كيف عالجت السينما اللبنانية قضية مفقودي الحرب الأهلية؟

أفلام روائية ووثائقية طرحت الأسئلة المقلقة

GettyImages
GettyImages
فدوى محمود ووداد حلواني مع عائلات من العراق واليمن خلال وقفة لـ"العفو الدولية" في يوم ضحايا الاختفاء القسري

كيف عالجت السينما اللبنانية قضية مفقودي الحرب الأهلية؟

لا يصل عدد الأفلام التي قدمتها السينما اللبنانية على امتداد نصف قرن، وتتعرض بشكل مباشر لقضية مفقودات ومفقودي الحرب الأهلية اللبنانية (1975-1990)، إلى العدد الكامل لأصابع اليدين.

في المقابل، فإن خيمة انتظار طويل، يتكسر فيها حزن متجمد ببطء كما في الأقاصي الأكثر برودة للنفس البشرية، نصبتها أمهات ملتاعات وسط حديقة في قلب بيروت، حملت اسم الشاعر والفيلسوف الذي دافع عن المحبة جبران خليل جبران، صدرت، على مدى سنين طوال، دفقا هائلا من أقسى صور الألم التي تخلفها الحروب الكارثية: قتل الأمهات ببطء عبر حجب معلومات تفيدهن لمعرفة مصير أبنائهن وبناتهن وأقاربهن من المغيبين قسرا، ومحاصرتهن من قبل السلطات (وهي ذاتها للمفارقة التي كانت ضالعة في عمليات القتل والتهجير والخطف طوال الحرب) بالإهمال والتضييق والوصم، تارة، أو تارة أخرى، بهندسة لجان وسياقات وأطر متابعة هشة واستعراضية ومفرغة، تفتقر إلى آليات تنفيذية ونيا تجدية، ليس هدفها إلا المماطلة أو الرهان على "ملل" الأمهات واستسلامهن.

ولكن كيف تضمر أرحام الذاكرة في طور التلاشي، طالما أجراس أجنتها تدوي كصرخات هائمة تنتظر الخلاص؟

سيطر هذا السؤال المترنح بين ضفاف الذاكرة والكرامة والمصالحة من جهة، وبين ضرورة المضي قدما، بحمل الإنكار وأسى تشرذم الهوية الذاتية والجماعية وخطيئة النسيان وبدعة "عفا الله عما مضى"، من جهة أخرى، على عقول مخرجين ومخرجات من أمثال بهيج حجيج وجوانا حاجي توما وخليل جريج وإليان الراهب وداليا خميسي ولينا أبيض، كما على عقول ممثلين من أمثال جوليا قصار وحسان مراد وآخرين، ممن خصصوا حيزا من أعمارهم وطاقاتهم الإبداعية، في السينما الروائية والوثائقية، على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، لنقل مأساة 17000 مفقودة ومفقود، على أيدي ميليشيات مسيحية يمينية وأخرى فلسطينية و"وطنية"، وجهات سورية أسدية، وإسرائيلية، إلى صالات السينما والمعارض الفنية.

استلهم هؤلاء، والذين تحدثت إليهم "المجلة" لمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، شجاعة البوح والتحدي والمواجهة من نضالات أمهات أسسن، في خضم الحرب، إطارا تشاركيا للتحذير من استمرار سياسة الخطف والمطالبة باستعادة المفقودين، ثم بعد ذلك قمن بنصب مظلة، لتصبح بمرور الوقت "خيمة جبران"، مرآة لضمير الوطن المريض حد الاختفاء.

طحين أحمر

في 24 سبتمبر/ أيلول 1982، اقتحم مسلحون منزل عدنان حلواني وزوجته وداد، واقتاداه إلى المجهول. لكن وداد حلواني، التي نادت على زوجها الشاب كثيرا آنذاك، عبر موجات الإذاعات المتشظية في بحر القنابل والرصاص، قررت أن تغادر لحظة الشلل، الذي تخلفه المفاجأة الفاجعة، إلى لحظة الفعل. كانت موقنة، بحدس المرأة الأم، أن رجلها، الوديع الذي "كان نشاطه الأساسي تأمين الطحين للأفران وفتح أبواب الثانوية لتعليم الطلاب، لمنع استغلالهم في الحرب"، وإن لم يعد، إلا أن الطبيعة هيأتها لدور أكبر يتجاوز الاهتمام بحكايتها الشخصية إلى المساهمة بنقل مأساة آلاف الأمهات غيرها. أسست في العام ذاته "لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان" التي كان لها الدور الرئيس في الضغط لإقرار قانون (2018) ثم هيئة رسمية (2020). وهذه الأخيرة "لم تعط أدنى مقومات الفعل التي نص عليها القانون"، بحسب حلواني، التي شعبت قوة القضية وزخمتها بتأسيس أطر حقوقية أخرى من بينها: الشبكة الدولية للضحايا والناجين من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، الجمعية اللبنانية لمراقبة ديمقراطية الانتخابات، الفيديرالية الأورومتوسطية لعائلات المفقودين والمخفيين قسريا، والشبكة الدولية لعائلات المفقودين. لم توفر حلواني وسيلة من أجل مواجهة ذلك الصمت المتعمد الجاثم كصخرة على صدور الأمهات، فاستحقت لقب "النملة التي حفرت في الصخر لعقود"، كما يشير عمل مسرحي حديث عرض أخيرا في بيروت مستوحى من سيرتها النضالية.

