لم يفارق الجدل جياني إنفانتينو منذ توليه رئاسة الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) عام 2016. فقد لاحقته اتهامات بالتقرب من الحكام، والاستخفاف بالمخاوف المرتبطة بحقوق الإنسان، وتغليب الأرباح على مصالح البشر. وجاء أحدث فصول هذا الجدل خلال كأس العالم التي تقام هذا الصيف في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، حين اتهم إنفانتينو بتدبير عودة اللاعب الأميركي الموقوف فولارين بالوغون إلى الملاعب، إثر تدخل شخصي من دونالد ترمب. ورغم نفيه أن تكون مكالمة من الرئيس الأميركي قد أثرت في قرار لجنة الانضباط التابعة لـ"فيفا" بتعليق عقوبة بالوغون، جاء ترمب ليقوض هذا النفي حين أصر قائلا: "أنا من جعلهم يفعلون ذلك."
وأعرب كثيرون، ولا سيما في أوساط كرة القدم الأوروبية، عن غضبهم مما رأوا فيه تحايلا فاضحا على القواعد من جانب رئيس "فيفا". غير أن من يراهنون على أن تطيح هذه القضية بإنفانتينو قد يصابون بخيبة أمل. وكما سارع ديل جونسون، من "هيئة الإذاعة البريطانية" (بي بي سي)، إلى القول، فإن رد الفعل الأوروبي "لن يقلق إنفانتينو" فرغم أن مسيرته بدأت داخل الاتحاد الأوروبي لكرة القدم "يويفا"، فإن قاعدة نفوذه الفعلية تمتد في العالم غير الغربي. وتعكس سنوات إنفانتينو في رئاسة "فيفا"، من نواح عدة، التحولات الأوسع التي شهدتها السياسة العالمية خلال عهده: تراجع النفوذ التقليدي للغرب، وتصاعد حضور القوى غير الغربية، واتساع مساحة الاستخفاف بالقواعد والأعراف المستقرة.
من الظل إلى قلب الجدل
أصبح إنفانتينو اليوم واحدا من أشهر الوجوه في عالم الرياضة، مع أنه أمضى سنوات طويلة موظفا محدود الحضور داخل "يويفا"، ولم يكن مطروحا آنذاك كمرشح محتمل لرئاسة "فيفا". وهو ابن مهاجرين إيطاليين إلى سويسرا، ويحمل جنسية البلدين. انضم إلى الهيئة الأوروبية المشرفة على كرة القدم عام 2000، ثم ارتقى إلى منصب الأمين العام بعد تسعة أعوام. وكان الذراع اليمنى لرئيس "يويفا" ميشيل بلاتيني، الذي بدا في ذلك الوقت المرشح الأوفر حظا لخلافة رئيس "فيفا". لكن تورط بلاتيني في فضيحة الفساد التي دفعت رئيس الاتحاد آنذاك، سيب بلاتر، إلى الاستقالة، فتح الطريق أمام إنفانتينو ليصبح المرشح الأوروبي المفضل للمنصب الأعلى.
ومن المفارقات، في ضوء الاتهامات التي تلاحقه اليوم، أن إنفانتينو قدم نفسه في البداية مرشحا لمكافحة الفساد، مستندا إلى عضويته في لجنة إصلاح "فيفا". وبعد أن تعهد بمزيد من الشفافية والإصلاح، فاز بفارق ضئيل على البحريني سلمان بن إبراهيم آل خليفة في فبراير/شباط 2016.
وبعد عقد من الزمن، تبدو علاقة إنفانتينو بمؤسسته السابقة أكثر توترا من أي وقت مضى. فعقب تعليق عقوبة البطاقة الحمراء التي حصل عليها بالوغون، أصدر "يويفا" بيانا قال فيه إن "فيفا" تجاوز "خطا أحمر"، على نحو يقوض نزاهة كأس العالم. كما انتقد القرار عدد من الاتحادات والشخصيات الأوروبية، من بينها الاتحاد البلجيكي لكرة القدم، ومدرب منتخب إنكلترا توماس توخيل، واللاعب السابق والمقدم التلفزيوني غاري لينيكر.

وحفلت فترة إنفانتينو في المنصب بانتقادات متواصلة من الأوساط الكروية الغربية، التي راكمت ضده سجلا طويلا من الاتهامات. وأثارت علاقته الوثيقة بدونالد ترمب غضبا خاصا، ولا سيما بعد استحداثه "جائزة فيفا للسلام" ومنحها للرئيس الأميركي عام 2025. كذلك دفعت صلاته القوية بالحكومة السعودية بعض الجهات، وفي مقدمها الاتحاد النرويجي لكرة القدم، إلى اتهام "الفيفا" بمنح الرياض حق استضافة كأس العالم 2034 في ظل منافسة محدودة، ومن دون تدقيق كاف.
وقبل ذلك، خلال كأس العالم 2022 في الدوحة، هاجم إنفانتينو منتقدي سجل قطر في حقوق الإنسان، ووصفهم بأنهم "منافقون"، مما جدد الاتهامات له بالتقليل من شأن القضية. ويعود جانب من هذه الانتقادات إلى عام 2018، حين رأى كثيرون أنه بالغ في التودد إلى فلاديمير بوتين خلال استضافة روسيا كأس العالم، ثم أثار مزيدا من الجدل بقبوله وسام الصداقة الروسي عقب البطولة.
