كأس العالم... من بطولة رياضية إلى آلة اقتصادية عالمية

إيرادات قياسية وتسعير ديناميكي وإعلانات جديدة... هكذا أعاد "الفيفا" تسعير اقتصاد كأس العالم

رويترز
رويترز
المنتخب الإسباني يرفع كأس العالم بعد فوزه على الأرجنتين، نيوجرسي، الولايات المتحدة الأميركية، 19 يوليو/تموز 2026

كأس العالم... من بطولة رياضية إلى آلة اقتصادية عالمية

في 10 يونيو/حزيران الماضي، نشرت "المجلة" تحليلا معمقا تناول قدرات كأس العالم 2026 المالية وروافدها المتشعبة والأرقام الكبيرة التي كانت مرصودة لها.

حينها، وعلى وقع طبول الحرب والأزمات التي اجتاحت العالم - ولا تزال -، ووجِهَت العائدات التي توقع الاتحاد الدولي لكرة القدم "الفيفا" أن تبلغ 13 مليار دولار، بأسئلة استفهام عديدة.

فالمباريات تواجه أزمة سفر بسبب ارتفاع الأكلاف جراء إغلاق هرمز مما قد يحبط رغبة المسافرين، ناهيك بارتفاع أكلاف الفنادق، وهي تواجه أيضا تفاوتا في استقطاب المشجعين إلى بلدان ثلاثة تستضيف المسابقة، كما أن التباين في التوقيت كان من المرجح أن يحول دون تمكن ملايين المشاهدين في أسواق شرق آسيا وأوروبا والشرق الأوسط من متابعة بعض المباريات الحية في أوقات ذروة محلية مناسبة.

إنما، أكد الحلم الذي يعد به المستطيل الأخضر في كل مرة، أن الشغف باللعبة قادر على تحقيق المعجزات، حتى ولو بدونا أقرب إلى الروايات بتوصيفنا هذا، وعلى الرغم من كل التحديات.

كيف صارت كأس العالم أصلا اقتصاديا متعدد الإيرادات؟

عشية المباراة النهائية في 19 يوليو/تموز التي جمعت الأرجنتين وإسبانيا وانتهت بتتويج الأخيرة على عرش كرة القدم العالمية، قال رئيس "الفيفا"، جياني إنفانتينو، إن النجاح الكبير الذي حققته بطولة كأس العالم 2026 في كندا والمكسيك والولايات المتحدة أتاح "فرصا جديدة لا نستغلها اليوم" للاستثمار في كرة القدم. وأكد أنه يسعى إلى "إطلاق العنان للإمكانات والفرص التجارية التي يمتلكها "الفيفا" بما يدعم تطوير اللعبة على مستوى العالم".

"أعتقد أننا قادرون على تجاوز حاجز 15 مليار دولار"، وهذا ما سيمنح الهيئة الحاكمة لكرة القدم العالمية موارد غير مسبوقة تضعها في خدمة الاتحادات الوطنية الأعضاء

رئيس "الفيفا"، جياني إنفانتينو

وفي إشارة إلى الإيرادات المتوقعة التي ستولدها البطولة ضمن دورة "الفيفا" الكاملة للفترة 2023-2026، قال إنفانتينو: "أعتقد أننا قادرون على تجاوز حاجز 15 مليار دولار"، وهذا "ما سيمنح الهيئة الحاكمة لكرة القدم العالمية موارد غير مسبوقة تضعها في خدمة الاتحادات الوطنية الأعضاء". وعلى صعيد المباريات حصرا، سجلت إيرادات بطولة كأس العالم 2026 رقما قياسيا بلغ 8.9 مليار دولار، بزيادة 54 في المئة مقارنة ببطولة قطر 2022.