استحقت وداد حلواني لقب "النملة التي حفرت في الصخر لعقود"، كما يشير عمل مسرحي حديث عرض أخيرا في بيروت مستوحى من سيرتها النضالية

السرديات السينمائية في أفلام روائية مثل "يوم آخر" (2005)، "شتي يا دني" (2011)، "وينن" (2013)، "مفقود"(2020)، "10476" (2021)، تخبز أرغفة من الحكايات للجائعين إلى العدالة، من دون أن تبدو قادرة على الاشباع التام. فحتى يومنا هذا، وبحسب إحصائية حديثة، لا يزال الوعي الشامل بهذه القضية الشائكة، غير مكتمل ولم يصنع محفزا هادرا (كما مع الكثير من جرائم العنف والاقتصاد التي يتعرض لها شعب البلاد) لمواجهة حقيقية مع قادة الاحزاب الحاليين في لبنان (ميليشيات الحرب السابقين) تضعهم في مساءلة جادة غير مشروطة عن مصير المغيبين. ويصبح أثر "طحين" عدنان حلواني، والآلاف من رفاقه، على أكف المسؤولين، وقد استحال لونه من الأبيض إلى الأحمر، دلالة على أثر جريمة لم يجف أو يتقادم بمرور الزمن، وتبقى قبور الأحبة معلقة تنتظر معلومات تحفر على الشاهد، كما تظل حياة الأمهات والأهالي منقوصة ومجتزأة في سيرة الأيام، كجملة عصية على الاكتمال.

تاريخ من القمع والإهمال

بعد 36 عاما من المجابهة مع السلطة، تمكن المثابرون على الحضور إلى الخيمة، ومعظمهم من النساء، بغالبية صفة الأمهات، من انتزاع قانون من البرلمان كرس حق الأسر في معرفة مصير المفقودين، من دون التشعب إلى إحالات أخرى مثل المسؤوليات الجنائية والمحاسبة. وعلى إثره، تشكلت هيئة وطنية مهمتها الوحيدة تقصي أثر المفقودين وتحديد مصيرهم. ومع استحقاق ذلك المنجز، لم تتوقف سياسة التواطؤ التي انتهجتها السلطات المتعاقبة، منذ قانون العفو الصادر بعد انتهاء الحرب، الذي أنصف المجرمين ولم ينصف الضحايا، والتي تجسدت من خلال الإهمال والتهميش، لتستمر عبر القمع ومحاولات إغلاق الملف، من خلال لجان فاشلة.

واجهت الأمهات وقاحة التمييز تلك، والإهمال المتعمد والممنهج بالصبر والنضال السلمي. ودفعن، بعد حفلة "لغو الدماء" التي نالت من عوائلهن خلال الحرب وفي معتقلات التعذيب المجهولة، إلى حفلة طويلة ومستمرة، تطلق عليها سمر كنفاني، الأنثروبولوجية اللبنانية، "لغو القانون". تشرح في بحثها "تأملات في تنقيب المحو" (2020): "منذ ذلك الحين، دفن، وبشكل رسمي، مصير كل من اختطف واعتقل وغيب قسرا، بينما أصبح الوضع القانوني والشخصي لأقاربهم الذين يعتمدون عليهم، وخصوصا الآباء الذين ترْأس أسماؤهم السجل العائلي اللبناني بموجب قانون الأحوال الشخصية، معلقا في حالة انتقالية دائمة. جراء ذلك، تصبح كل الإجراءات البيروقراطية، من الأكثر بساطة (تسجيل خط هاتف جديد) إلى الأكثر أهمية (الميراث) مستحيلة. بالتالي، يمكن القول إن هذه واحدة من أسوأ تبعات الحرب الأهلية وأكثرها إجحافا، إذ أسرت عائلات المفقودين في لغو قانوني متواصل وفي انتظار أبدي".

يوم آخر: بحثا عن الأوكسيجين

في الوقت الذي تجنبت فيه الأفلام السينمائية المذكورة سابقا اللغة المباشرة في اتهام الأحزاب اللبنانية بالمسؤولية عن "لغو الدم" (باستثناء وثائقي "ليال بلا نوم")، شكل فيلم "يوم آخر" (روائي، 88 دقيقة) من إخراج ثنائي مرتبط في الحياة والفن، هما جوانا حاجي توما وخليل جريج، تجربة سينمائية مبكرة ومبتكرة لتصوير مأزق "لغو القانون"، عبر تسليط الضوء على يوم واحد في حياة أم وزوجة مفقود مع ابنها يواجهان مأزق "الافتقار الى أوكسيجين" ضروري لمتابعة العيش.

