فريق "المجلة" من 11 شاعرا عالميا عشقوا الساحرة المستديرةhttps://www.majalla.com/node/331554/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9-%D9%88%D9%85%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%B9/%D9%81%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D9%84%D8%A9-%D9%85%D9%86-11-%D8%B4%D8%A7%D8%B9%D8%B1%D8%A7-%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D8%B4%D9%82%D9%88%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AD%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D8%B1%D8%A9
في التلقي الكروي، من منظور الشعراء والروائيين والقصاصين والمفكرين، يبرق في الذهن عند أول وهلة، كتاب إدواردو غاليانو الشهير "كرة القدم بين الشمس والظل"، وهو من كان يكتب على بابه "مغلق بسبب كرة القدم"، ويأتي بعده، كتاب "كرة القدم، تاريخ ثقافي" لكلاوس ساينجر، ويليه كتاب، "كرة القدم، الحياة على الطريقة البرازيلية" لأليكس بيلوس، وكذلك كتاب "أغرب الحكايات في تاريخ المونديال" للوثيانو بيرنيكي، ثم كتاب "الهرم المقلوب"، لجوناثان ويلسون، على سبيل المثل لا الحصر.
وفي طليعة المفكرين الذين التفتوا إلى اللعبة، جان بول سارتر الذي جنح إلى توصيفها باستعارة الحياة، وبالمثل خصها ألبير كامو بتحية رفيعة، مع الامتنان، إذ أقر: "مجمل ما أعرفه عن الأخلاق وواجبات الإنسان تعلمته من كرة القدم".
أكثر من ذلك، يستطرد: "تعلمت مبكرا أن الكرة لا تأتي أبدا من الجهة التي تتوقعها، وقد ساعدني ذلك كثيرا في الحياة، خاصة في المدن الكبرى، حيث لا يكون الناس دائما مستقيمين".
والطريف أن ألبير كامو اختار أن يكون حارس مرمى في شبابه لسبب مضحك، كي يتفادى ضربات جدته بسبب إتلاف الأحذية، فحارس المرمى لا يركض كثيرا، وهو الوحيد الذي لا يهترئ حذاؤه.
وممن ينحازون للعبة من الشعراء، في شقها الجمالي، وملحميتها المغوية، وفتنتها الجارفة، وحماستها المتماوجة، وتداعياتها الفنية، حد المطابقة بينها وبين الشعر، على سبيل المجاز، ننتخب فريقا من الشعراء، احتفوا بكرة القدم، كأسلوب فني، كإبداع وطقس احتفالي ونمط فرجة لا تخلو من بلاغة وإبهار.
النثر يمثله أسلوب لعب إيطاليا وأما الشعر فيمثله أسلوب لعب البرازيل
فمن جهة أولى، منهم من مارس اللعبة، وكان لاعبا قاب قوسين من الاحتراف لولا أن تلقفته السينما والشعر كما في حالة بازوليني، ونابوكوف الذي كان حارس مرمى قبل أن تسلبه كتابة الرواية. ومن جهة ثانية، منهم من ناصر فرقا بحماسة، ولم يترفع في الإفصاح عن افتتانه باللعبة، أو الكتابة عن لاعب بعينه، ومنهم محمود درويش وآخرون، نعددهم هنا ليكونوا فريقا من 11 رمزا أو علامة، محض منتخب عابر للأزمنة، يتمثل متعة اللعبة، مجازها وفنها وشعريتها.
بيار باولو بازوليني (1922 – 1975)
ما فتئ الشاعر والسينمائي الإيطالي بازوليني يفصح في حواراته بأن طموحه كان أن يغدو لاعب كرة قدم ماهر، وفي التنويه بها، أقر بأريحية "بعد السينما تعتبر كرة القدم من أعظم المتع بالنسبة لي".
كيف لا وقد كان بازوليني لاعب كرة قدم سابق، كجناح أيمن في صفوف فريق "كاسارسا": "كنت ألعب ست أو سبع ساعات متواصلة دون توقف، كنت ألعب كجناح أيمن آنذاك، وبعد بضع سنوات، أطلق علي أصدقائي لقب ستوكاس... يا لها من أيام أحد رائعة في الملعب البلدي" ويقصد ملعب بولونيا.