وبحسب تحليل اقتصادي نشرته "أس آند بي غلوبال" (S&P Global) في 12 يونيو/حزيران الماضي، توقع المحللون أن يرتفع إجمالي إيرادات الدورة التالية المؤدية إلى كأس العالم 2030 بمقدار مليار دولار، أي بنمو يبلغ 7.7 في المئة، على أن يأتي الجزء الأكبر من هذا النمو من حقوق البث الإعلامي، والرعاية والتسويق، وعقود الترخيص التجاري، وليس من مبيعات التذاكر أو إيرادات الضيافة. ووفقا لهذا التحليل، من المتوقع أن تحقق كأس العالم في الدورة المقبلة (2027 - 2030) إيرادات تبلغ 14 مليار دولار. إلا أن ما أعلنه إنفانتينو منذ أيام، يعد بأرقام أعلى من ذلك بكثير. فقد تخطت كأس العالم الحالية التوقعات بـ2 مليار دولار…فهل تبلغ قيمة كأس العالم 2030، 17 مليار؟

رويترز
الحفل الختامي لنهائي كأس العالم، في نيوجرسي، الولايات المتحدة الأميركية، 19 يوليو/تموز 2026

كان المحرك الرئيس لارتفاع الإيرادات هو توسيع البطولة من 32 إلى 48 منتخبا، مما رفع عدد المباريات بنسبة 47 في المئة، من 64 مباراة في نسخة 2022 إلى 104 مباريات في نسخة 2026.

وأفادت مصادر بأن إيرادات الضيافة وبيع التذاكر، ولا سيما عبر السوق الثانوية التي تباع فيها التذاكر بأسعار مرتفعة، شكلت جزءا كبيرا من الزيادة في إيرادات البطولة. وللإشارة، يحصل "الفيفا" على عمولة قدرها 15 في المئة من المشتري، و15 في المئة أخرى من البائع عن كل عملية بيع تتم عبر السوق الثانوية للتذاكر.

وقال إنفانتينو خلال اجتماع مع ممثلي الاتحادات الوطنية في نيويورك: "أعتقد أنني أستطيع القول إن كأس العالم هذه تحديدا فتحت أبوابا كثيرة، وخلقت فرصا وإمكانات عديدة. وسيكون لذلك أثر في ما يمكننا تحقيقه حول العالم، لكن الإيرادات والنجاح المالي والاقتصادي لا يتحققان إلا إذا كان النجاح الرياضي حاضرا".

وكشف إنفانتينو عن نقاشات حول إمكان زيادة عدد المنتخبات المشاركة في الدورة المقبلة من كأس العالم من 48 إلى 64 منتخبا، لكنه شدد على أن هذا المقترح سيخضع للنقاش والدراسة قبل اتخاذ أي قرار في شأنه. يمكن قراءة التوسع إلى 48 منتخبا على أنه نموذج لـ"التوسع الرأسي" في استثمار البطولة، إذ زاد "الفيفا" عدد المباريات، مما وفر عشرات الساعات الإضافية للبث التلفزيوني، وآلاف التذاكر الجديدة، ومزيدا من المساحات الإعلانية، وباقات الضيافة، وفرص الرعاية. وبدلا من أن يؤدي هذا التوسع إلى تراجع قيمة المنتج، أسهم في رفع قيمته السوقية.

بات في إمكان عدد أكبر من الدول أن تؤمن بقدرتها على المشاركة، وعدد أكبر من الأطفال أن يحلموا، وأصبحت الفرصة متاحة أمام مزيد من الشعوب للمشاركة في اللعبة العالمية

رئيس "الفيفا"، جياني إنفانتينو

ورأى إنفانتينو أن توسيع البطولة إلى 48 منتخبا منح مزيدا من الدول فرصة للحلم والمنافسة، قائلا: "بات في إمكان عدد أكبر من الدول أن تؤمن بقدرتها على المشاركة، وعدد أكبر من الأطفال أن يحلموا، وأصبحت الفرصة متاحة أمام مزيد من الشعوب للمشاركة في اللعبة العالمية".

وردا على الانتقادات التي اعتبرت أن زيادة عدد المنتخبات ستؤدي إلى تراجع المستوى الفني، قال إنفانتينو إن البطولة أثبتت العكس تماما، موضحا: "لم يكن هدفنا مجرد زيادة عدد المباريات أو توسيع حجم البطولة، بل تغيير اللعبة نفسها، وجعل كرة القدم عالمية بحق، وتوحيد العالم، ومنح الفرصة للدول التي كانت غالبا خارج دائرة المشاركة". ولفت إنفانتينو إلى أن تنظيم بطولة بهذا الحجم تطلب مستوى غير مسبوق من التعاون بين كندا والمكسيك والولايات المتحدة، إلى جانب جهود نحو 5 آلاف موظف، وما يقارب 50 ألف متطوع، وأكثر من 300 ألف شخص معتمد عملوا في 16 مدينة مستضيفة و646 موقعا رسميا للبطولة.