AFP
المخرجان اللبنانيان جوانا حاجي توما وخليل جريج

في العام الذي عرض فيه الفيلم (2005) بدت بيروت مثل أمهات المخطوفين، في الواقع وعلى الشاشة. تتأرجح بين الأمل والإحباط. واجه رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري بحزم ضغوطا سورية في مواجهة مشروعه "الإنمائي"، المتشعب العلاقات إقليميا ودوليا، الذي تبدت بعض ظواهره (وإن كان الحكم عليها اليوم جدليا) بدءا من بداية الالفية، فدفع حياته ثمنا لذلك. فجر موته "ثورة الأرز" التي أخرجت الجيش السوري من لبنان. تنفست بعض الأمهات الصعداء، تحديدا اولئك اللواتي كن يطاردن أشباح الأبناء، عند أفق يقع في اتجاه شمال شرق العاصمة السورية، وتحديدا تدمر، ذات السجن السيء السمعة. في تلك الصحراء، ربما حلمن، على طريقة أمهات الفيلم التشيلياني، "الحنين الى الضوء" (باتريشيو غوزمان، 2010)، بأن ترشدهن طاقة الكواكب إلى رفات أبنائهن، لكنهن لن يحصلن على هدايا الأوكسيجين، بل ستستمر الاختفاءات للبنانيين من قبل النظام البائد حتى ذلك العام، وتليها سلسلة من الاغتيالات السياسية. كان ذلك وضع جديد مأزوم للبنان "المخطوف" دوما. وهي الحالة التي تجذب بشكل خاص اهتمام جريج.

دفن رسميا مصير كل من اختطف واعتقل وغيب قسرا، بينما أصبح الوضع القانوني والشخصي لأقاربهم معلقا في حالة انتقالية دائمة

"في أفلامنا نتعرض إلى وضع مستمر ومأزوم، كأننا نبحث عن صورة التقطت للبلد لكن لم تظهر بعد. نتحدث عن مفقودين، ونطارد أشباحا، وننكش ألغاما تحت التراب. نبحث بشكل خاص عن حالة الكمون تلك لأشياء كثيرة مجمدة وفي حالة انتظار لأن عوامل لم تتح لها الخروج بعد"، كما يشرح لـ"المجلة".

تضيف حاجي توما: "في أفلامنا، نهتم بعدم تحقق القصة، بمقدار القصة ذاتها"، وتشير إلى أن ذلك الانتظار لا يتضمن أي "نوستالجيا سامة" إلى الماضي، باعتباره "أفضل وأجمل"، بل يطرح واقعا، تسعى شخصيات عالقة فيه، إلى المضي قدما، بأقل خسائر ممكنة: "نقارب في طريقة اشتغالنا مع الممثلين وعناصر الفيلم الطريقة ذاتها، إذ أننا نورطهم، رويدا رويدا، في فخ العمل، ليصبحوا عالقين تماما، ويعبروا، بصدق، عما في دواخلهم".

تلك "الورطة" تشمل عدم حصول الممثلين على "سكريبت" قبل التصوير، والدمج بين مؤدين محترفين وآخرين لم يسبق لهم التمثيل، إضافة إلى اللجوء إلى سرديات التاريخ "بوصفها مجهرا يتيح دراسة التحولات واختراق الطبقات نحو فرص وإمكانات جديدة في المستقبل"، يضيفان خلال الحديث.

أوحى "يوم آخر"، الذي تحمل مشاهدته اليوم متعة خاصة لمحبي وثائق المدن، إذ دمج بين الروائي ولغة الوثائقي في تصوير المدينة وأحوالها بدقة، بدعوة ملتبسة لأهالي المفقودين بضرورة عدم الغرق كليا في ظلمات الماضي الأليم وألا ينسوا قيمة العيش في طور بحثهم عن سير الفقدان، فيما عبرت شخصية الأم في الفيلم، والتي قامت بدورها، باقتدار معتاد، كوفئت عنه بجوائز في مهرجانات دولية، الممثلة جوليا قصار، في احد المشاهد عن خوفها من قبول وفاة المفقود: "بخاف وقف انتظار. بركي هو رجع وما لاقى حدا ناطرو".

AFP
الممثلة اللبنانية جوليا قصار على السجادة الحمراء في مهرجان البحر الأحمر السينمائي

كانت قصار في نهاية عشرينياتها عندما سكنت آلة الحرب الشرسة، فسارعت حينها الى "مسرح بيروت" المعاد افتتاحه وسط أكوام الدمار لتقطف "زهرة الخريف" مع المخرج المسرحي ريمون جبارة.

 "كان زمنا مليئا بالشغف الفني والأمل بإمكانية بناء البلد وحل الأزمات العالقة"، تسترجع الذكريات في حوار مع "المجلة".

