أول مرة دخلت المخيمات، اعترض معظم الأهالي، وكان صوتهم واحدا: ليس هذا وقت الموسيقى، دعنا نجد قوت يومنا بالأول، الموسيقى لا تطعم خبزا. أخبرتهم بأن الموسيقى ستصنع الفارق داخل المخيم، فقط دعوني أعمل". وكانت المحصلة أن الأهل باتوا يشاركون في تدريبات الموسيقى داخل المخيم.

 OMAR AL-QATTAA / AFP
رولا دلول تعلّم أطفالا فلسطينيين نازحين الموسيقى والغناء بين الخيام في أحد مراكز الإيواء بمدينة غزة، 2026

استخدم أبو عمشة تقنيات النقر الإيقاعي والغناء الجماعي، كما استخدم آلات العود والغيتار والطبلة في ورشاته. "كان هدفي أن يفكر الطفل في شيء آخر غير الحرب، كنت كمن يفتح عقله ويملؤه بالموسيقى". يقول، ويحدثنا بسعادة عن لحظة فارقة، صار فيها صوت الموسيقى أعلى من صوت الزنانة: "في وقت ما كان علينا أن نوقف الورشات الموسيقية، بسبب ارتفاع صوت طائرة الاستطلاع، لكننا اعتبرنا صوت الزنانة خلفية للغناء، وأن علينا أن نرفع صوت الغناء ونكمل الحياة مع الفن لا الحرب". 

استخدم الأطفال والأهالي أدوات غير تقليدية لصناعة آلات موسيقية مدهشة. ونظرا لارتفاع أسعار الآلات الموسيقية وقلة وجودها بغزة منذ الحرب، كان اللجوء لأدوات بسيطة كالأنابيب البلاستيكية وأعواد القصب لصناعة آلات العزف البسيطة. 

 أرشيف بصري

تقدم الفنانة التشكيلية مرام صقر مقاربة مختلفة، ترى فيها أن الرسم لا يعمل كوسيلة  لتحسين الحالة النفسية بالضرورة، لكنه وسيلة لتفريغها وتوثيقها في آن واحد. فالقيمة الأساس للعمل الفني عندها لا تختزل في نتيجته الجمالية، ولا في ألوانه، الأهمية تكمن في فعل التعبير ذاته.

هناك بين هذه الخيام طفل أغمض عينيه أمام مجزرة فقد خلالها أحد أحبابه، وخاف أن يفتحهما من ذلك اليوم على الحقيقة المفجعة. طفل آخر انفتحت عيناه على وسعهما، من هول جريمة صادمة نفذها الاحتلال أمام مرمى نظره. 

تقول صقر: "ليس المهم أن تتحول الرسومات إلى ألوان فرح، بل أن يتمكن الطفل من تفريغ ما في داخله. أن يرى مشاعره على الورق بالألوان، إنها رحلة علاجية ذاتية. تظهر في أعمال الأطفال أنماط متعددة من التعبير، خطوط متشابكة، مساحات لونية كثيفة، ورموز مباشرة لبيوت مهدمة أو مشاهد فقدان، كل ذلك يعكس توترا داخليا من الصعب صوغه بالكلمات، فيحتاج الطفل لتفريغه عبر الرسم". 

كما تشير صقر إلى دور المواد الحسية مثل الصلصال والطين، حيث يصبح اللمس نفسه جزءا من العملية العلاجية، بغض النظر عن إنتاج شكل فني نهائي.

أفقدت حياة الخيام كثيرا من الأطفال خصوصيتهم، لكن توفير مساحة شخصية للرسم والتعبير يساعدهم في استعادة شعور بالاستقلالية والأمان. تقول صقر: "ينسجم الطفل مع رسمته وألوانه كأنه في مرسمه، ينسى الخيمة والضجيح، ونداءات الناس على بعضها داخل المخيم، فتكون الرسومات خصوصيته الجديدة التي يسعى إلى إنجازها، هذا نوع من المعالجة النفسية عبر الرسم". 

إعادة التدوير ساعدت الأطفال في التعبير عن أنفسهم، وأكدت أن الفن يمكن أن يولد من أبسط الأشياء المتاحة

وفي مواجهة ندرة الأدوات الفنية وارتفاع أسعارها، اعتمدت مرام صقر على خامات البيئة المحلية كبديل لأدوات الرسم المفقودة. فاستخدمت سعف النخيل والأكياس البلاستيكية وأغطية العبوات والعلب الفارغة والأصداف البحرية في أنشطة الرسم والتشكيل والكولاج. ترى صقر أن هذه المواد "لم تعن مجرد بدائل، فقد جسدت معنى الفن الحقيقي، فإعادة التدوير نهج نستخدمه لتعليم الطفل الابتكار في الوضع الطبيعي، لكنها خلال الحرب، ساعدت الأطفال في التعبير عن أنفسهم، وأكدت أن الفن يمكن أن يولد من أبسط الأشياء المتاحة".

 OMAR AL-QATTAA / AFP
تلاميذ فلسطينيون خلال حصة رسم في مدرسة أُنشئت بدعم من اليونيسيف داخل مخيم للنازحين في منطقة القرارة بخان يونس، 2025

بين الحكاية والصوت والصورة

تتقاطع التجارب الثلاث في فكرة أن التعامل مع الطفل لا ينطلق من كونه متلقيا سلبيا، بل بوصفه منتجا للمعنى. الاختلاف يكمن في الوسيط، ففي حين تعتمد اعتزاز العبيد على الرمز واللغة المكتوبة، يعتمد أبو عمشة على الصوت والتدرج الجماعي، والمشاركة عبر الغناء. فيما تؤسس مرام صقر مسارها على المادة البصرية والملمس.

هذا التعدد يعكس أن العلاج بالفن ليس نموذجا واحدا، بل مجموعة أدوات تتكيف مع السياق والطفل واللحظة النفسية. تمارس هذه الأنشطة بين الخيام، ضمن مساحات ضيقة وأماكن تفتقر إلى الهدوء والتركيز. خلال العمل تكون المعوقات أحيانا مهددة للاستمرار لكن الفن يصنع الفارق كجاذب للأطفال رغم البيئة السلبية. 

تصف مرام صقر هذا الجذب بقولها إن النشاط الفني "يخلق عالما آخر بين الخيام". وعند سؤالها عن تفاصيل هذا العالم، تجيب: "حين يعتاد الطفل تشغيل خياله، يصبح مع الوقت طريقا وملاذا، الفن يعطي الطفل مساحة أمان لا يوفرها له الواقع الحالي". 

بينما يرى أبو عمشة أن الموسيقى "تجمع الأطفال في مساحة واحدة وتخفف التوتر، فلطالما كانت الأغاني والأناشيد رفيقة للإنسان الفلسطيني في أحلك الظروف، منذ  النكبة الفلسطينية، وما تحققه من التفاف شعبي وتوحيد للروح يعد الآن تراثا ومن أهم تفاصيل الحكاية الفلسطينية". 

هذا التعدد يعكس أن العلاج بالفن ليس نموذجا واحدا، بل مجموعة أدوات تتكيف مع السياق والطفل واللحظة النفسية

وتعتبر العبيد أن الحكاية "تفتح نافذة تخيل داخل واقع مغلق. أكثر ما يقلقنا في شأن الأطفال تراكم الكبت والضغوط، وبالفن والحكاية نوفر طريقة للتعافي من جديد". 

بين الحكاية التي تكتب على الغيوم، والصوت الذي يبدأ من الصمت، والخط الذي يتحول إلى لغة داخلية، تتشكل محاولات متعددة لخلق معنى داخل فوضى مستمرة.

لكن السؤال الذي يبقى مفتوحا، هل يكفي أن نمنح الطفل مساحة للتعبير كي ينجو؟ أم أن ما يحتاجه يتجاوز حدود القصة والموسيقى والرسم إلى تسريع بناء الحياة من حوله، وإعادته إلى مقعد دراسي حقيقي، حرم منه منذ نحو ثلاثة أعوام؟

font change