رويترز
رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، يتحدث في المؤتمر 76 لكرة القدم، في فانكوفر، كندا، 30 أبريل/نيسان 2026

ومن زاوية اقتصادية أوسع، فإن تحقيق كأس العالم هذه الإيرادات القياسية يعكس تحول البطولة من حدث رياضي دوري إلى أصل اقتصادي عالمي قادر على توليد تدفقات مالية متنامية مع كل نسخة. ففي الاقتصاد، يُنظر إلى الأصل بوصفه موردا قادرا على توليد تدفقات مستمرة من القيمة والعوائد المستقبلية، وهو ما ينطبق اليوم على كأس العالم. إذ تخطت البطولة حدود الاعتماد على بيع التذاكر لتحقيق الإيرادات، لتصبح منصة متعددة الإيرادات تشمل حقوق البث، والرعاية التجارية، والضيافة الفاخرة، والترخيص التجاري، والمنتجات الاستهلاكية، والمنصات الرقمية، وحقوق البيانات، فضلا عن العوائد السياحية التي تحققها الدول المستضيفة.

هذا التحول يعني أيضا أن "الفيفا" لم يعد يدير بطولة لكرة القدم بقدر ما يدير واحدة من أكثر الملكيات الفكرية والتجارية قيمة في العالم. فكل قرار يتعلق بزيادة عدد المنتخبات أو المباريات أو توسيع الأسواق المستهدفة بات يعتبر قرارا استثماريا يرفع القدرة الإنتاجية للأصل نفسه، تماما كما توسّع الشركات العالمية خطوط إنتاجها أو تزيد المنصات الرقمية قاعدة مستخدميها لتعظيم الإيرادات.

العوائد تثير اهتمام ترمب

عززت هذه العوائد القياسية فرص الولايات المتحدة - وشهيتها - في استضافة نسخة جديدة من كأس العالم خلال المستقبل القريب. وتُعد بطولة 2038 أول نسخة متاحة حاليا لتقديم ملفات الترشح لاستضافتها. فخلال حفل استقبال أقيم يوم الجمعة، أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب رغبة بلاده في استضافة البطولة مجددا، قائلا: "عليكم أن تختاروا الولايات المتحدة الأميركية مرة أخرى. وهذه المرة سنترك كندا والمكسيك خارج الاستضافة".

يُتوقع أن يتجاوز عدد الأشخاص الذين تفاعلوا مع البطولة حول العالم 6 مليارات شخص عند صدور الأرقام النهائية، أي ما يقارب ثلثي سكان العالم

وفي سياق متصل، أجرت الولايات المتحدة أيضا محادثات مع "الفيفا" في شأن استضافة كأس العالم للأندية 2029، في خطوة تعكس مساعيها لترسيخ مكانتها مركزا رئيسا لاستضافة أكبر البطولات الكروية العالمية.

القيمة داخل الملاعب وخارجها

لم تقتصر إنجازات كأس العالم 2026 على المستطيل الأخضر، بل امتدت إلى المدرجات والشاشات والمنصات الرقمية، محطمةً سلسلة من الأرقام القياسية حسب إنفانتينو. فحتى نهاية الدور نصف النهائي، استقطبت الملاعب الـ16 في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك أكثر من 6.8 مليون مشجع، متجاوزةً الرقم القياسي المسجل في مونديال الولايات المتحدة عام 1994 والبالغ 3.6 مليون متفرج، بل ومتخطيةً إجمالي الحضور الجماهيري في نسختي روسيا 2018 وقطر 2022 مجتمعتين. كما سجلت البطولة أعلى معدل إشغال في تاريخ كأس العالم بنسبة 99.7 في المئة، فيما بلغ متوسط الحضور 65,490 متفرجا في المباراة الواحدة.