في عيد ميلادها الثلاثين، حصلت قصار على "هدية" ثمينة: دور رئيسي في أول عمل فني لبناني يتعرض لقضية أمهات المفقودين، من خلال مسرحية "ذكريات أيوب" 1993 (روجيه عساف، عن نص للفلسطيني إلياس خوري)، حيث قامت بلعب دور شخصية "حارسة الخيمة" المدهوسة غدرا أوديت سالم قبل سنين من موتها التراجيدي: "جاءت إلى المسرح وشاهدتني، وفوجئت بأنها شخصية هادئة جدا، لم تفقد ابتسامتها الصافية رغم كل العذابات، فعلمتني درسا لا ينسى بأن أداء المشاعر الأليمة لا يقتضي انفعالا ميلودراميا متفجعا طوال الوقت".

تلك السمة هي التي ميزت أداء قصار لشخصية الأم في فيلم "يوم آخر". تقول: "استخدمت الوسيلة الاكثر بدائية للتواصل: التعبير عبر الوجه والجسد، ومحاولة إيصال ما هو خلف الكلمة والانفعال. وبتوجيهات المخرجين عن طريقة تفاعل الشخصية التي تتميز بأنها متماسكة، فيما يموج عالم من المشاعر المعقدة في داخلها، استطعت أن أوصل للجمهور حزمة مشاعر متضاربة ومعقدة وصاخبة، تحوي الانتظار والخوف والذنب والرغبة بمصالحة الغائب والمضي في الحياة، في الوقت ذاته. عبرت غالبا بلغة الصمت".

تضيف قصار: "حين شاهدت الفيلم مؤخرا في الصالة بعد مرور كل تلك السنين، حزنت لما آلت اليه بيروت، وفي الوقت ذاته شعرت بفخر بأن قضية المفقودين لا تزال مطروحة إلى اليوم في السينما والأعمال الفنية عبر أجيال جديدة تسملت شعلة الإضاءة عليها. فهؤلاء الأمهات هن وجه لبنان الحقيقي، يجسدن السلام والمطالبة بالعدالة. يرغبن بالراحة للأحياء والأموات".

مطر يغسل ولا يمحو

لا تمر 6 أعوام على تلك التجربة حتى تحضر قصار مرة جديدة إلى بلاتوه التصوير لكي تمثل شخصية زوجة مفقود وأم، وإن هذه المرة من مقاربة مختلفة تماما، في "شتي يا دني"  (روائي، 100 دقيقة) لبهيج حجيج.

في أفلامنا نتعرض إلى وضع مستمر ومأزوم، كأننا نبحث عن صورة التقطت للبلد لكن لم تظهر بعد. نتحدث عن مفقودين، ونطارد أشباحا، وننكش ألغاما تحت التراب

خليل جريج

غالبا ما يوصف حجيج بأنه المخرج الذي جسد تحولات بيروت بمختلف أطوارها في أفلام تنوعت بين الوثائقي والتخيلي: "لا يمكن أن نمحو الذاكرة بممحاة. السينما وسيلة ضد النسيان"، يقول. ويجسد ذلك بشكل ثري في أفلام مثل "بيروت حوار الأطلال" (1993) و"زنار النار" (2004) و"غود مورنينغ" (2018)، لفت مهرجانات العالم من بروكسيل إلى الرباط، ومن وهران إلى مالمو، متوجة بالجوائز، كما في حالة "شتي يا دني"، الذي عد بمثابة عودة ناضجة للمخرج، لموضوع سبق وتناوله، في وثائقي مبكر هو "المخطوفون"(1989). يحاول الفيلم الروائي، هذه المرة، تخيل الإجابة عن السؤال المعلق بطرح سؤال آخر: وماذا لو عاد؟ كيف يكون؟ ما الذي سيحصل؟

IMDB
Here Comes the Rain: فيلم عن المفقودين في الحرب اللبنانية

هكذا تغدو عودة مخطوف (قام بدوره الممثل حسان مراد) بعد 20 سنة إلى أسرته، محملا أعباء نفسية وعاطفية، كصدمة مزدوجة يتم تفجيرها في البيت: صدمة الغياب وصدمة العودة.

"هو فيلم مختلف عن الذاكرة والغياب والعودة المستحيلة"، تقول قصار معربة عن سعادتها بتمثيلها في فيلمين لحجيج "استندا إلى نصوص الروائي الذي أعشق كتاباته رشيد الضعيف"، فيما يدلل مراد، في حوار سابق مع كاتب هذه المقالة، على حجم المجهود النفسي والبدني الذي بذله للعب شخصية العائد: "نوبات الرهاب الشديد كان تجسيدها الأكثر إرهاقا بالنسبة إلي، مثل ذلك المشهد الذي يركض فيه رامز خائفا في الشارع، ثم يلتجئ الى مدخل مبنى، ويصادف وجود زوجة أخرى لمخطوف آخر، تسكن في الشقة. هذا الهروب يخلق سؤلا لدى المشاهد، فرامز يبدو أنه يعرف وجهته، مع أننا لا نشاهد ذلك في الفيلم من قبل، وكأن لا وعيه، أو وعيه، يقوده إلى تلك المرأة. هذه لعبة مؤثرة، وقد استلزم المشهد مني مجهودا نفسيا كبيرا".

