"المجلة" في "كان"... سينما البحث عن الإنسان المفقود

توماس مان بعدسة بافليكوفيسكي وفرهادي "يتورط" وهاماغوتشي يتألق

Valery HACHE / AFP
Valery HACHE / AFP
بيتر جاكسون يتسلم السعفة الذهبية الفخرية من الممثل إيلايجا وود خلال افتتاح مهرجان كان السينمائي، 2026

"المجلة" في "كان"... سينما البحث عن الإنسان المفقود

انطلقت فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان "كان" السينمائي 2026 بلحظة خارج إطار قاموس المهرجان المعتاد، وذلك مع تكريم مسيرة المخرج النيوزلندي بيتر جاكسون، مخرج العجائب الكبرى، ثلاثية "سيد الخواتم" و"الهوبيت"، الذي تسلم السعفة الذهبية الشرفية فيها من إيلايجا وود، بطل الثلاثية، في احتفاء بمخرج لم يأت من تقاليد السينما التي اعتاد "كان" رفعها إلى مقام القداسة، لكنه جاء من قلب سينما المغامرة والفانتازيا. كيف لا، وهو المخرج الذي غامر يوما بتصوير ثلاثية كاملة دفعة واحدة قبل أن يرى العالم أي جزء منها.

وقف بيتر جاكسون هذه المرة في افتتاح المهرجان كمن يستعيد الدهشة الأولى للسينما، واصفا هذه اللحظة بأنها "مفاجأة غير متوقعة"، لأنه على حد قوله، يصنع أفلاما من النوع الذي لا يظن عادة أنها تنال السعفة.

يضع جاكسون بكلامه هذا يده - من حيث لا يقصد - على تحول صغير في صورة "كان".

فالمهرجان الذي طالما عده الكثيرون حارسا لسينما المؤلف بالمعنى الأوروبي الصارم، يجد نفسه اليوم مضطرا إلى توسيع تعريفه للإنجاز السينمائي بوصفه قدرة على اختراع العالم، وهو اعتراف لا شك فيه بأن الخيال، حين يبلغ ذروته، لا يقل شأنا عن واقعية سينما المؤلف التي ارتبطت بتاريخ المهرجان.

ينجح فيلم سالفادروي كفيلم افتتاح أكثر مما ينجح بوصفه عملا قادرا على البقاء طويلا في الذاكرة

ومن العتبة التي اعتلاها جاكسون يمكن قراءة بدايات هذه الدورة، إذ تشترك الأفلام الأولى التي عرضت بوضوح في سؤال خفي بالرغم من تفاوتها في مستوياتها وأنواعها، وهو: كيف يمكن السينما أن تستعيد شيئا مفتقدا مثل الخيال أو الذاكرة، أو الاهتمام، أو حتى القدرة على رؤية الآخر؟

"فينوس الكهربائية" لبيار سالفادوري

افتتح المهرجان بفيلم "فينوس الكهربائية" للفرنسي بيار سالادوري حيث نعود إلى باريس العشرينات عند رسام فقد قدرته على خلق الفن بعد موت زوجته ليجد نفسه في مواجهة امرأة شابة تدعي الوساطة الروحية. نحن هنا أمام كوميديا خفيفة تصلح لافتتاح المهرجان، فيلم لطيف مبني بمهارة ولا يطلب من المناسبة أكثر مما تستطيع احتماله.

غير أن ما يثير الانتباه فيه هو علاقته المرتبكة بزمنه. فالفيلم يستعير عشرينات القرن الماضي كديكور أكثر من كونه عالما حيا، فالعربات القديمة، والأزياء، وأجواء الكرنفال والخداع الشعبي، كلها حاضرة، لكنها لا تتحول إلى منطق داخلي يحكم الشخصيات أو اللغة أو الحساسية العامة. والحوارات في لحظات كثيرة تبدو قادمة من عالم اليوم.

لقطة من "فينوس الكهربائية"

 مع ذلك لا يخلو الفيلم من فتنة ما، فسالفادوري يعرف كيف يحافظ على خفة المشهد، وكيف يجعل الكوميديا تمر بتوازن وانسيابية وبشيء من المرح السريع، كما أن الفيلم يبدو مدركا حدود قدراته، فلا يحاول تجاوزها أو ادعاء عمق أكبر مما يحتمل، وربما لهذا تحديدا ينجح كفيلم افتتاح أكثر مما ينجح بوصفه عملا قادرا على البقاء طويلا في الذاكرة.

