من موسوليني إلى ترمب... كأس العالم ونظريات المؤامرةhttps://www.majalla.com/node/332082/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%85%D9%86-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%88%D9%84%D9%8A%D9%86%D9%8A-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%AA%D8%B1%D9%85%D8%A8-%D9%83%D8%A3%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D9%88%D9%86%D8%B8%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%A4%D8%A7%D9%85%D8%B1%D8%A9
أيقظت كأس العالم 2026 خيالات نظريات المؤامرة الكروية، وأعادت إنتاجها من جديد مدعومة بوقائع تشرعنها وتبررها. مباراة مصر والأرجنتين، التي شهدت قرارات تحكيمية جدلية أدت إلى فوز الأرجنتين، وأطلقت موجة احتجاجات شعبية ضدها، وكذلك مباراة الأرجنتين وسويسرا. العدالة التقنية التي أوحى بها "الفار"، وتقنيات الرصد المزروعة في الكرة نفسها، تحولت إلى نظام ظلم محمي بالأمزجة والاستنسابية، التي تثير نقاشات صحافية ومعارك عريضة على وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات البث، ويشارك فيها خبراء تحكيميون وحكام سابقون وحاليون.
وكان التدخل المباشر والعلني للرئيس الأميركي دونالد ترمب في قرار رفع العقوبة عن اللاعب الأميركي فولارين بالوغون مشهدا فاقعا من التدخل السلطوي في مسار اللعبة، أعاد إلى الأذهان كأس موسوليني في العام 1934، التي لا تزال تعتبر، إلى الآن، إحدى المحطات المخزية في تاريخ المسابقة الكروية الأبرز.
نظرية المؤامرة كانت قد باتت مجرد صيغة شعبوية ساذجة تخفي الجهل وانعدام القدرة على التحليل المنطقي، ولكن ما تراكم في تاريخ كأس العالم من فساد موثق، وتدخل سياسي، وتوظيف مزاجي للتقنيات، ومن مؤامرات فعلية تمت تحت سقف القانون من دون أن يلحظها، تتسبب بإعادتها إلى الواجهة كنسق تفسيري واقعي.
وكان كارل بوبر قد اعتبر أن العقل البشري يميل إلى تفسير الأحداث الغامضة بمنطق الإرادات الخفية، واعتبرت حنة أرندت أن انعدام الثقة بالمؤسسات المرجعية يخلق التربة الخصبة لنمو نظريات بديلة، في حين ربط رينيه جيرار الأزمات الجماعية بالحاجة إلى إنتاج قصة تنطوي على فاعلين ومسببين ومسؤولين، وأوضح لوك بولتانسكي أن الشك ليس وليد الخيال وحسب، ولكنه يتغذى من المسافة الشاسعة بين صورة المؤسسات عن نفسها واعتقادات الناس عنها.
بات الفوز الإيطالي في تلك اللحظة عنوانا لبروباغندا نهضة الأمة التي كان ينادي بها موسوليني
ولعل كرة القدم، بوصفها منتمية إلى مجال مراوغ واحتمالي وعصي على الضبط والإحكام، تتيح مجالا واسعا لنمو نظريات المؤامرة بطبيعتها. فليس الفريق الأفضل من يربح، وقد يودي قرار تحكيمي بمصير بطولة، كما أن تلقيها القائم على الانفعال، والذي يغذي نموها واستمراريتها، يحتاج إلى المؤامرة ليغذي الفورات العاطفية العامة، التي اتخذت، مع الانتشار العالمي للعبة، منحى جماعيا لا تتفاضل فيه الدول الفقيرة والمتطورة. الكل سواء في التعصب لمنتخبه وفي رفض فكرة الهزيمة، وبذلك فإن تفسير الهزيمة لا يكون ممكنا بالعودة إلى الشأن الرياضي والميداني المباشر، ولكنه يحتاج دائما إلى التدخل الخفي والغامض ذي الطابع المؤامراتي.
ولكن انتشار هذه النوازع وعموميتها واتصالها بمجال غير منطقي، لا ينفي واقع أن السلطات نزلت مبكرا إلى الملعب منذ نشوء المنافسة الكروية العالمية، ودخلت معها الشركات العالمية، والعقود المليارية، والإعلانات، وحقوق البث، وظهر الفساد كبنية مؤسسة وليس مجرد عارض. من هنا تبرز نظرية المؤامرة كقصة من قصص كأس العالم التي لا تختصرها، ولكن لا يمكن فصلها عن مساراتها وأحداثها في الوقت نفسه.
الفاشية في الملعب: مونديال 1934
لا يزال مونديال 1934، الذي أقيم تحت رعاية نظام موسوليني الفاشي، يلقي بظلال ثقيلة على تاريخ كأس العالم. الديكتاتور الذي كان يبحث عن دعم لمشروعه، الذي كان يطلق عليه "نهضة الأمة"، وجد في اللعبة الجماهيرية ضالته. لم يدخر وسعا في دفع الأمور لتستقر على انتصار الفريق الإيطالي ونيله البطولة. مباراة إسبانيا ضد إيطاليا أدت إلى إصابة معظم نجوم المنتخب الإسباني القوي، وكان نظام البطولة حينها يفرض إعادة المباراة بعد 24 ساعة، وقد تم ذلك، وخاضت إسبانيا المباراة من دون القسم الأكبر من لاعبيها الأساسيين. وبعد تلك الواقعة المشبوهة، تولى الحكم السويدي إيفان إكليند إدارة مباراتي نصف النهائي ثم النهائي، بعدما كان قد التقى بموسوليني أكثر من مرة.
بنيتو موسوليني يستقبل منتخب إيطاليا المتوج بكأس العالم 1938 في روما
لقد نزل الديكتاتور إلى الملعب مباشرة بشكل فاضح، وانتزع كأس البطولة التي كان يحتاجها بشدة، وبات الفوز الإيطالي بها في تلك اللحظة عنوانا لبروباغندا نهضة الأمة التي كان ينادي بها. وتحت ظلال هذا الفوز كانت عمليات التنكيل والإعدامات الجماعية ضد المعارضين تتفاقم، متغطية بالنصر الكروي الذي خلق هستيريا جماعية وحالة من العمى الشامل، جعلت كل الجرائم الواسعة التي كانت تتغطى به غير مرئية.
ولعل ذاكرة مونديال موسوليني تعود لتحيا من جديد مع إعلان ترمب، خلال مونديال 2026، تدخله لدى رئيس الاتحاد الدولي جياني إنفانتينو لإعادة النظر في البطاقة الحمراء التي تلقاها المهاجم الأميركي فولارين بالوغون، ونجاح وساطته في رفع العقوبة، بينما رفضت التماسات مماثلة من اتحادات كروية ومنتخبات عريقة.
بدا الأمر بمثابة مهزلة تنظيمية، مما دفع اتحادات كروية أوروبية إلى الاحتجاج العلني على مثل هذا القرار، بينما دافع عنه البعض باعتباره مجاملة يتيحها القانون لدولة مضيفة، ولكن السؤال حول استقلالية القرار الكروي انفجر بقوة، ومعه التساؤلات حول إدارة المباريات. أثبت هذا التدخل، بمعناه الأعمق، أن السلطة ما إن تنزل إلى الملعب حتى يكون لها ما أرادت على حساب اللعبة واللاعبين ونزاهة المباريات.
الأرجنتين 1978: كيسنجر في غرف الملابس
أعاد الجدل الذي أثارته مباراة مصر ضد الأرجنتين في المونديال الجاري ذكريات مونديال 1978، الذي عد أحد العناوين التاريخية البارزة التي لا تزال تستحضر حتى الآن نظرية المؤامرة وتربطها بالسياق القمعي العسكري السلطوي، وتقارنه بسياق يفسر السهولة التي تعبر فيها الأرجنتين إلى النهائيات بالقيمة السوقية الهائلة للاعبيها.
هكذا فاز البلد الذي كانت تطاله اتهامات دولية بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بكأس العالم، فبدا منتصرا على العالم الذي كان يدينه
خاضت الأرجنتين مونديال 1978 تحت ظلال مرحلة حكم عسكري استبدادي، فمنذ العام 1976 كان المجلس العسكري، بقيادة خورخي رافائيل فيديلا، قد أحكم زمام سيطرته على البلاد كلها، بحملة قمع دموية أطلق عليها لاحقا تسمية "الحرب القذرة"، ونتج منها آلاف الضحايا بين قتلى ومفقودين. وبينما كانت الجماهير تتهافت إلى الملاعب لمشاهدة المباريات، كانت مراكز التعذيب تشتغل في محاذاتها، وفي كثير من المرات كانت الملاعب نفسها قد تحولت إلى مراكز اعتقال ضخمة.
ولعل المفارقة التي لا تزال تذكر حتى الآن، أن المباراة النهائية التي فازت فيها الأرجنتين بكأسها الأولى، جرت بالقرب من مدرسة ميكانيكا البحرية، التي كانت تحولت إلى أكبر مركز اعتقال، ولا يفصلها عن ملعب "مونومنتال"، الذي احتضن النهائي، سوى كيلومتر واحد. الوظيفة التي أنيطت بتلك الكأس المشبوهة، اقتصرت على أن تقدم للعالم صورة بلد منظم ومستقر، وتحويل كرة القدم إلى نسق إخفاء لا تعود معه كل الجرائم والانتهاكات مرئية أساسا.
والتدخل المباشر والتلاعب كانا واضحين لدفع الأمور إلى فوز الأرجنتين بالكأس بطريقة غير شرعية. ففي المباراة التي جمعت بين الأرجنتين وبيرو، الذي كان أحد الفرق المرشحة لنيل البطولة لما كان يمتاز به من قوة وما يمتلكه من لاعبين بمستوى عال، لعبت البرازيل مباراتها الأخيرة قبل هذه المباراة، وكان يلزم الأرجنتين الفوز بأربعة أهداف حتى تبلغ النهائي. وكان "الفيفا" قد رفض إقامة المباراتين في وقت واحد، مما يتيح مجالا واسعا للتلاعب، إذ منح هذا الرفض أصحاب الأرض ما لم يعط للبرازيل، وجاءت النتيجة، التي كانت مستحيلة، لتؤكد الشكوك، إذ فازت الأرجنتين على المنتخب البيروفي الصلب بنتيجة 6-0، وهي نتيجة لا يمكن إطلاقا القول إنها طبيعية ومعقولة، حتى بمقاييس الاحتمالات الكروية التي لا تخضع للتوقعات، وخصوصا أن الفريق البيروفي كان في مرحلته الذهبية.
مدرب الأرجنتين سيزار لويس مينوتي والرئيس خورخي فيديلا خلال مونديال 1978
الشك في هزلية تلك الموقعة الكروية، وأنها ليست سوى عرض مسرحي متفق عليه، بدأ قبلها، إذ إن الرئيس البيروفي العسكري كان قد زار غرف الملابس قبل المباراة مع وزير الخارجية الأميركي الأشهر هنري كيسنجر، الذي ألقى كلمة تناولت الصداقة بين الشعبين.
حرصت الحكومة على تصوير تلك الزيارة على أنها بروتوكولية وديبلوماسية وعادية، ولكن النتيجة الأسطورية للمباراة التي تلتها منحتها تفسيرات مغايرة تماما. وقد أثبتت الوقائع التي ظهرت لاحقا، سياقات معقدة حكمت ذلك الفوز، الذي يعده الكثير من الأرجنتينيين حتى الآن غير نزيه، إذ إن ثمن تلك الكأس كان شحنات قمح قدمتها الأرجنتين إلى البيرو، وقروضا وعقودا ائتمانية، وتسليم معارضين بيروفيين إلى السلطات الأرجنتينية.
وهكذا فاز البلد الذي كانت تطاله اتهامات دولية بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بكأس العالم، فبدا منتصرا على العالم الذي كان يدينه.
فضيحة خيخون 1982: النظام في خدمة التلاعب
تعد المؤامرة ضد منتخب الجزائر واحدة من الوقائع المثبتة التي تم فيها توظيف النظام نفسه في خدمة الغش والتآمر. فقد شاركت الجزائر في ذلك المونديال ممثلة عن القارة الأفريقية، التي كانت تعاني من نظرة دونية تجعلها غير قادرة على منافسة المنتخبات الأوروبية أو منتخبات أميركا الجنوبية، وتعد مشاركتها فخرية وشرفية ليس إلا.
ولكن الجزائر فجرت مفاجآت غير محسوبة حين هزمت المنتخب الألماني الغربي بهدفين في مقابل هدف، مما عزز فرصها، ثم فازت على منتخب تشيلي القوي، وكانت استطاعت النجاح في مباراتيها قبل المباراة التي جمعت منتخبي ألمانيا والنمسا.
كان المنتخبان الأوروبيان يعرفان سلفا وبدقة النتيجة التي يجب تحقيقها لضمان تأهلهما معا وإقصاء الجزائر، إذ تحتاج ألمانيا إلى الفوز بهدف واحد، وهذا الفارق كان يكفي كذلك لتتأهل النمسا.
سجل اللاعب هورست هروبيش الهدف في الدقيقة العاشرة من اللقاء، وبعد ذلك تجمد اللعب تماما، وراح الفريقان يتبادلان الكرة بشكل آلي في منتصف الملعب، من دون محاولة تسجيل أهداف، بشكل فاضح وعلني.
كان المشجعون الجزائريون في المدرجات يرفعون الأوراق النقدية للترميز إلى بيع المباراة
وقد بدا المشهد مهينا للمتابعين وللصحافة، بحيث أطلقت الصحافة الألمانية على المباراة تسمية "وصمة العار"، وعرفت في إسبانيا باسم "فضيحة خيخون". وخلالها كان المشجعون الجزائريون في المدرجات يرفعون الأوراق النقدية للترميز إلى بيع المباراة، كما تعالت صيحات الجمهور الإسباني ضد المنتخبين، بينما طالب معلق التلفزيون النمساوي المشاهدين بإقفال أجهزة التلفزيون لأن ما يجري لا يستحق المشاهدة.
ولكن البعد الذي كشفته تلك المؤامرة العلنية يتعلق بتركيبة النظام نفسه، الذي لم يأخذ على عاتقه مهمة إنشاء قوانين تحمي النزاهة وتمنع التلاعب وتعاقبه. فعلى الرغم من وضوح نية التلاعب ونتيجته المؤثرة على وصول فريق أفريقي إلى النهائيات، فإن "الفيفا" لم يستطع، وفق ما كان سائدا في نظامه القانوني آنذاك، معاقبة الفريقين إطلاقا، وتم اعتماد النتيجة.
وحينها انفجر النقاش حول البنية والقواعد التي بدت مصممة لتحمي الغش أو لكي تجعله ممكنا، في أحسن الأحوال. فالمؤسسة التي تحكم كرة القدم وتقود احتفالية كأس العالم، لم تكن حينها مؤسسة وليدة وناشئة، بل كان تاريخ إدارتها لتلك البطولة قد تجاوز نصف قرن، مما جعل من مسألة إهمال وضع قوانين صارمة تمنع التلاعب وتجعله غير ممكن موضع شك مفتوح يطال البنية والقواعد والنظام نفسه.
مونديال 1998: جسد رونالدو الذي تمتلكه الشركات
كشف مونديال 1998 ملامح البنية السوقية الرعائية التي شرعت بفرض سلطاتها على عالم كرة القدم وعلى أجساد اللاعبين. قبل ساعات من المباراة النهائية التي جمعت بين البرازيل وفرنسا، تعرض اللاعب الأشهر في تلك المرحلة، البرازيلي رونالدو، الذي كان يلقب بالظاهرة، إلى وعكة صحية شديدة تسببت بنوبة تشنج، أدخل بعدها إلى المستشفى، مما تسبب بارتباك كبير وفوضى في أوساط المنتخب البرازيلي.
التشكيلة الرسمية للمشاركين في المباراة أرسلت من دون إدراج اسمه فيها، ولكنه أعيد إليها قبل دقائق من انطلاق المباراة، فدخل إلى الملعب مهزوزا مترنحا، وقدم أداء هزيلا للغاية، فكان أن خسرت البرازيل بثلاثة أهداف.
رونالدو بعد خسارة البرازيل نهائي كأس العالم 1998 أمام فرنسا
فجر الأمر فضيحة مدوية، وفتحت البرازيل تحقيقا رسميا في الواقعة، واستدعي اللاعب والأطباء ومسؤولو الاتحاد للبحث في الموضوع، الذي قيل إن سبب مشاركته، على الرغم من حالته الصحية المتردية، هو الضغط الكبير من شركة "نايكي" الراعية، التي رفضت أن تجرى المباراة النهائية من دون وجود أهم نجوم الكرة. لم يثبت الأمر رسميا، وحكي كذلك عن مؤامرة دس قنينة ماء تحتوي على مهدئ لرونالدو، ولكن عنوان تدخل "نايكي" بقي علامة بارزة على سطوة الشركات وقدرتها على امتلاك أجساد اللاعبين وتحويلهم إلى إعلانات حية ودائمة. في هذا المونديال دخل عنوان الشركات الكبرى إلى قلب نظرية المؤامرة، مشكلا إحدى أبرز علاماتها التي اتسعت لاحقا وتعززت بوقائع فساد مثبتة مع اعتقالات عام 2015، التي تحولت إثرها اتهامات الرشوة، التي كان المشجعون يطلقونها مع كل خسارة لمنتخبهم، إلى واقع يخترق عالم كرة القدم.
2022- 2026: التقنية في خدمة المؤامرة
مع اعتماد تقنية "الفار" منذ مونديال 2018 وتطبيقها بشكل واسع في مونديالي 2022 و2026، كان الحديث يدور على نهاية الظلم التحكيمي والأخطاء، وأن كرة القدم باتت تخضع لنظام محكم لا يحتمل الشك. حاول منظمو البطولة العالمية إدخال اليقين إلى مشهد المباريات للتحكم في الاحتجاجات والمشكلات التي كانت تظهر مع كل بطولة، وكان للإضافات التي ظهرت في المونديال الجاري، لناحية تزويد الكرة مجسات متطورة تلتقط كل حركة، دور كبير في دعم هذا التوجه والإيحاء بإقفال مجال انعدام العدالة ونظريات المؤامرة في كرة القدم بشكل نهائي.
ولكن ما ظهر في مونديال قطر، لناحية منح الفريق الأرجنتيني، الذي فاز بكأسه الثالثة، خمس ركلات جزاء في البطولة، وهو رقم غير مألوف وغير اعتيادي إطلاقا، خرب هذا التوجه وأعاد تفعيل الشكوك، وجاء مونديال 2026 بسلسلة القرارات المثيرة للجدل لتعيد إنتاج كل نظريات التلاعب والمؤامرات بشكل مكثف وفاعل.
عنوان تدخل الرئيس ترمب لرفع العقوبة عن لاعب أميركي كان تلقى بطاقة حمراء، يعزز مفهوم التدخل السياسي في مجريات اللعب، والقرارات المزاجية للحكام بالعودة إلى "الفار" وإلغاء أهداف في مباريات معينة بسبب مخالفات مشكوك في جديتها، بينما يتم التغاضي عن مخالفات أكثر خطورة في مباريات أخرى، وواقعة طرد لاعب منتخب سويسرا ببطاقة صفراء ثانية بدعوى التمثيل بعدما كان الحكم قد منح مخالفة للاعب أرجنتيني، وتأثيرها الحاسم على مجرى المباريات، ونظام الحماية الذي قيل إن النجم الأرجنتيني ليونيل ميسي يتمتع به، والذي أعفي بسببه من مخالفات كانت تستحق، وفق كثير من المحللين، بطاقة حمراء، كما ترك في مباريات أخرى يصرخ في وجه الحكم ويرفع إصبعه في وجهه، في مشهد لا شك أن أي لاعب آخر كان سينال بطاقة صفراء مباشرة، وقد يتعرض للطرد.
باتت التقنية أسيرة عين بشرية تختار ماذا ترى، وتخضع في ما تقرر النظر إليه لضغوط سياسية واعتبارات ربحية ورعائية
باتت التقنية الفائقة، في هذا السياق، نظاما يدعم الاستنسابية والمزاجية، فالحكم يقرر متى يتم الرجوع إليها ومتى يؤخذ بقراراتها وما يستحق توظيفها فيه. تاليا، فإن القرارات لا تتخذ بناء على رصد دقيق وتقني للوقائع، ولكن بشكل أشبه بنسق تأويل لها توضع التقنية في خدمته.
الحكم يشهر البطاقة الحمراء في وجه السويسري بريل إمبولو بعد مراجعة تقنية
كل ذلك أطلق نقاشا حول معايير توظيف التقنية، ومتى توظف، وكيف تصدر القرارات بناء عليها. توسع هذا النقاش ولم ينحصر في صفوف الجماهير، بل شمل خبراء تحكيم ومدربين حاليين وسابقين، ودار الجدل حول قرار الرجوع إلى الفار، والحالات التي قرر فيها الحكام العودة إليه، وتلك التي قرروا تجاهله فيها، على الرغم من تشابه الحالات وتطابقها.
وهكذا، بعدما تم الترويج لحلول التقنية الفائقة مكان العين البشرية المحدودة، اتخذت الأمور مسارا مناقضا، باتت فيه التقنية أسيرة عين بشرية تختار ماذا ترى، وتخضع في ما تقرر النظر إليه لضغوط سياسية واعتبارات ربحية ورعائية. ومن هنا باتت التقنية مجرد خطاب جدلي آخر لا يساهم في تفكيك نظريات المؤامرة، بل يعيد إنتاجها.