يعاني العائد من "اضطراب ما بعد الصدمة" الذي يصيب ضحايا الاختفاء القسري والتعذيب ويتجلى في نوبات من الصمت والانفصال عن الواقع وصعوبة التكيف مع الحياة اليومية، كما يعبر عن "انكسار الهوية"، اذ تتجمد هويته الشخصية عند لحظة الاعتقال، فيشعر بعد العودة بالاغتراب عن ذاته، حتى وهو في بيته. هو إذن بمثابة "زومبي نفسي"، وجوده نصف حي، جسده حاضر وروحه معلقة في مكان آخر. فيما تترنح الزوجة، في المقابل، بين "الحزن الغامض" الذي تولد عن منطقة رمادية بين لا يقين بالموت ولا يقين بالحياة علقت فيها لسنوات، وبين "عقدة الذنب" لشعورها بأنها عاشت حياة كاملة من دونه، تخللتها رعاية أطفال، أي استمرار تدفق الطاقة. إضافة إلى مشاعر الخذلان بعد العودة، إذ هي التي لطالما انتظرت عودة "البطل- الحبيب" ليمنحها الأمان العاطفي، فوجئت برجل محطم: "هنا تتحقق صدمة الأمل، عندما يتحقق حلم العودة، لكنه لا يشفي الجرح الغائر".

ولد الفيلم، لدى عرضه، مشاعر مربكة لدى فئة من جمهور المشاهدين، ومن بينهم الأمهات، إذ أنه، بخلاف المشتهى من سينما تصنع الأمل، لم يقدم "نهاية مريحة"، وواجهن صورتهن في مرآة خطت فوقها عبارة "الماضي قد لا يدفن بسهولة"، مع سؤال مؤرق: "هل الأفضل أن يعود الغائب محطما، أم يبقى الغياب غامضا، ونضرا ذا رهبة قدسية يستمدها من ذلك الغموض؟". وظهر المطر في عنوان الفيلم وفي جوهر فكرته، اذ هو، رغم كونه رمزا للتطهير والتجديد، "يغسل هنا ولا يمحو".

GettyImages
المخرجة إليان الراهب

"ليال بلا نوم"

تتدفق الأسئلة في وثائقي "ليال بلا نوم" (إليان الراهب، 2012) حادة، مجردة، عارية، فجة. بلا تزيين ولا حشو. تعكس روح لبنان المتأرجح بين الحلم والوهم، الرقة والقسوة، الارتقاء والبدائية، الألسن والهويات المتنافرة بحقد، مهما ادعت خلاف ذلك، طالما أحد أهم مكوناتها هو الخوف من الآخر والشعور بالتهديد.

استطعت أن أوصل الى الجمهور حزمة مشاعر متضاربة ومعقدة وصاخبة، تحوي الانتظار والخوف والذنب والرغبة بمصالحة الغائب والمضي في الحياة... عبرت غالبا بلغة الصمت

جوليا قصار

تلقيها مخرجة الفيلم على واحدة من شخصيتين رئيسيتن فيه، أسعد شفتري، الحزبي السابق "الناشط في عمليات القتل"، والمدني الحالي، "الناشط في التحدث عن مآسي الحروب". تضع "بوكر فيس" على وجهها، وتعي تماما خطر الانزلاق إلى فخاخ التلاعب من قبل شخصيات فيلمها وترد في المقابل بحسم وقوة: "قوم انزل من السيارة"، تطلب بحزم من شفتري مغادرة سيارتها وإيقاف التصوير، في منطق انعكاسي لما قد يحصل في الغالب بين "ضيف" و"محاورة".

فوق طاولة السينما الوثائقية، التي تناولت قضية المغيبين قسرا، بفعل الحرب الأهلية اللبنانية، ترمي الراهب بواحدة من أقوى الأوراق. تصنع فيلما سيؤثر بعد ذلك على شكل تعاطي الأفلام مع هذا الملف لاحقا. إذ نحن، هذه المرة، إزاء مواجهة على الشاشة لأول مرة بين ميليشوي سابق، مسؤول ومرتكب بشكل مباشر لعمليات قتل وخطف وتعذيب، وبين أم مراهق (ومقاتل) فقد في عمر 15 سنة اثناء اشتراكه في احدى المعارك. جولة وثائقية محكمة، لا ينقصها الثراء الفني ولا التعقيد الفكري والمشاعري، حملت اسم "مريمXأسعد"، أرقت المشتركين في العمل والجمهور الذي شاهد حكايتهما وجمهور أمهات المفقودين وعموم مشاهدي الفيلم ومنحتهم، ربما، "ليالي بلا نوم" (وثائقي، 128 دقيقة).