"ملاحظات ناغي" لكوجي فوكادا

أما افتتاح المنافسة الرئيسة فجاء مع "ملاحظات ناغي" لكوجي فوكادا، المخرج الذي رسخ خلال السنوات الماضية اسمه كأحد أكثر السينمائيين اليابانيين قدرة على تفكيك البنية العائلية الحديثة بأقل قدر ممكن من الانفعال الظاهر، منذ "هارمونيوم"، مرورا بـ"فتاة مفقودة"، وصولا إلى "حياة الحب".

يروي الفيلم حكاية يوري، المهندسة القادمة من طوكيو إلى بلدة ناغي بدعوة من يوريكو، شقيقة زوجها السابق، لتجلس أمامها نموذجا لنحت تمثال عنها، بينما يتسلل الفيلم تدريجيا نحو إعادة تعريف العلاقة بين المرأتين، وما تبقى من أثر رجل غائب يظل حضوره ضاغطا على الجميع رغم اختفائه.

لقطة من "ملاحظات ناغي"

نشعر في بداية الفيلم بإيقاع مألوف في سينما فوكادا، قوامه ذلك الهدوء البصري، والشخصيات التي تتقدم عبر التفاصيل الصغيرة، وميله المستمر إلى ترك المساحات الفارغة كي يملأها المشاهد بنفسه. غير أن المشكلة الأساس هنا تكمن في أن البطء الذي يراهن عليه فوكادا كثيرا لا يخلق تراكما فعليا بقدر ما يبدأ بالدوران حول نفسه، مستمرا في إعادة تدوير النوع ذاته من الانفعالات الدقيقة إلى أن يشعر المرء بأن السرد عالق داخل حلقة مغلقة، يطيل التأمل في الفكرة ذاتها من دون أن يدفعها نحو اكتشاف جديد، حتى يصل الفيلم أخيرا إلى اللحظة التي يدرك فيها المشاهد أن كل هذا الامتداد الزمني قاد إلى نقطة كان يمكن بلوغها بقدر أكبر من الحدة الشعورية.

يظل فوكادا مأخوذا برقته غارقا في لطفه وتأمله الحذر، حتى تخفت حدة التوتر الكامنة في شخصياته، وتفقد هذه الرومانسية الأخلاقية جزءا من أثرها

مع ذلك تبقى رؤية فوكادا أخيرا داخل المسابقة الرسمية من إيجابيات المهرجان، وهو استحقاق لا جدال فيه لمخرج صنع خلال العقد الأخير عددا من أكثر الأفلام اليابانية حساسية. إلا أن "ملاحظات ناغي" لم يكن العمل الذي من المفترض أن يدخل به هذه اللحظة، فهو يفتقد ذلك التوتر الخفي الذي جعل "هارمونيوم" مثلا فيلما يتسع تدريجيا نحو العنف الأخلاقي الكامن داخله، بينما يظل هنا مأخوذا برقته إلى حد الإفراط، غارقا في لطفه وتأمله الحذر، حتى تخفت حدة التوتر الكامنة في شخصياته، وتفقد هذه الرومانسية الأخلاقية جزءا من أثرها الأول.

"فاذرلاند" لبافل بافليكوفيسكي

ومن اليابان إلى أوروبا ما بعد الحرب، يعود بافل بافليكوفيسكي في "فاذرلاند" إلى عالمه المفضل، القارة البيضاء الخارجة من الخراب وهي تعيد تعريف ذاكرتها الأخلاقية. هذه المرة عبر الأديب توماس مان وابنته إيريكا في ألمانيا عام 1949، أثناء عودتهما الأولى إلى الوطن بعد سنوات المنفى الأميركي. كعادته، يصور بافليكوفيسكي بالأبيض والأسود، ذلك النسيج البصري الذي صار أقرب إلى توقيعه الخاص كما في "أيدا" و"حرب باردة"، حيث يتراءى التاريخ داخل الصورة كمادة فقدت حرارتها البشرية، إلى حد يصبح فيه الزمن في أفلامه أقرب إلى أطلال روحية تسكنها الأشباح منه إلى ماض انقضى وانتهى أثره.

من "فاذر لاند"

يفتتح الفيلم بمشهد طويل لكلاوس مان داخل غرفة فندق في "كان"، وهو في حالة من الانكسار بينما يجري مكالمة مع شقيقته إيريكا، قبل أن ينتقل الفيلم إلى ألمانيا، حيث يصبح توماس مان الأب محاصرا بين صورتين، صورة المثقف الذي غادر بلده في زمن النازية، وصورة الرجل الذي لم يعد وطنه يعرف كيف يستقبله. ثمة بالفعل شيء آسر في هذا العالم، خصوصا في الطريقة التي يجعل بها بافليكوفيسكي شخصياته تتحرك داخل الردهات والعمارة الفخمة كأشباح خرجت من الأرشيف.