واستقطبت مهرجانات مشجعي "الفيفا" (FIFA Fan Festivals) أكثر من 9 ملايين زائر في الدول الثلاث المستضيفة، كان أكثر من 4.5 ملايين منهم في المكسيك وحدها، بدلالة على الزخم الجماهيري الذي صاحب البطولة داخل الملاعب وخارجها.

أ.ف.ب
منطقة المشجعين في مدينة كانساس، ولاية ميزوري الأميركية، 3 يوليو/تموز 2026

وحسب تصريحات إنفانتينو، حطمت البطولة أرقاما قياسية في نسب المشاهدة التلفزيونية داخل الدول المستضيفة وعلى مستوى العالم. ويُتوقع أن يتجاوز عدد الأشخاص الذين تفاعلوا مع البطولة حول العالم 6 مليارات شخص عند صدور الأرقام النهائية، أي ما يقارب ثلثي سكان العالم، في مؤشر يعكس اتساع الحضور العالمي لكأس العالم بوصفها إحدى أكثر العلامات الرياضية تأثيرا وانتشارا.

وعلى الصعيد الرقمي، حققت منصات "الفيفا" على وسائل التواصل الاجتماعي 34 مليار ظهور وملياري تفاعل حتى نهاية الدور ربع النهائي.  تكشف هذه الأرقام عن تحول أعمق في اقتصاد الرياضة، إذ إن القيمة لم تعد تُخلق داخل الملعب فقط، بل خارجه أيضا.

جاء أداء حقوق البث الإعلامي أقل من المتوقع، إذ لم تتجاوز نسبة نموها 32 في المئة، بما يعادل نحو مليار دولار

ومما لا شك فيه أن المباريات أصبحت محتوى إعلاميا، والمشجع تحول إلى مستهلك لمنظومة متكاملة من الخدمات، بينما باتت الشركات تنظر إلى البطولة كمنصة للوصول إلى مئات الملايين من المستهلكين في وقت واحد. لذلك، غدت المنافسة الحقيقية في كأس العالم تتخطى المنتخبات المشاركة، لتشمل أيضا شبكات البث، وشركات التكنولوجيا، والرعاة العالميين، وقطاع السفر والسياحة، والمنصات الرقمية، التي تتقاسم جميعها القيمة الاقتصادية التي تنتجها البطولة.

هل جاءت حقوق البث الإعلامي مخيبة؟

على الرغم من القفزة الكبيرة في إيرادات البطولة والأرقام القياسية التي أعلنها "الفيفا"، فإن مصادر النمو لم تكن متوازنة. فقد ارتفعت إيرادات أيام المباريات بنسبة 220 في المئة بالمقارنة مع 2022، كما زادت الإيرادات التجارية بنسبة 18 في المئة حسب التحليلات، أي بنحو 300 مليون دولار.

في المقابل، جاء أداء حقوق البث الإعلامي أقل من المتوقع، إذ لم تتجاوز نسبة نموها 32 في المئة، بما يعادل نحو مليار دولار. وبما أن عدد المباريات ارتفع بنسبة 47 في المئة مع توسيع البطولة، فإن متوسط القيمة التجارية لكل مباراة تراجع بنحو 19 في المئة وفق تحليل شركة "كاريتا" للأبحاث البريطانية. في عبارة أخرى، دفعت شركات البث مبالغ أكبر للحصول على البطولة، لكنها حصلت على عدد أكبر من المباريات، مما قلص عنصر الندرة وخفض القيمة الاقتصادية لكل دقيقة من المحتوى المباشر.

رويترز
المنتخب الإسباني يحتفل بحصوله على لقب كأس العالم، نيوجيرسي، الولايات المتحدة الأميركية، 19 يوليو/تموز 2026

لم يقتصر تراجع القيمة التجارية لحقوق البث على زيادة عدد المباريات، بل تأثر أيضا بفارق التوقيت الناتج من استضافة البطولة في أميركا الشمالية، مما أدى إلى انخفاض عدد اتفاقيات البث العالمية بنسبة 11 في المئة، مع تراجع حاد في آسيا وأوروبا، بما في ذلك هبوط قيمة عقد التلفزيون الصيني من 250 مليون دولار إلى 60 مليون دولار. في المقابل، استفادت أميركا اللاتينية من توافق التوقيت، لترتفع اتفاقيات البث فيها بنسبة 18 في المئة، مدعومة بتوسع الشراكات بين القنوات التلفزيونية والمنصات الرقمية.