فيلم "ليال بلا نوم"

أسئلة حادة

فككت الراهب في فيلمها أربع سرديات سياسية ومجتمعية، تحولت إلى ثقافة شائعة حول واحد من أكثر ملفات مخلفات الحرب الأهلية حساسية، أي المفقودين. أولا: ليس هناك استعصاء قدري ونهائي في الحصول على المعلومات التي يراد طمسها، كما بينت في الفيلم الذي جسدت فيه مريم سعيدي رمزا لكل الأمهات، وتوصلت معها في النهاية إلى معرفة شبه مؤكدة عن مصير ابنها ومكان وجود رفاته. ثانيا: أن جذور العنف في لبنان لم تبدأ مع الحرب، في كل جولاتها وتواريخها، وإنما هي راسخة في أدوات التربية في البيت والمدرسة، والتأثر في الشارع والمحيط، ورؤية الآخر. ثالثا: أن الاستغلال الفج من قبل أحزاب سياسية لمخاوف ومشاعر معطوبة لدى تابعين، وتغذيتها وإعادة خلقها بأشكال منوعة، هدفه الأساس الاستحواذ وتكريس شكل من أشكال العبودية من أجل مصالح ضيقة وجوائز يتحصل عليها القادة. رابعا: المكاشفات الطهورية، على ندرتها، التي يجريها "مقاتلون تائبون"، في الفعاليات والفضاءات العامة، أمام الجمهور، تبقى منقوصة طالما لا تقترن بمعلومات حقيقية وتفصيلية تمنح لأهالي المفقودين عن سير العمليات الحربية التي أودت بهم إلى المعتقلات والمقابر، كما تبقى مشوشة ومشوهة طالما لم تتخلص نهائيا من القسوة التي ما هي إلا الجانب المعطل من الحب.

تقول المخرجة، لـ"المجلة": "يوم السابع من مايو/ أيار عام 2008، حين عاد شبح الحرب الأهلية ليخيم فوق البلد، وأطلت من جديد قواميس اللغة التي أودت إلى الخراب، عرفت أنه الوقت المناسب لأعمل على فيلم يبين العذابات الفظيعة والآلام التي تخلفها الحروب العبثية. أظهرت أطراف النزاع أمام الكاميرا، بشرا يتألمون ويبكون وينهارون ويتناولون المسكنات في ليال مؤرقة طويلة ويحاولون عبثا المضي قدما. لم أتعاطف مع المقاتل السابق، وشعرت أن وظيفتي هي القيام بالواجب الكامل في ملاحقته، مع الأم، للحصول على إجابات. الشخصيتان كانا يعرفان أحدهما الآخر في الواقع، وترافقا في فعاليات وبرامج مختلفة، لكن السينما تخلق واقعا جديدا وتفرض ديناميكية مغايرة في علاقات الشخصيات. لم يتصرفا في الفيلم كما تصرفا في اليوميات المعيشية. لذلك أحب صناعة الافلام الوثائقية، إذ تتيح تكثيف الواقع وجره إلى مساحات من الفعل الحاسم".

في مقابل أسئلتها السخية والحادة تجاه شخصية فيلمها، لم يكن شفتري أقل "كرما" في البوح بمعلومات لم يستمع إليها اللبنانيون سابقا في تقارير نشرات الأخبار الموجهة والذاتية عن سني الحرب الأهلية: "في اللحظة التي أنظر فيها إلى عيني المعتقل فهذا يعني أن ملاك الموت سكن فيه... قيل لنا إن الآخرين هم في درجة أدنى منكم وإن الاسم الذي يستحقونه هو: الأخوة الأدنى... قصدت خلال الحرب رجل دين منحني 500 صك غفران مسبق عن 500 ضحية أريد قتلها... كنا مقتنعين أن فرنسا منحتنا لبنان لكي يكون دولة خاصة بنا فقط، حملت سكينا وجززت عنق المعتقل، ونظرت حولي لفريقي، كان علي أن أثبت له رجولتي".

أظهرت أطراف النزاع أمام الكاميرا، بشرا يتألمون ويبكون وينهارون ويتناولون المسكنات في ليال مؤرقة طويلة ويحاولون عبثا المضي قدما

إليان الراهب

ولم تكن السياقات السينمائية التي أظهرته فيها المخرجة أقل دلالة: في البيت مع أبويه المسنين يواجه الطفل الذي في داخله أمام الكاميرا سلطة تختزن قمعا وتلاعبا ونفاقا. في غرفة رجل الدين الناشط الاجتماعي المعادي للحروب سرد لتاريخ من المراقبة وزرع أجهزة التنصت والحصار. في فضاء عام ارتداء شخصية المهرج والتمايل والسخرية المرة من الذات وإتاحة الخدين لسيل من القبلات دلالة الجوع العاطفي لطفل لم تمنحه أمه الحنان الكافي ليجنبه التحول إلى قاتل.

وبالمثل شخصية مريم، إذ تمنحها المخرجة فضاءات مكانية وروحية لتعبر عما يموج في داخلها: على كورنيش البحر تناجي بحرقة طفلها المفقود. على الكنبة تحتضن صورته كمن يستند إلى كتف حبيب وتبتسم. في معرض صور منظمة "أمم" عن مفقودي الحرب، تحوم حول أسعد كأنها شبح الضمير المهيمن قبل أن تنفجر غاضبة في وجهه: "إن لم ترغب بإخباري عن مكان مقبرة ابني لا تتحدث إلي بعد اليوم"، قبل أن تختفي وراء صورة علق إلى جانبها شعار "ولم يعودوا" ويختفي هو وراء شعار آخر: "بحر النسيان".

متمسكة بسلاح السينما، صوبت الراهب "سلاح" المعرفة الاستقصائية في وجه نهج اغتيال الذاكرة. ولعل المنجز الأبرز في هذا الفيلم، بخلاف اعترافات الميليشيوي السابق، هو إظهار أطياف مختلفة من وجوه الأم: أم المفقود، أم الجاني، وأم ابن الجاني (أي زوجته)، والذي ينظر إلى صور قديمة لوالده في زمن الحرب بانبهار "كان الرجال آنذاك لديهم هيبة ومعارف كثيرة" ويتمنى أن يكون والده "أقل اعتذارية"، بينما تتحدث الزوجة عن بيئة تربت فيها ميزتها القسوة: "لم يكن مسموحا لي أن أنادي أبي بكلمة أبي من دون حضرتك" و"عائلتي تستهجن حبي للأغاني العربية الطربية". تعيد الراهب العائلة كاملة إلى المكان الذي يجسد اللحظة الأكثر وضوحا لنتائج الحروب: انقلاب رفقاء السلاح بعضهم على بعض وظهور البعد الانتهازي لـ"القضية"، حيث نفي شفتري وأسرته خارج منطقته على أثر هزيمة مني بها من قبل فرقة منشقة. تقول: "أحسست بأنني منفية ومضطهدة ولا وطن لي... كأنني فلسطينية". تلتقط السينما واحدة من ألمع جواهر الواقع الحزين: الضحية والجلاد في فخ الخديعة متشابهان.

AFP
أمهات وأهالي المفقودين خلال الحرب اللبنانية يرفعون صور أحبائهم في مؤتمر صحافي قرب خيمتهم أمام مقر الأمم المتحدة

الانتظار في الفراغ

"كنت في السابعة من عمري عام 1981 عندما غادر والدي المنزل ذات صباح ولم يعد ليلا. احتجزته إحدى الميليشيات في بيروت، ولم يفرج عنه إلا بعد ثلاثة أيام. بعد سنوات عديدة، علمت أنه كان أوفر حظا من غيره"، تصدر داليا خميسي، المصورة الفوتوغرافية التي جالت أعمالها في أكثر من 60 معرضا حول العالم، اهتمامها بقضية المفقودين من أثر شخصي. لم تكن قاصرة عن اختبار أثر الفقدان، إذ يشعر الطفل بخطر غياب أحد الوالدين في عمر مبكر، لكن معايشتها الأنضج لهذا الألم بدأت في عمر متقدم وتحديدا إثر مشاهدتها في نشرة الأخبار لحدث مقتل أوديت سالم قرب الخيمة: "في اليوم التالي كنت مع أهالي المفقودين في الحديقة وعرفت أن علي واجبا اؤديه"، تقول لـ"المجلة".

على امتداد ست سنوات، قامت خميسي بمشاركة الجمهور القصص الحزينة لـ 15 أما من أمهات المفقودين، عبر مشروع مستمر يصور الأهالي الذين لا يزالون ينتظرون، وحياتهم المكللة بالفقدان. "فهنا قميص عزيز الزهري، مكوي ومعلق على باب الخزانة، تحتفظ به أم عزيز الفلسطينية، التي أخذ منها أولادها الأربعة خلال مجزرة صبرا وشاتيلا. ومعجون أسنان ورغوة حلاقة استعملوهما، وكتب الأصغر بينهم. في ذلك اليوم، حاولت أم عزيز إعطاء ابنها القميص الوردي، وهو على الشاحنة، لكن أحد المسلحين صعد إلى الشاحنة وركله أمام أمه. وهناك ماري غاوي تجلس إلى جانب صورة مؤطرة لابنها جورج الذي كان عمره 22 عاما عندما اختطف وهو في الطريق إلى اجتماع عمل في بيروت، ثم نرى صورته موضوعة على أحد السريرين، في شقة بغرفة نوم واحدة، حيث تعيش ماري بمفردها. في الشتاء تضع الأم أغطية الشتاء على كلا السريرين في غرفة نومها. وفي صورة ثالثة نرى أم أحمد تحمل صورة ابنها وهي تجلس على أحد الأسرة في خيمة المفقودين، وكان اختطف قسرا من منزله حيث كان يعيش مع زوجته وابنه الصغير. أمه بحثت عنه في كل لبنان وسوريا لكنها لم تجده أبدا. كان عمره 21 عاما فقط ولم يعرف أن زوجته كانت تنتظر مولودها الثاني".

