بعد سقوط نظام الأسدين، لم يعد السؤال كيف انتهى حكم استمر أكثر من نصف قرن، بل كيف بدأ؟ كيف استطاع الأسد-الأب أن يجعل الجمهورية مشروعاً عائلياً يورثه لابنه بشار، وأن يرهن حياة الملايين بمصير عائلة تجلس حول مائدة واحدة؟
يصعب العثور على عمل أدبي أو سينمائي يشرح ذلك كما فعل فيلم "العراب". قد تبدو المقارنة بين آل كورليوني وآل الأسد صادمة. فالأولى عائلة خيالية تدير منظمة إجرامية، والثانية حكمت دولة. لكن المقارنة هنا ليست قانونية ولا أخلاقية، بل تتعلق ببنية السلطة نفسها. كيف تُبنى المنظومة؟ كيف يُختار الوريث؟ كيف تتحول المصاهرة إلى قرار سياسي؟ وكيف تنتهي الإمبراطوريات عندما تصبح العائلة أهم من الدولة-المنظومة؟
هنا، أنا مدين لكتاب كثر كتبوا وتحدثوا عن العلاقة بين العائلتين قبل سنوات، ولشخص آخر قدم لي سلسلة "العراب" كي أشاهدها في دمشق عندما كنت في الإقامة الجبرية في صيف 2008. ومذّاك، حصلت تطورات في سيرة آل الأسد وسالت دماء كثيرة في سوريا عمقت الشعور بأنني أشاهد نسخة من "العراب"، بل إن السنوات كانت تجلب تفاصيل تجعل المقارنة آسرة. الأب المؤسس، الشقيق الذي يطمح بالكرسي، الوريث الذي مات قبل أن يحكم، "الابن الهادئ" الذي لم يكن يريد السلطة ثم أصبح أكثر تمسكاً بها وعنفا من الجميع، الأخ الذي يحتكر القوة العسكرية، الأخ الآخر الذي بقي خارج معادلة الحكم، الصهر الذي يدخل قلب العائلة ولا يصبح يوماً واحداً جزءاً كاملاً منها، الأم ثم الوالدة التي تحافظ على تماسك البيت، الزوجة التي تمثل صورة الحداثة، القريب جابي أموال الأسرة، إضافة إلى "الرفاق" الذين يتولون مهمة تنفيذ الأوامر الصادرة في "بيت العائلة". ثم النهاية التي تنتهي فيها السلالة إلى القبر أو السجن أو المنفى.
فيتو كورليوني في نيويورك... وحافظ الأسد في دمشق
يفتتح فرانسيس فورد كوبولا فيلمه بمشهد أصبح من أشهر مشاهد السينما. يجلس دون فيتو كورليوني في يوم زفاف ابنته، بينما يدخل الناس واحداً تلو الآخر طالبين الحماية أو العدالة أو المساعدة. لا يحمل الرجل أي صفة رسمية، ولا يشغل منصباً في الدولة، لكن الجميع يعرف أن القرار الحقيقي يصدر من هذا المكتب. لم تكن قوة فيتو كورليوني في المال وحده، بل في أنه جعل الجميع يحتاجون إليه، مركز الجاذبية.
القاضي، ورجل الأعمال، والسياسي، والشرطي، كلهم أصبحوا جزءاً من شبكة معقدة من الولاءات والمصالح، يديرها رجل واحد يجلس في منزله في لونغ آيلاند. ولم يكن منزل آل كورليوني مجرد منزل. كان مركز السلطة. فيه كانت تُعقد الاجتماعات، وتُحسم الخلافات، وتُقرر التحالفات، وتُعلن الحروب، وتحاك المؤامرات قبل أن يسمع بها أحد خارج أسوار البيت. أما المكاتب الرسمية والمحاكم والبلديات، فلم تكن سوى مسرح تتحرك عليه القرارات التي اتُخذت مسبقاً من العائلة.
فيتو كورليوني خرج من قرية هامشية في صقلية وبنى إمبراطوريته في نيويورك، بينما خرج حافظ الأسد من القرداحة في اللاذقية، وصعد عبر الجيش ليبني إمبراطورية عائلية في دمشق. بنى نموذجاً مختلفاً في الشكل، لكنه قريب في الجوهر. في الستينات كان مركز الجاذبية و"العراب" لمن هم أكثر منه رتبة ومنصبا، رتب مع "رفاقه" الانقلابات وبنى مع شقيقه رفعت، الذراع الضاربة، شجرة العائلة، قبل أن يستولي على السلطة عام 1970. لم يكن هدفه أن يصبح رئيساً فقط بل أن يمنع انفلاتها منه وسلالته. فقد عرف أن كثيرين أصبحوا رؤساء ثم أطاحت بهم الانقلابات أو الاغتيالات أو الصراعات الداخلية. لذلك لم يعمل على بناء سلطة شخص، بل على بناء منظومة تجعل بقاء الدولة أو النظام مرتبطاً ببقائه.