كرة القدم في تقدير بازوليني محض لعبة احتفالية، ذات صلة عريقة بالملاحم الإغريقية، حد أن طقوسيتها تضاهي أشكال المسرح الروماني القديم. أكثر من ذلك، فهي بديل المسرح على المستوى الجماهيري، إذ يشكل الملعب ساحة متكاملة فيها يحتدم الصراع، وتشتعل الدراما، مع حدي الهزيمة أو الانتصار.
لا ريب في أن كرة القدم لغة، تضمر رموزا، وحسب أشهر توصيف له حينما شاهد نهائي كأس العالم 1970 بين إيطاليا والبرازيل: النثر يمثله أسلوب لعب إيطاليا، الذي يجعل الهدف خاتمة منطقية لخطة محسوبة. وأما الشعر فيمثله أسلوب لعب البرازيل، القائم على الابتكار والمفاجأة واللايقين، وينتهي إلى حالة من الهذيان الجمالي.
الشاعر الإسباني رافائيل ألبرتي (1902 ـ 1999)
رافائيل ألبرتي (1902 – 1999)
كان الشاعر الإسباني رفائيل ألبرتي من الشغوفين بنادي "ريال بيتيس" في إشبيلية، حد أن حماسه جعله يكتب قصيدة عام 1928، بعنوان "أنشودة إلى بلاتكو". وقد أنجزها عن حارس فريق "برشلونة"، المجري فرانز بلاتكو، إذ شاهد الشاعر نهائي كأس الملك، بين "برشلونة" و"ريال سوسيداد"، وتركت قتالية الحارس أثرا غائرا في نفسه، كما يروي في سيرته الغابة المفقودة: "كانت مباراة عنيفة، كان بلاتكو حارس مرمى عملاقا، يدافع عن كتالونيا كالثور الهائج، كان هناك جرحى، وضربات بأعقاب بنادق الحرس المدني، واندفاعات الجمهور، وفي لحظة يائسة، هاجمه لاعبو "ريال سوسيداد"، بعنف حتى سقط مضرجا بالدماء، فاقدا الوعي قريبا من مرماه، ومع ذلك ظل ممسكا الكرة بيديه".
لعب كرة القدم أمر في غاية السهولة، أما لعب كرة القدم ببساطة فهو أصعب شيء في العالم
وأما القصيدة الشهيرة، فتحتفي بالحارس، بلازمة تتكرر سبع مرات:
"لا أحد ينساك يا بلاتكو
لا، لا أحد، لا أحد، لا أحد
أيها الدب الأشقر الآتي من المجر".
الشاعر الإسباني ميغيل إيرنانديث (1910 ـ 1942)
ميغيل إيرنانديث (1910 – 1942)
مارس الشاعر الإسباني ميغيل إيرنانديث كرة القدم هاويا في فريق "لاريبارتيورا"، وكتب مرثية للاعب لولو الذي مات أثناء مباراة فريقه "أوريهويلا" 1931، تحت عنوان "مرثية حارس المرمى"، بإهداء لافت: "إلى لولو، القديس بطرس الشاب في مرمى سماء أوريهويلا".
وينتقد الشاعر حكم المباراة بقسوة:
"أيها الصرصار الذي كان صفيره
يندلق من شفتيك المشرعتين
في انسياب فضي رصين
يا حكما يا مروض اللاعبين
يا قائد البأس والشجاعة
أما كانت المنية
تطلق صفارتها هي الأخرى؟".
صورة غير مؤرخة للكاتب الأميركي الروسي الأصل فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف (1899 – 1977)
تقلد الشاعر والروائي نابوكوف في شبابه مهمة حارس مرمى، إذ لعب كرة القدم في روسيا كما في جامعة كمبريدج، وكتب قصيدة شهيرة عن اللعبة باللغة الروسية، وسمها بعنوان "كرة القدم"، وفق ما دونه في سيرته الذاتية، "تكلمي أيتها الذكريات"، وفي القصيدة يخاطب فتاة المشمش:
كانت الكرة ترتد في كل اتجاه
ولم يكن بوسعك أن تعرفي
أن أحد هؤلاء اللاعبين المتهورين هنا
يبدع في صمت، في الليل، على مهل،
ترنيمات لموسيقى أعمار شتى".
كما كتب في سيرته الذاتية عن مجد حراسة المرمى: "كنت مهووسا بحراسة المرمى، ففي روسيا والبلدان اللاتينية، كانت الحرفة النبيلة محاطة دائما بهالة من السحر الاستثنائي. حارس المرمى إنه المنعزل، غير المبالي... إنه النسر الوحيد، رجل الغموض، المدافع الأخير".