وتكشف بيانات دور الـ32 عن تحول واضح في سلوك المشاهدة. فكلما أقيمت المباريات في ما يُعرف بـ"الساعات الميتة"، تراجعت نسب مشاهدة التلفزيون التقليدي، بينما لعبت المنصات الرقمية دور صمام الأمان. ففي فرنسا، أدى انطلاق مباراة فرنسا والعراق عند الساعة 11 مساء إلى هبوط عدد مشاهدي قناة "أم 6" (M6) بنسبة 65 في المئة ليصل إلى 4.9 ملايين مشاهد، مقارنة بـ14 مليون مشاهد لمباراة فرنسا والسنغال التي انطلقت عند التاسعة مساء.

من جهة أخرى، عوضت المنصات الرقمية جزءا كبيرا من تراجع المشاهدة التلفزيونية، إذ جذبت مباراة نصف النهائي بين إنكلترا والأرجنتين ذروة بلغت 24 مليون مشاهد في المملكة المتحدة، وسجلت منصتا "بي بي سي"، "بي بي سي آي بلاير" (BBC iPlayer) و"بي بي سبورت" (BBC Sport) نحو 12.6 مليون طلب للبث المباشر والمشاهدة عند الطلب.

في نسخة هذا العام، تبنى الاتحاد الدولي لكرة القدم نظام التسعير الديناميكي للتذاكر، كما استحدث عناصر تجارية جديدة، مثل فترات التوقف المدعومة لشرب المياه لمدة ثلاث دقائق، التي منحت شركاء البث وقتا إضافيا لعرض الإعلانات، بما عزز فرص تحقيق إيرادات أكبر

كما سجل تطبيق قناة "نوس" (NOS) الهولندية 1.5 مليون طلب للبث الرقمي رغم إقامة إحدى المباريات عند الثالثة فجرا، فيما حققت منصة "سيرفوس تي في" (ServusTV) النمساوية 1.4 مليون مشاهدة مباشرة، في مؤشر واضح الى تسارع انتقال الجمهور إلى المنصات الرقمية والهواتف المحمولة، خاصة عندما تتراجع جاذبية البث التلفزيوني التقليدي بسبب فروق التوقيت.

ابتكار جديد: "فترات التوقف لشرب المياه"

في نسخة هذا العام، تبنى الاتحاد الدولي لكرة القدم نظام التسعير الديناميكي للتذاكر، ووسع مبيعات التذكارات المرتفعة الثمن وباقات الضيافة الفاخرة، كما استحدث عناصر تجارية جديدة، مثل فترات التوقف المدعومة لشرب المياه لمدة ثلاث دقائق، التي منحت شركاء البث وقتا إضافيا لعرض الإعلانات، بما عزز فرص تحقيق إيرادات أكبر.

أ.ف.ب
مشجع أرجنتيني يحمل علما يجمع بين دييغو مارادونا وليونيل ميسي بعد مباراة الأرجنتين والنمسا ضمن منافسات كأس العالم 2026، 22 يونيو/حزيران 2026

ومن المتوقع أن يصبح هذا الابتكار جزءا دائما من كأس العالم، ولا سيما مع تزايد أهمية السوق الأميركية. فقد دفعت شبكة "فوكس" (Fox) نحو 485 مليون دولار للحصول على حقوق البث باللغة الإنكليزية في الولايات المتحدة، ويقدّر محللون أن الشبكة استعادت أكثر من نصف هذا المبلغ من عائدات الإعلانات التي بُثت خلال فترات التوقف لشرب المياه وحدها، حسب تقرير لـ"فاينانشال تايمز".

انتقادات تطال أسعار التذاكر

تعرض "الفيفا" لانتقادات واسعة بسبب ارتفاع أسعار تذاكر البطولة، إذ تراوحت أسعارها بين 60 دولارا وأكثر من 10 آلاف دولار، فيما تجاوز متوسط سعر التذكرة 900 دولار، وفقا لبيانات "تيكيت داتا" (TicketData).

وحسب تقرير نشرته صحيفة "الغارديان"، حتى مساء السبت الماضي (عشية المباراة النهائية)، ظلت باقات كبار الشخصيات والضيافة الخاصة بالمباراة النهائية معروضة للبيع عبر منصة بيع التذاكر التابعة لـ"الفيفا"، ووصل سعر تذكرة صالة الكأس (Trophy Lounge)، وهي إحدى أكثر باقات الضيافة فخامة، إلى 34,500 دولار للشخص الواحد.

تفاوت في عائدات المدن المضيفة

في الولايات المتحدة، الدولة التي استضافت النسبة الكبرى من مباريات كأس العالم، انعكست المسابقة إيجابا على اقتصادات المدن المستضيفة، إذ سجلت الفنادق والمطاعم والحانات ارتفاعا في الإشغال والمبيعات، بينما شهدت نيويورك زيادة في أسعار الغرف الفندقية، واستفادت بوسطن من تدفق الجماهير على الرغم من اضطرار الفنادق إلى خفض الأسعار في البداية لتحفيز الطلب.

خصص الاتحاد الدولي لكرة القدم 655 مليون دولار جوائز مالية للمنتخبات المشاركة، بزيادة 50 في المئة مقارنة ببطولة قطر 2022، فيما بلغت المساهمة المالية الإجمالية للمنتخبات 727 مليون دولار بعد إضافة مخصصات تغطية تكاليف الإعداد

لكن الأثر الاقتصادي لم يكن متساويا، إذ أظهرت بيانات الاحتياطي الفيديرالي أن الزخم الذي وفرته البطولة اقتصر على المدن المستضيفة، في حين ظل النمو الاقتصادي الأميركي محدودا، مع استمرار المستهلكين في تقليص الإنفاق الترفيهي بسبب ارتفاع تكاليف المعيشة والطاقة. كما أشارت بعض المتاجر والمعالم السياحية إلى أن زيادة أعداد الزوار لم تنعكس بالضرورة على ارتفاع المبيعات، فيما بقي الإنفاق ضعيفا خارج المدن المضيفة.

إعادة توزيع الإيرادات

خصص الاتحاد الدولي لكرة القدم 655 مليون دولار جوائز مالية للمنتخبات المشاركة، بزيادة 50 في المئة مقارنة ببطولة قطر 2022، فيما بلغت المساهمة المالية الإجمالية للمنتخبات 727 مليون دولار بعد إضافة مخصصات تغطية تكاليف الإعداد. وحصل البطل على 50 مليون دولار، مقابل 33 مليون دولار للوصيف.

أ.ف.ب
مشجعون يشاهدون مباراة ربع نهائي كأس العالم لكرة القدم بين الأرجنتين وسويسرا في كانساس سيتي بولاية ميزوري، 11 يوليو/تموز 2026

وباعتباره منظمة غير ربحية، يعيد الاتحاد الدولي لكرة القدم توزيع إيراداته على الاتحادات الوطنية لتمويل تطوير البنية التحتية لكرة القدم، بما يخلق دورة تمويل متواصلة بين "الفيفا" وأعضائه، على الرغم من الانتقادات التي تواجه إنفانتينو في أن استراتيجيته في دعم الاتحادات الصغيرة تهدف إلى منحه أصواتها لإعادة انتخابه رئيسا للاتحاد.

ويعتزم "الفيفا" تخصيص 2.7 مليار دولار لبرامج التطوير في 211 اتحادا وطنيا خلال الفترة من 2027 إلى 2030، وذلك في إطار برنامج "فيفا فوروارد 4.0" (FIFA Forward 4.0).

وبالنظر إلى المستقبل، تبدو كأس العالم 2030 مرشحة لأن تكون الكبرى من حيث الإنفاق والتنظيم، بعدما رصد "الفيفا" لها ميزانية تبلغ 6 مليارات دولار. كما ستتضمن البطولة احتفالات لمناسبة الذكرى المئوية الأولى لانطلاق كأس العالم، وهو ما يرى الاتحاد الدولي أنه سيجعلها حدثا أكثر جاذبية لشركات البث الإعلامي.

font change

مقالات ذات صلة