أما المفارقة الأبرز فتتمثل في حضور ساندرا هولر، التي ترسخ بهذا الأداء الرائع امتدادا للإرث الذي صنعته في "توني إيردمان"، حيث تحولت علاقتها بالأب إلى واحدة من أكثر العلاقات تعقيدا ومرارة في سينما العقد الماضي، لتعود مجددا في "فاذرلاند" إلى صورة الابنة، بأداء يقوم بالكامل على التوتر الصامت بين ابنة تعرف أباها رجلا عاديا، فيما يراه العالم - وكما استقبلته ألمانيا الشرقية في الفيلم - اسما يحمل مجد مستقبل ألمانيا بأسرها.

يترك بافليكوفيسكي إحساسا بفيلم الصورة الواحدة حيث القبض على جزء ما عوضا عن التراكم أو الإنصات العميق لدواخل شخصياته

وعلى الرغم من جماليات فيلم بافليكوفيسكي المحكمة، فإنه لا يبلغ ذروة الاكتمال العاطفي، وربما يعود ذلك إلى قصر مدة الفيلم، وربما إلى نهج بافليكوفيسكي نفسه في القبض على لحظة محددة أكثر من اهتمامه ببناء التراكم النفسي. فالفيلم يبدو ميالا إلى وعيه التاريخي أكثر من إنصاته لارتباك شخصياته الداخلي. وبرغم ما يحمله من أناقة وصرامة بصرية، فإنه يترك إحساسا بفيلم الصورة الواحدة، القائمة على القبض المحدد على جزء ما عوضا عن التراكم أو الإنصات العميق لدواخل شخصياته.

"حكايات متوازية" لأصغر فرهادي

يدخل فرهادي فيلمه "حكايات متوازية" من بوابة تنتمي إلى تقليد سينمائي كامل عن التلصص والمراقبة. كاتبة تؤدي دورها إيزابيل أوبير تراقب امرأة أخرى، تجسدها فيرجيني إيفيرا، عبر نافذة مقابلة، وتحولها تدريجيا إلى مادة لروايتها الجديدة، بينما تبدأ الحدود بين الواقع والمتخيل بالتداخل. يستدعي فرهادي هنا إرثا طويلا يمتد من "النافذة الخلفية" لهيتشكوك، إلى "فيلم قصير عن الحب" لكيشلوفسكي الذي يقتبس منه بشكل مباشر، كتحية لذلك التقليد الذي يتحول فعل النظر فيه إلى تورط أخلاقي.

لقطة من "حكايات متوازية"

ينطلق الفيلم واعدا لا سيما أن فرهادي يمتلك قدرة معروفة على تحويل التفاصيل الصغيرة إلى أزمات أخلاقية متشابكة، غير أن "حكايات متوازية" يبدأ سريعا في التورط داخل تعقيداته الخاصة، فكل مسار جديد يضيفه الفيلم يسحب جزءا من حضوره الإنساني إلى أن تصبح الشخصيات نفسها مجرد أدوات لتحريك الحبكة، ليقع العمل في واحدة من أكثر مشكلات سينما فرهادي تكرارا وهي حاجته المستمرة إلى دفع الشخصيات نحو تصرفات مصممة بعناية لخدمة الالتواء السردي، حتى وإن فقدت هذه التصرفات صدقيتها النفسية.

كما يتحول هذا التراكم تدريجيا إلى عبء ثقيل يكاد يدفع العمل إلى حافة الهزل. فما منح فيلم كيشلوفسكي قوة أثره ومرارته، هو التركيز الحاد على شخصين فقط، أو على انشقاق علاقة واحدة تتكشف ببطء أمام أعيننا، بينما يتشظى "حكايات متوازية"، داخل عدد لا ينتهي من المسارات والتشابكات التي تستهلك نفسها بنفسها، حيث يريد فرهادي أن يرسخ فكرة الواقع الذي ينتج الخيال، ثم الخيال الذي يرجع ليعيد تشكيل الواقع، غير أن الفيلم يفقد مركزه، فلا تستقر هذه الفكرة لا داخل السرد ولا حتى في الشكل نفسه.