الكاتب الألماني غونتر غراس خلال فعالية ثقافية في باريس، 1979
غونتر غراس (1927 – 2015)
كان الشاعر والروائي الألماني الحائز جائزة نوبل (1999) من أشد المعجبين بناديي "سانت باولي" و"فرايبورغ"، وقد قرأ مقاطع من أعماله في ملعب هذا الفريق، أمام جمهور النادي الحماسي، وله قصيدة بعنوان "ملعب الليل"، عن كرة القدم، موجز نصها:
"صعدت الكرة ببطء إلى السماء
ثم اتضح أن المدرجات كانت ممتلئة
لقد تركوا الشاعر وحيدا تحت القوس
لكن الحكم أطلق صافرته: تسلل!".
كان غراس من أشد منتقدي "الفيفا"، وصرح قبيل مونديال 2006 الذي أقيم في بلده ألمانيا، إن هذه المؤسسة "حرصت على ألا تعود كرة القدم رياضة الشعب، بل مجرد بيزنس كبير".
الشاعر والديبلوماسي البرازيلي فينيسيوس دي مورايس
فينيسيوس دي مورايس (1913 – 1980)
من فرط ولع الشاعر البرازيلي فينيسيوس دي مورايس بكرة القدم، بنادي "بوفاتوغو" بالأحرى، ردد مقولته الشهيرة: "بوفاتوغو ليس مجرد شغف، بل رمز لهوية المواطنين".
أهدى الشاعر قصيدة إلى اللاعب غارينشا، هذا الذي قال عنه الأسطورة بيليه: لولا غارينشا، لما أصبحت بطل العالم ثلاث مرات. والقصيدة موسومة بعنوان "الملاك ذو الساقين المترنحتين". وفي مختتمها يحتفل:
"غارينشا الملاك، يسمع ويومئ برأسه: هدف!
الأمر كله يتعلق بالصورة: حرف G يركل حرف O
داخل القوس، حرف L، إنها رقصة مثالية!".
كارلوس دروموند دي أندرادي (1902-1987)
يعتبر كبير شعراء البرازيل، من أغزر الكتاب عن كرة القدم، نثرا وشعرا، وقد جمعت نصوصه في مجلد، بعنوان: "عندما يحل يوم كرة القدم".
ستنعم بالحياة، وستنعم بالموت/ مر عام تلو آخر/ وها قد تغلبت على ظلالك
وبذا صنف الصوت الأمين، الأشد ثراء، في نقل ملحمة الملعب إلى ملحمة الأدب.
هو صاحب المقولة الشهيرة التي تختصر جوهر كرة القدم: "لعب كرة القدم أمر في غاية السهولة، أما لعب كرة القدم ببساطة فهو أصعب شيء في العالم".
عن اللاعب في قصيدته كرة القدم ينشد:
"وفي النهاية الجسد المنتصر
على قانون الجاذبية الحزين".
الشاعر والكاتب الإيطالي أومبرتو سابا
أومبرتو سابا (1883-1957)
أوحت مباراة في كرة القدم للشاعر الإيطالي أومبرتو سابا بخماسية شعرية، ضمنها ديوانه: "الكتاب الغنائي"، ففي قصيدة "ثلاث لحظات" يصدح:
"مجدكم أيها الأولاد الأحد عشر
كالنهر ينمق تريستينا بمحبة".
وفي قصيدته الشهيرة "الهدف"، يصف الكثافة الدرامية لحظة استقبال حارس المرمى لهدف:
"حارس المرمى الساقط
في ذروة الدفاع العبثي،
يخبئ وجهه ملاصقا للأرض،
كي لا يرى الضوء المر.
ورفيقه في الفريق، الجاثي على ركبتيه،
يحثه بالكلمات والإيماءات كي ينهض مجددا،
فيرى عينيه وقد غرقتا بالدموع"
الكاتب والشاعر الأوروغواياني ماريو بينيديتي، 1999
ماريو بينيديتي (1920-2009)
تكثيف اللحظة، وخلق المعنى من حركة عابرة، وتحويل الجسد إلى تعبير فني، ذلك هو سحر كرة القدم، يقول الكاتب والشاعر الأوروغواني ماريو بينيديتي، وكرة القدم بحسب اعتقاده من جوهر الشعر نفسه.