توفيت غالبية الأمهات اللواتي ظهرن في صور خميسي، لكنها ترغب في الاستمرار بمشروعها وتصوير مزيد من المنتظرات، ربما من أجيال الأحفاد والحفيدات

"لا أكتفي بتصوير الأمهات، بل أرفق الصورة بالحكاية. التفاصيل تتضافر مع التكوينات لكي تترك الأثر على المتلقي. لست في حاجة لأي زخرفات أو ألاعيب فنية أخرى تتعلق بالمنظور والأبعاد والاضاءة. أتعامل ببساطة وخفر مع موضوعات صوري. أسلوبي ينتصر لإبراز ألم الإنسان"، تشرح خميسي، ولا تكتفي بدور المصور، بل تنتقل، هي أيضا إلى ضفة المحقق، فنراها في شريط لـ"بي بي سي"، أنجزه بنجامين تشيسترتون في العام 2010، استند بشكل رئيس الى صورها ولقاء مع أم عزيز، تتوجه بالسؤال إلى مسؤول ميليشيوي سابق مطالبة إياه، مرة جديدة، بالكشف عن مصير الرفات وأماكن المقابر الجماعية. للمصادفة، او لسوء الحظ، لن يكون هذا المقاتل غير شفتري ذاته، بطل فيلم "ليال بلا نوم"، والذي سيمنح خميسي الإجابة، أو اللا إجابة، ذاتها التي سيمنحها بعد ذلك للراهب.

تتجسد صفة "نبذ الألاعيب" في تقنية وفكر خميسي بعنصر رئيس يهيمن على الصور ويجسد شبحية العودة وثلج الانتظار: الفراغ.

تظهر واحدة من الصور الأم ماغي أندريوتي التي "تجلس في غرفة معيشتها تحت صورة ابنها ستافرو المختطف بعمر 17 سنة مع أصدقائه، بعد ذهابهم في جولة قرب منزلهم في بيروت لم يعودوا منها. كان لدى ماغي ثلاثة أولاد، فقدتهم جميعا خلال الحرب الأهلية. اذ خطف ستافرو، وظل مصيره مجهولا، بينما ابنها الأوسط في التاسعة من عمره عندما قتل نتيجة قصف أصاب المنزل، واكتملت المأساة باختناق أصغر أطفالها في قبو البناء الذي لجأت إليه طلبا للحماية. كان عمره عاما واحدا، وتوفي في أحضان والدته وهي تظن أنه نائم. أخذت عزاء الاثنين لكنها ظلت تأمل حتى وفاتها في يوليو/ تموز الماضي بعودة ستافرو".

نراها في الصورة الفوترغرافية التي التقطتها لها خميسي في وضعية ثابتة و"موزونة" يمنحها وجود أريكة طويلة في الوسط تقريبا. الصورة مقسمة عموديا: مساحة كبيرة من الحائط الفارغ خلف الأم، تعزز الشعور بالانفصال والعزلة في المشهد. لتضفي صورة الابن المعلقة على الحائط في المركز نقطة بصرية محورية تجسد ثقل الذاكرة المحمولة في المكان. تقود خطوط الأريكة والظهر والذراعين، عبر سلاسل أفقية وعمودية، العين مباشرة نحو وجه الأم، ثم بطرفة عين، يحيلنا اللون الذهبي للإطار وتباينه مقابل شحوب الحائظ الى وجه الابن: "الام والابن. البشر. محورا القصة. لا حاجة لأي إضافة أخرى. تنبع قوة صوري من قوة المأساة وألم الانتظار".

توفيت غالبية الأمهات اللواتي ظهرن في صور خميسي، لكنها ترغب في الاستمرار بمشروعها وتصوير مزيد من المنتظرات، ربما من أجيال الأحفاد والحفيدات: "على الذاكرة أن تبقى نضرة" كما تقول. ومثلها ترغب الراهب في أن تعود قريبا إلى هذه القضية من خلال عمل يرصد التحولات التي حصلت ما بعد سقوط نظام الأسد في سوريا وخروج المعتقلين السياسيين من السجون ومن بينهم قلة غير مؤكدة العدد أو الهويات من اللبنانيين. وتحكي قصار أنها لم تستنفد طاقتها في التمثيل داخل أعمال عن المفقودين لأنهم "بوصلة ضمير لبنان". ويطالب جمهور المسرح بعروض إضافية لمسرحية لينا أبيض عن حلواني التي نشرت أخيرا كتابا عن سيرتها الشخصية والنضالية حمل عنوانا فرعيا غير متوقع "ما لم أقله"، في دلالة على أنها، بعد عقود من النشاط والتصريح والفعل، لا تزال تحتفظ بمعلومات جديدة. وقد خاطت الأمهات أسماء أبنائهن المفقودين بحروف من ذهب مكونات لجدارية كبيرة، فيما بقيت أجزاء من الأسماء مبتورة تنتظر.

font change