"فجأة" لرايوسكي هاماغوتشي

يعيد فيلم "فجأة" لريوسوكي هاماغوتشي الى السينما شيئا من إيمانها القديم بالإنسان ككائن يعيش داخل الزمن ويتغير عبر الكلام والإصغاء. فمنذ تحفته "ساعة سعيدة" وصولا إلى "قودي سيارتي"، ظل هاماغوتشي من القلائل الذين فهموا أن الحوار في السينما يمكن أن يتحول إلى فعل وجودي كامل، وأن الفيلم قد يصبح مساحة ينكشف فيها الإنسان أمام نفسه قبل الآخرين، مبنيا من الترددات الصغيرة داخل الكلام، ومن لحظات الصمت التي تأتي بعد الاعترافات، ومن تلك المسافة الدقيقة بين ما تقوله الشخصيات وما تعجز عن قوله.

يتشظى فيلم فرهادي "حكايات متوازية"، داخل عدد لا ينتهي من المسارات والتشابكات التي تستهلك نفسها بنفسها

يتابع هاماغوتشي هنا ماري-لو، المديرة في مركز للرعاية يعتمد تقنية "التحضر الإنسان" أو Humanitude، وهي فلسفة تقوم على رفض اختزال المريض إلى جسد يدار سريريا أو حالة ينتظر انتهاءها، لكن النظر إليه كإنسان كامل الوعي والشعور. غير أن الفيلم، وكعادة سينما هاماغوتشي، يتشعب بهدوء نحو أسئلة أوسع، ماذا يتبقى من الإنسان داخل عالم صارت قيمته تقاس بقدر إنتاجه وقدرته على الاستمرار في الدوران داخل آلة الحياة الحديثة؟ ومن خلال الصداقة التي تنشأ بين ماري-لو والكاتبة اليابانية ماري، المصابة بمرض عضال، يبني هاماغوتشي واحدا من أكثر أفلامه انشغالا بفكرة الوقت الذي يصير فيه الكلام محاولة لتوسيع الحياة، ولو لبضع لحظات إضافية.

لقطة من"فجأة"

يعرف هاماغوتشي، أكثر من كثير من أبناء جيله، أن الإصغاء فعل درامي صاخب بحد ذاته. فكل حوار عنده يحمل داخله احتمال التغيير، وتصبح اللغة فيه مساحة اختبار مستمر للعلاقة مع الذات والآخر. ولهذا يحمل الجزء الأوسط من الفيلم، حين تمضي المرأتان ليلة كاملة في الحديث عن الحياة، واحدة من أكثر لحظات المهرجان نقاء حتى الآن. لا شيء صاخب يحدث، ومع ذلك نشعر أن الفيلم بأكمله يتشكل داخل تلك الليلة، عند الخطوات البطيئة والانتقالات العفوية بين المواضيع والطريقة التي يترك بها هاماغوتشي الزمن يمتد دون خوف من الفراغ، إلى أن تصبح الأحاديث جزءا عضويا من النسيج الداخلي للفيلم، مدركا أن الأزمة الأساس لشخصياته لا تنفصل عن العالم الذي تعيش فيه وهو عالم يختزل الإنسان في وظيفته ويقيس الزمن بمنطق المنفعة حتى تصبح الرعاية نفسها شكلا من أشكال التمرد الهادئ على إيقاع الحياة الحديثة.

السينما عند هاماغوتشي هي فعل إصغاء طويل الى العالم ومحاولة بطيئة وعنيدة لأن يمنح الإنسان الآخر وقتا كافيا ليصبح مرئيا

ومن هذه النقطة تحديدا يكتسب فيلم هاماغوتشي قوته الحقيقية، حيث تتحول الرعاية إلى فعل مقاومة ضد عالم يسحب من البشر قدرتهم على التأمل والإصغاء. حتى في اللحظات التي يقترب فيها الفيلم من صورة الكمال، يبقى محمولا على صدق يمنعه من التحول إلى شكل من أشكال الابتزاز الوجداني. إذ يبدو هاماغوتشي هنا مؤمنا، بقدر نادر من الصفاء، بأن العلاقة الإنسانية نفسها قادرة على خلق معنى للحياة حتى في أكثر لحظاتها اقترابا من النهاية، ولربما يكون "فجأة" فيلما يحوم بشكل رئيس حول كيفية العيش داخل معرفة النهاية، شخصيات تبحث عن لحظات صغيرة يمكن الحياة أن تستعيد فيها شيئا من معناها المهدد باستمرار، ولهذا فإن السينما عند هاماغوتشي مرة أخرى، هي فعل إصغاء طويل للعالم ومحاولة بطيئة وعنيدة لأن يمنح الإنسان الآخر وقتا كافيا ليصبح مرئيا.

font change