مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل شهريا، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة.

ضباب البارود

سيناريو وإخراج: سعد طحيطح

بلد الإنتاج: السعودية

بدأت فكرة الفيلم التسجيلي "ضباب البارود" للمخرج سعد طحيطح مع الاستعدادات الأولى لزواج ابن عمه، حين رغب والد العريس في إحياء موروث قديم غاب عن مراسم القبيلة منذ ثلاثة عقود تقريبا، وهو فن "المدقال"، أحد أكثر الطقوس التراثية التي ارتبطت تاريخيا بالاحتفالات والاستعراضات الحربية في منطقة عسير. من هذه الومضة العائلية، يلتقط طحيطح خيطا أوسع يتعلق بالذاكرة الجماعية، ليناقش من خلاله ما الذي يحدث للموروث حين ينقطع عن ممارسته، البشر والمكان، مضفرا التاريخي بالمعاصر، والشخصي بالهم العام، الخط الذي انتهجه في فيلميه السابقين، "تخليد فن القط العسيري" و"ذاكرة عسير".

يعد فيلم "ضباب البارود" الخامس في مسيرة المخرج الشاب، بعد أربع تجارب سابقة لم تخرج عن إطار السينما التسجيلية والوثائقية، بما في ذلك الوثائقيات الشخصية أو الذاتية، ما يوضح ولع المخرج بهذه السينما لما تحمله من إمكانيات تمزج بين الحقيقي والمتخيل، خصوصا في صورتها الأشهر (لبدوكيودراما)، وهو ما أكده في حوار سابق مشيرا إلى قناعته التامة بهذه المساحة الحرة من الحكي، التي ربما لا تتاح بالقدر نفسه في الأفلام الدرامية. شارك الفيلم ضمن فعاليات الدورة الأخيرة لمهرجان أفلام السعودية، حاصدا جائزة النخلة الذهبية لأفضل فيلم وثائقي.

نجح المخرج في إدارة عالمه من خلال المزج بين الحقائق التاريخية، وإعادة التجسيد الدرامي، بما في ذلك الحوار المتخيل، مستعينا بأبناء قريته وذويه لأداء الأدوار

أما المدقال، فهو فن حركي راقص استخدم في الحروب وفي المناسبات على حد سواء، وفيه تقف مجموعة من الرجال في صفوف متتالية مرتدين "الجنبية" بخناجرها المميزة، أحد أشهر الموتيفات التراثية في الفولكلور الخليجي لسكان البادية، فيما تستقر بنادق الفتيل التقليدية في أياديهم ملوحين بها في الهواء بالقفز المتناسق وإطلاق البارود، دليلا على الشجاعة والقوة والترحيب بالضيوف. من هنا، أطلق على المنطقة الجبلية، رجال الحجر، التي تضم قبائل: بني شهر، بني عمرو، بني الأسمر، بني الأحمر.

ضباب البارود

نجح المخرج في إدارة عالمه من خلال المزج بين الحقائق التاريخية، وإعادة التجسيد الدرامي، بما في ذلك الحوار المتخيل، مستعينا بأبناء قريته وذويه لأداء الأدوار، في محاولة لاستعادة الروح التاريخية للمكان كجزء هام من الذاكرة الثقافية والمجتمعية، المكون الرئيس للهوية الجمعية.   

يقوم السيناريو الدرامي للفيلم على أربع شخصيات رئيسة تمثل ثلاثة أجيال مختلفة، بخلاف والد العريس، يحضر الجد الذي تولى تحفيز شباب العائلة والقبيلة على المشاركة الفعالة في العرس، ليس فقط بغرض مجاملة العروسين، ولكن من أجل التعرف على إرث لم يعايشوه وربما لم يسمع بعضهم عنه من الأساس. كما تأتي مشاركة هامة من العم، أول من أدخل كاميرا الفيديو لهذه البيئة لتوثيق لحظات عائلية مختلفة تحضر حفلات المدقال بينها بقوة، المواد التي اعتمد عليها المخرج بشكل كبير في الأرشفة التاريخية للمكان وطقوسه الاحتفالية، معتبرا عمه هو الموثق الأول لهذه الفترة، حتى وإن لم يكن التوثيق بغرض مباشر. وأخيرا، أحد أصدقاء سعد طحيطح الذي وافق عام مولده بعد آخر مدقال يقام في القبيلة، كشاهد معاصر على إرث لم يره من قبل.

You Don't Belong Here

سيناريو وإخراج:  فلورين سربان

بلد الإنتاج: رومانيا

يمثل فيلم "You Don't Belong Here" عودة جديدة للمخرج الروماني فلورين سربان إلى الساحة الدولية في المهرجانات السينمائية، بعد خمسة عشر عاما من فوز فيلمه الروائي " If I Want to Whistle, I Whistle" بالجائزة الكبرى لمسابقة مهرجان برلين السينمائي الدولي عام 2010. يعود سربان هذه المرة بفيلمه الأحدث، المشارك ضمن فعاليات الدورة الأخيرة 79 من مهرجان لوكارنو السينمائي، حاصدا قبل أسابيع قليلة جائزة الفهد الذهبي لأفضل فيلم في المسابقة الدولية، "لقوة كتابته، وتفرد رؤيته، وإتقانه الاستثنائي للغة السينمائية"، كما ورد في حيثيات لجنة التحكيم، فيما حصل بطله الشاب تيودور بوتانيسكو على تنويه خاص من اللجنة على أدائه.

تدور أحداث الفيلم في إطار من الدراما النفسية المعقدة تشرح مفهوم العنصرية من جهة وتدين التمثلات المتداعية للسلطة الأبوية، من خلال تسليط الضوء على حدث عارض، يتفاجأ به الأب ماريوس، (أدريان فانسيكا)، رئيس الأطباء في مستشفى ببلدة صغيرة، وهو رجل أرمل يؤمن بما حققه من استقرار أخلاقي ومجتمعي بما في ذلك حياة هادئة مع ابنه المراهق يوان، حتى تتكشف له حقيقة زيف علاقته بابنه، حين يتهم الأخير بتورطه في جريمة قتل وحشية راح ضحيتها رجل مسن من الغجر الذين يمثلون أقلية في رومانيا، يتصاعد الموقف لتتأزم العلاقة بينهما بعدما يقوم بمراقبته ليكتشف حياة سرية يعيشها المراهق ليلا مع مجموعة من الشباب، يجوبون الشوارع بدراجتهم النارية ليمارسوا اعتداءات عنصرية وتخريبا ممنهجا لممتلكات الأقليات تحت وطأة أيديولوجيا متطرفة.  

دراما نفسية معقدة تشرح مفهوم العنصرية وتدين التمثلات المتداعية للسلطة الأبوية

كان من الذكاء أن يلجأ المخرج إلى تكنيك اللقطات الطويلة لرصد حالة أبطاله، كمعادل شعوري يجمع الشخصيتين الرئيستين إلى جانب بقية الشخصيات أو المجاميع في الشوارع، كذلك أجاد فلورين سربان في توظيف مساحات منتقاه من التعبير البصري لتجسيد حالة الانفصال النفسي والمعنوي بين الأب وابنه، سواء كان ذلك داخل الأماكن المغلقة، مثل لقائهما في المنزل ويظهر كل منهما في أقصى يمين ويسار الكادر، فيما يتجسد الجدار حاجزا بينهما، أو في الأماكن المفتوحة مثل الشارع وعند النهر، حيث ينفصل الاثنان مجددا بينما تنهمر المياه على مقربة منهما من إحدى مواسير الصرف، في إشارة إلى حجم المحجوب النفسي لكليهما عن الآخر. 

You Don't Belong Here

نتابع هذا الصراع من منظور الأب، وعلى خلفية قانون مسيطر على عالم لا مكان فيه للأعذار، ذلك القانون المفروض من قبل وجهاء المجتمع وعلى رأسهم يحضر الأب كنموذج عفى عليه الزمن، ولكنه ما يزال متمسكا بغروره وبازدرائه الصادم لابنه، وكأن الجرم الذي بدر عن الصبي قد يشوه هالة الاحترام المجتمعي التي يتمتع بها، نتبين هذا في حواره مع صديقه الشرطي وحلمهما الطبقي بعالم يعرف فيه كل فرد مكانته الحقيقية، حتى وإن أسفر عن انتصار الأقوياء وسحق الضعفاء، داخل معادلة لا توجد فيها حدود فاصلة بين المكسب والخسارة، فالجميع في النهاية مجرد مجموعة من البشر التائهين، لا مكان لهم هنا، كما يشير عنوان الفيلم.  

The Last House 

سيناريو: ماثيو روبنسون

إخراج: لويس ليترييه

بلد الإنتاج: فرنسا، المملكة المتحدة

في فيلمه الجديد "The Last House"، المعروض حاليا على "نتفليكس"، ينتقل المخرج الفرنسي لويس ليترييه من عوالم الخوارق وأفلام الحركة إلى منطقة مغايرة تنحو إلى طرح فلسفي يفكك غرابة النوازع البشرية، وقدرتها على التشكل والتبدل وفق المتغيرات الطارئة، لاسيما حين يكون الأمر مقترنا بالبقاء، حيث لا يوجد حينئذ سقف لتوقعات رغبات الأفراد، وانحرافها عن المألوف في كثير من الأحيان. وعلى الرغم من لجوء ليترييه إلى قالب الرعب والخيال العلمي، فإن الفكرة التي يناقشها الفيلم تتجاوز نطاق الديستوبيا إلى البحث عن الجانب المظلم، أو الدنيء، في الصورة المثلى للإنسانية نفسها.

تتمحور أحداث الفيلم حول أسرة مكونة من أربعة أفراد، أب وأم، يجسدهما فاغنر مورا وغريتا لي، بصحبة ولد وبنت، تستيقظ الأسرة في أحد الأيام على حقيقة مرعبة، لتجد نفسها محاصرة ومعزولة داخل منزلها بشكل كامل ومحكم، بواسطة قوة مادية خفية وغامضة تمنعهم من الخروج. يستدعي هذا الإطار الأسري، بصورة عابرة، عائلة الفيلم الكوري "براسيت"، التي تتكون هي الأخرى من أربعة أفراد، أب وأم وولد وبنت، وإن اختلف مفهوم "الطفيلية" في العملين، فهي في الفيلم الكوري تنبع من الداخل، وتحمل دلالة طبقية واضحة، بينما تأتي هنا من الخارج، في صورة قوة غامضة تحاصر الأسرة.

رؤية سوداوية مظلمة للنوازع البشرية على مختلف أوجهها، فما يبدو اليوم فعلا استثنائيا قد يصبح غدا خيارا ممكنا حين يتحول البقاء إلى المبرر الوحيد لكل شيء

تنطلق المشكلة في البداية على مدار أيام، وأفراد الأسرة يظنون أنها فترة وستمر منتظرين الخلاص، ولكن مع توالي الأسابيع والشهور، مرورا بقفزة زمنية تدل على مكوثهم لسنوات، حتى إن الطفلين يتقدمان في العمر، ينتقل الحدث هو الآخر من مجرد استدعاء أجواء الحظر العالمي وقت تفشي وباء "كوفيد 19"، ليتحول المنزل إلى حقل تجارب معقد للنجاة. حتى إن البناء الدرامي للسيناريو يتخفف تدريجيا من الانشغال بكشف طبيعة تلك القوى الخارقة المجهولة، ليتتبع مظاهر التآكل النفسي والعاطفي لأفراد الأسرة وهم يعيدون ابتكار آليات بدائية للبقاء والتواصل مع جيرانهم المحتجزين في المنازل المجاورة، أو من بقي منهم على قيد الحياة.

The Last House 

بينما تزداد الأمطار في الخارج، تبدأ وحوش مجهولة في الظهور تهاجم النوافذ بمخالبها العملاقة كلما لمحت أحدا بالداخل، ما يضطرهم إلى إسدال الستائر والامتثال إلى حصار مضاعف عن العالم والحياة، يصاحبه انقطاع للكهرباء وتلاشي بقية الموارد والخدمات. مع تفاقم الأزمة، ينفد دواء القلب الخاص بكلب العائلة فيضطر الأب إلى إنهاء معاناته بالقتل الرحيم، وفي الوقت نفسه يقوم بتقطيع الجثة وحفظها في الثلاجة تحسبا لنفاد الطعام لديهم، وهو ما يشير بشكل خفي إلى احتمالية أن يلاقي أحدهم مستقبلا المصير نفسه، في رؤية سوداوية مظلمة للنوازع البشرية على مختلف أوجهها، فما يبدو اليوم فعلا استثنائيا قد يصبح غدا خيارا ممكنا حين يتحول البقاء إلى المبرر الوحيد لكل شيء.

أرشيف السودان المنسي          

سيناريو: صهيب قسم الباري

إخراج: صهيب قسم الباري، كاتارينا فون شرودر

بلد الإنتاج: السودان، ألمانيا، قطر

للأفلام حيوات قد تتجدد وفق متغيرات أو مناسبات معينة، وهو ما يمكن تلمسه بوضوح في الفيلم التسجيلي السوداني "أفلام السودان المنسية"، المعروض مؤخرا في نسخة محدثة على شاشة ومنصات الجزيرة الوثائقية تحت عنوان "أرشيف السودان المنسي"، تزامنا مع رحيل أحد أبطاله الأساسيين، بنيامين، حارس الأرشيف السينمائي الذي غيبه الموت في الخامس من أغسطس/آب الماضي، ليتحول فعل مشاهدة العمل اليوم إلى ما يشبه المواجهة الحية مع جرح الذاكرة والهوية السودانية المهددة في ظل ويلات الحرب المستمرة.

يتتبع الفيلم يوميات رجلين مسنين، بنيامين وعوض، بعد رحلة مشتركة امتدت لأربعة عقود تفرغا خلالها لصيانة وترميم أكثر من 13 ألف بكرة فيلم نادرة، بحصيلة مكتبية تعد الأضخم في القارة السمراء، ملكا للأرشيف السينمائي الوطني للسودان. وفي صورة أقرب إلى مرثية بصرية بالغة الحساسية. فأمام تغيرات الزمن وعوامل المناخ والرطوبة، وتعنت قوانين ولوائح النظام البيروقراطي، لم يكن أمام الصديقين سوى المقاومة لحفظ الأرشيف بمختلف الطرق الممكنة وغير الممكنة، خصوصا وهما يعملان بلا راتب، وكان على الأفلام الاستجابة لذلك بفرضية قانون البقاء.

تأتي المفارقة بين قيمة ما تحتويه هذه البكرات وغياب الاهتمام بها، علما أن بعض هذه المواد لا توجد لها نسخ أخرى، ناهيك عن أن كل فيلم محفوظ هناك يحمل صورة من تمثلات الإنسانية وتاريخها وتحولاتها وليس السودان فحسب، حيث نجح الفيلم في أن يجعل أزمة الأرشيف السينمائي قضية إنسانية وثقافية على السواء، لذلك لا تبدو عملية الإنقاذ مجرد مهمة تقنية لترميم الأفلام ورقمنتها، وإنما تصبح دفاعا عن حق أخلاقي بالأساس.

لا تبدو عملية الإنقاذ مجرد مهمة تقنية لترميم الأفلام ورقمنتها، وإنما تصبح دفاعا عن حق أخلاقي بالأساس

علي الرغم من الحراك الفردي أخيرا في السينما السودانية، فإن تاريخها شهد الكثير من التحديات والانقطاعات المختلفة، كان آخرها منذ ست سنوات تقريبا، مع عرض الفيلم الروائي الطويل الأول للمخرج أمجد أبو العلا "ستموت في العشرين"، وهو السابع في تاريخ الفيلم الروائي في العموم للسينما السودانية، جاء بعد غياب طويل قارب عشرين عاما بعد آخر عرض لفيلم سوداني، ليكسر تاريخا طويلا من الحصار والمقاومة، سيتعرض لها بالتفصيل المخرج صهيب قسم الباري في فيلمه الوثائقي "الحديث عن الأشجار"، وفيه يتبع رحلة مشابهة لأربعة مخرجين قدامى في محاولة لإعادة الحياة إلى السينما السودانية من خلال البحث عن دار عرض يمكن افتتاحها في مدينة "أم درمان"، بعد أن تم غلق دور العرض والمسارح عقب حكم البشير أواخر الثمانينات.

أرشيف السودان المنسي

في أرشيف السودان المنسي، يرسم الباري بمشاركة المخرجة الألمانية كاتارينا فون شرودر، سينماتوغرافيا بصرية مختلفة تعاملت مع أشرطة النيغاتيف المتآكلة من منظور إنساني بوصفها "كائنات حية" تكافح للبقاء، لذلك لم يكن غريبا أن يتوج عالميا بعدد من الجوائز من بينها جائزة رابطة الصحافة الأجنبية (AIB) في لندن، حيث برع الفيلم في التقاط سينما التفاصيل، تجاعيد وجوه الأبطال المتماهية مع تشققات السينما، مع مساحات صامتة للنظرات المشحونة بالأمل والخوف معا، يصاحبها صوت ماكينات العرض القديمة التي تحولت بدورها إلى ما يشبه مؤشر لقياس النبض، لكنه يرصد ذاكرة بلد يخشى اليوم أن يختفي تماما.

اليوم الذي دخنت فيه سيجارة مع والدي

سيناريو: سامح علاء

إخراج: سامح علاء، روبن فوترز

بلد  الانتاج: مصر، فرنسا، بلجيكا

من جديد، يواصل المخرج المصري سامح علاء حضوره في المهرجانات العالمية بعد حصوله اللافت منذ ست سنوات على السعفة الذهبية من مهرجان "كان" في الفيلم القصير عن فيلمه "ستاشر"، وبذلك يسجل كأول فيلم مصري يحصد الجائزة الأشهر. هذه المرة كان علاء على موعد مع مهرجان تورونتو السينمائي الدولي، مشاركا بفيلم تحريك يحمل عنوانا فرعيا طويلا مثل بعض أفلام المسابقة، "اليوم الذي دخنت فيه سيجارة مع والدي"، عنوان أصلي يحمل الرقم "اربعتاشر"، ضمن الدورة 51 التي تنطلق فعاليتها اليوم وتستمر حتى العشرين من سبتمبر/أيلول الجاري، وتعد هذه هي المرة الثانية لسامح علاء مع المهرجان، حيث سبق وشارك بفيلم "خمستاشر".

ثلاثية عمرية يستعيد من خلالها المخرج ملامح فترات الطفولة والمراهقة التي مر بها، مازجا بين التخييل الدرامي وبين الاستلهام المباشر من سيرته الذاتية أو سير المحيطين، وهو ما يتجلى بوضوح في فيلمه الجديد، الذي استلهم في كتابته أبعادا شخصية تدمج بينه وبين والده، حتى إن بطل الفيلم صبي يدعى علاء، يخوض بصحبة إخوته مغامرة محفوفة بالمخاطر في شوارع القاهرة منتصف الستينات، لحظة سماعهم هتافات صاخبة بالشارع، ليكتشفوا وسط حالة من الذهول غياب والدهم، أو تخليه عنهم.

اليوم الذي دخنت فيه سيجارة مع والدي

بين محاولة الابن الأكبر في إخفاء ريبته وتوجسه الشديد تجاه هذا الأب الذي اختفى فجأة من حياتهم، يستعيد الفيلم أجواء الحقبة الناصرية، بما تحمله من مظاهر متكررة ومتفاوتة للنصر والانكسار. وضع سامح علاء الإطار العام لقصته ولعالمه الدرامي، فيما شاركه في إخراج الجانب التحريكي، المخرج الفرنسي روبن فوتيرز. ويعد هذا الفيلم ثاني تجارب المخرج في مجال الرسوم المتحركة بعد فيلمه القصير السابق "س الديب ورحلة البحث عن التاج المفقود"، الذي تناول من خلاله سيرة مشابهة لطفل وعلاقته المأزومة مع سلطة الأب وقراراته البيروقراطية في قالب من الكوميديا السوداء.

يبدو اهتمام سامح علاء بالصورة والإيقاع والبناء البصري جزءا أصيلا من طريقته في الحكي، وليس مجرد اختيار جمالي منفصل عن الموضوع

من المعروف أن السينما المصرية شهدت في السنوات الأخيرة صعودا غير مسبوق على مستوى المحافل الدولية، لا سيما مع مهرجان "كان" تحديدا، الذي كان مسرحا لثلاثة إنجازات مهمة لأصوات سينمائية شابة، بدأت بحصول سامح علاء على السعفة الذهبية عام 2020، وفي العام التالي حصد المخرج عمر الزهيري الجائزة الكبرى في مسابقة أسبوع النقاد عن فيلمه الروائي الطويل الأول "ريش"، ثم انضم اليهما المخرج مراد مصطفي بحصول فيلمه القصير "عيسى... أعدك بالجنة" على جائزة "رايل الذهبية" سنة 2023.

ثلاثة مخرجين ينتمون إلى جيل جديد، استطاع كل منهم أن يلفت الانتباه إلى السينما المصرية خارج حدودها المحلية، وأن يقدم ملامح مختلفة لسينما شابة تبحث عن لغتها الخاصة. وربما تبدو تجربة سامح علاء، حتى الآن، من أكثر التجارب الثلاث تماسكا على مستوى الأسلوب والرؤية الإخراجية، إذ يبدو اهتمامه بالصورة والإيقاع والبناء البصري جزءا أصيلا من طريقته في الحكي، وليس مجرد اختيار جمالي منفصل عن الموضوع.

 

font change