كان بينيدتي متعصبا لفريق "ناسيونال مونتيفيديو"، وقد عمل صحافيا رياضيا متخصصا بكرة القدم في مطلع شبابه، وكرس عددا من قصصه القصيرة لشخصيات من لاعبي كرة القدم. يعرف بقوله الشهير بعد هدف مارادونا "الإلهي" في مونديال 1986: "ذلك الهدف... هو دليل على وجود الله"، من قصائده الشهيرة، "وقتك اليوم حقيقة"، وهي مهداة إلى اللاعب الأسطوري نفسه:
"ستنعم بالحياة، وستنعم بالموت
مر عام تلو آخر
وها قد تغلبت على ظلالك".
الشاعر الإسباني لويس غارسيا مونتيرو
لويس غارسيا مونتيرو (1958 -)
من الشعراء الإسبان المدافعين بشراسة عن إرث كرة القدم بالنظر إليها كلعبة شعبية أولى، وهي جزء أساس من الثقافة المعاصرة، ومن غير المنطقي أن تكون عدوة للأدب، وقد بزغت اللعبة كرد فعل على العزلة والاغتراب الذي يفرضه المجتمع الحديث على الفرد، ويرى أن من منح في إسبانيا بعدا أدبيا لكرة القدم هو مانويل فاسكيز مونتالبان.
في قصيدة "أحد بعد الظهيرة"، عن كرة القدم يعرب غارسيا مونتيرو:
"لا ينبغي أن نعطي هذه الأشياء
قيمة مبالغا فيها
إنها تسعون دقيقة في كأس ماء
لكنها كثيرا ما أزالت عني العطش".
محمود درويش يلقي قصائده في قصر الأونيسكو في بيروت، 1999
محمود درويش (1941 - 2008)
طالما كشف محمود درويش عن إعجابه بفريق "ريال مدريد"، وقد أفصح عن افتتانه بكرة القدم، في مناسبتين موشومتين، أولا في نص مريب عن الأرجنتيني مارادونا عام 1986، تحت عنوان "لن يجدوا دما في عروقه، بل وقود الصواريخ".
دييغو مارادونا يحتفل بهدفه في مرمى بلجيكا خلال نصف نهائي كأس العالم 1986 في مكسيكو سيتي
وفي مستهله يخاطب مارادونا: "ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟".
وبعد أن يستوفي الشاعر لغة الفقد المر، مع انسدال ستار الفرجة والحماسة على فرجة كأس العالم 1986، بتتويج الساحر رقم 10 بطلا منشودا، ينبري لاجتراح وصف الأرجنتيني الذهبي، عن كثب، بإبرة الصحو المغموسة في قدح النبيذ:
"يفلت كالصوت
له وجه طفل، وجه ملاك،
له جسد الكرة،
له قلب أسد،
له قدما غزال عملاق".
وبعدها، يخلص الشاعر الملحمي إلى نسغ اللعبة، متسائلا:
ما هي كرة القدم هذه؟
هي شيء من صراع التأويلات، ومسرح واقعي لتعديل موازين القوى... حرب عالمية يمارس فيها خيال الشعوب دوره الغائب أو الحاضر.
أن تلبس قميصا يصبح جلدك الثاني/ وأن تمشي في الدنيا/ بقلب معلق في صافرة حكم
وفي مناسبة ثانية، يفرد محمود درويش لكرة القدم ما يليق بسحريتها، في كتابه "ذاكرة للنسيان" صادحا بلا مواربة في أحلك وأفدح أوقات الحصار ببيروت:
"ونحن أيضا يحق لنا أن نحب كرة القدم، ويحق لنا أن نرى المباراة، لم لا؟ لم لا نخرج من روتين الموت؟".
جواو كابرال دي ميلو نيتو (1920-1999)
طابق هذا الشاعر البرازيلي بين المباراة الجيدة والقصيدة الجيدة، والتفت إلى هندسة اللعبة ولم يقتصر وقوفه عند العاطفة والحماسة. ولم يفتأ يهتف مشيرا إلى فضيلة الجمال الذي يتخلق عبر النظام في كرة القدم. جمال البناء في تماه مع شدو الإيقاع. مارس لعب كرة القدم في شبابه (1935)، وفاز مع فريقه "سانتا كروز" ببطولة كروية للشباب.
في قصيدته عن غارينشا، يرصد ببصيرة طائر جارح، ساق اللاعب المصابة باعوجاج: