مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل شهريا، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة.

شريط طوعة

سيناريو: عبدالله العواس

إخراج: مرتضى العواس

بلد الإنتاج: السعودية

في فيلمه الجديد "شريط طوعة"، يواصل المخرج الشاب مرتضى العواس بناء مشروعه السينمائي الوليد علي كلا المستويين، الشكل والمضمون، فمن الناحية الشكلية، يحافظ على انحيازه إلى الفيلم القصير، المساحة الأكثر أمانا واحكاما في مراحل البدايات لدى كثيرين، وإن جاءت مدة العمل أطول من أفلامه الثلاثة السابقة، حيث لم تتخط مدة فيلميه "فارغة" و"قطرة" (16/2015) سوى سبع وخمس دقائق، علي الترتيب، لاسيما مع الموضوع الإرشادي لكل منهما، ارتفاع الأسعار في الأول وتقويم سلوك الأطفال في الثاني.

ليبدأ في الفيلم التالي، "اين الطريق" (2017)، (18 د) مرحلة تحول جديدة منتقلا إلي الدراما الروائية، عبر حكاية أرملة وابنتها الصغرى، تضطران إلى الهرب من تسلط شقيقها ورفضه لاستقلالها. وهو ما يتقاطع في المتن مع حكاية فيلمه الجديد، لكن بانشغال أكبر بالهوية المحلية وكيفية توظيفها بوصفها بطلا موازيا للحكاية، لا مجرد خلفية للأحداث، وذلك من خلال قصة مستوحاة من وقائع حقيقية، عن "طوعة"، فتاة كانت تعيش في هدوء مع جدتها الخياطة، قبل أن تستدعي شريط حياتها بصورة مفاجئة، حين يتم الاعلان في إحدى الجرائد عن خبر، ظلت تنتظره طويلا.

ورغم أن مدة الفيلم لا تتجاوز نصف ساعة، فإن الشركة المنتجة، "الجنان للإنتاج الإعلامي المرئي والمسموع"، اختارت إطلاق عرضه التجاري عبر صالات "إمباير سينما" بمحافظة الأحساء في المنطقة الشرقية، على خلاف المسار المعتاد للأفلام القصيرة، التي تبدأ رحلتها غالبا من المهرجانات والفعاليات السينمائية قبل الوصول إلى دور العرض. يشارك في البطولة، لطيفة المقرن، وحسن العاشور، ونيار عبدالعزيز، ولنبى بوخمسين، وعلي رجب.

يستعيد الفيلم أجواء "زمن الطيبين"، الموازي للمصطلح المصري "الزمن الجميل"، الذي ظل لعقود مقترنا بالعصر الذهبي للفنون

عن طريق مشاهده الافتتاحية، يضعنا فيلم "شريط طوعة" أمام حلقة متداخلة من الانتقالات الزمنية، تبدأ بـالبطلة أثناء محادثة إلكترونية مع صديقة لها، إلا أن هذه المحادثة تتم عبر نسخة قديمة من نظام "ويندوز"، ناهيك عن عتق جهاز الحاسوب نفسه، بما يشير أولا، إلى زمن هذه المحادثة الذي يعود إلى ما يقارب ربع قرن. ومن خلال صفحة معلقة على الحائط في الخلفية من جريدة الرياض، ينتقل السرد إلى نقطة زمنية أبعد، حيث نتابع في أحد العناوين، "الهند تعترف رسميا بدولة فلسطين... عشية زيارة عرفات"، في إشارة تعود إلى أواخر الثمانينات، قبل أن يستمر الحكي في نسيج نوستالجي يحتفي بالذكريات في صورة أقرب إلى التداعي الحر.

شريط طوعة

وكما تروج الشركة المنتجة، فإن الفيلم يستعيد أجواء "زمن الطيبين"، الموازي للمصطلح المصري "الزمن الجميل"، الذي ظل لعقود مقترنا بالعصر الذهبي للفنون، قبل أن تمتد دلالته تدريجيا إلى حقب أقرب، من الثمانينات والتسعينات، بل وحتى بدايات الألفية الثالثة.

هكذا يثبت المصطلح، في الحالتين، أنه ليس وصفا قطعيا لمرحلة زمنية أو تاريخية ثابتة، بل هو أقرب لانعكاس ذاكرة تتغير بتغير الجيل والظرف التاريخي، وكأنه لا يكف عن إعادة تعريف نفسه، حتى إن نتائج محركات البحث اليوم عن "مطربي الزمن الجميل" مثلا،  قد تقود إلى أسماء مثل إيهاب توفيق وأصالة وسميرة سعيد، بدلا من أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وشادية، وهي النتيجة التي كان سيقدمها على الأرجح قبل عشرين أو ثلاثين عاما.

 

THE GALLERIST

سيناريو:  جيمس بيدرسن، بمشاركة المخرجة

إخراج:  كاثي يان

بلد الإنتاج: فرنسا،  الولايات المتحدة

وصمت الفنون بجنونها، خصوصا التشكيلية منها، سواء كان هذا عن طريق استخدام جلد بشري لتغليف كتاب، مثلا، أو من خلال التشكيل في الفراغ والأعمال المركبة المفاهيمية، والتي سجل عدد كبير منها في السنوات الأخيرة مبيعات خرافية رغم غرابتها، فماذا لو كان العنصر المستخدم الجديد هو جسد الإنسان نفسه، أو جثته علي وجه الدقة؟

هذا ما نتابعه، في الفيلم الجديد للمخرجة الأميركية من أصل صيني، كاثي يان،  THE GALLERIST، الذي تنطلق حبكته نتيجة حادث غير متوقع أصاب أحد الأشخاص أثناء تجهيز افتتاح معرض فني، تكافح صاحبته "بولينا" (ناتالي بورتمان) في مواجهة المنافسين وخطر الإفلاس، قبل أن يخطر لمساعدتها "كيكي" (جينا أورتيغا) فكرة استغلال الموقف لصالحها، خصوصا وأنه لم يتبق غير ساعات على الافتتاح، بعرض جثة الرجل كاملة كعمل فني متقن، ومجهول الهوية، ثم بيعها لجامع تحف ساذج يستطيع نقلها إلى ميامي. كل ما عليهما فعله، هو تنفيذ الخطة بسرعة شديدة قبل أن تبدأ الجثة في التحلل، وهو ما يورطهما في سلسلة من المواقف والمطاردات العبثية، نجحت المخرجة في إدارتها وتوظيفها جيدا.

عالم يخفي وراء أضواء النيون البراقة هيمنة المادة على منظومته التي بمقدورها تسليع أي شيء

تعتمد كاثي يان في فيلمها إيقاعا لاهثا ولقطات طويلة تمزج بين بريق عالم المعارض الفنية ورعب الموقف الذي تجد البطلة نفسها فيه، مستعينة بديناميكية أفلام المطاردات العبثية لتجسيد هوس الشخصيات. وفي الوقت نفسه، تؤكد نضج الهوية البصرية والفكرية لديها، بعد فلسفتها الساخرة أيضا في فيلميها السابقين Dead Pigs وBirds of Prey، حيث ترصد في الأول مظاهر تحولات المجتمع العولمي عبر صورة سريالية لآلاف الخنازير النافقة التي تجرفها مياه النهر، ثم تنتقل في الثاني إلى عالم البطلات الخارقات بألوانه الصاخبة وجمالياته الكوميكسية، وصولا إلى مزجها الجديد هنا بين السخريتين، الاجتماعية والبصرية، داخل عالم يخفي وراء أضواء النيون البراقة هيمنة المادة على منظومته التي بمقدورها تسليع أي شيء، طالما وجدت الرغبة في منحه قيمة فنية.

THE GALLERIST

كذلك تتقاطع تيمة الجثة التفاعلية مع رواية جورجي أمادو الشهيرة "الرجل الذي مات مرتين"، وفيها يناقش امكانية عدم تصديق أو الخضوع للموت الفيزيقي، الفكرة التي تناولها المخرج المصري اسامة فوزي في فيلمه "جنة الشياطين" (1999) بمعالجة شعبية تنتصر للمهمشين. أما عند كاثي يان، فتحضر الجثة لتكشف عن هشاشة الحدود بين القيمة الحقيقية للعمل الفني، والقيمة التي يصنعها السوق أو تختلقها المؤسسات الثقافية، في تفكيك ساخر لتوحش معايير الرأسمالية في الفن المعاصر، الذي أصبحت فيه لموزة لصقت على الحائط، كما هو الحال مع عمل "Comedian" للإيطالي المثير للجدل ماوريتسيو كاتيلان، قيمة سوقية تقدر بملايين الدولارات.  

IN THE HAND OF DANTE

سيناريو: لويز كوجلبرج، بمشاركة المخرج

إخراج:  جوليان شنابل

بلد الإنتاج: المملكة المتحدة، تشيلي، ايطاليا

في فيلمه الجديد IN THE HAND OF DANTE، المعروض حديثا على منصة "نتفليكس"، لا يبتعد المخرج الأميركي جوليان شنابل عن البناء السردي المألوف في الأعمال التي تستعيد الشخصيات والنصوص التاريخية، ومقابلة الحاضر بالماضي، حيث يسير الخط السردي للفيلم من خلال عالمين متوازيين، أحدهما تدور أحداثه في العصر الحديث بنيويورك، بينما يتتبع الأخر رحلة الشاعر الإيطالي دانتي أليغييري في القرن الرابع عشر أثناء كتابة ملحمته الخالدة "الكوميديا الإلهية"، نقطة الانطلاق الرئيسية التي يتخذها سيناريو الفيلم حبكة لأحداثه، المأخوذة عن رواية بالعنوان نفسه للكاتب نيك توشيس، التي تطرح فرضية اختفاء المخطوط الأصلي  للكوميديا المكتوب بخط دانتي، قبل أن يتحول هذا إلى محور صراع معقد حول سرقته وتداوله.

يشير الفيلم إلى تلاشي الحدود الأخلاقية عندما يصبح التاريخ، المتمثل في "الكوميديا الإلهية"، مجرد سلعة في السوق السوداء

عبر موازاة عذاب دانتي في الماضي بضياع الكتاب في الحاضر، تحيلنا هذه الأجواء إلى عوالم روايات الروائي الايطالي أمبرتو إيكو، وتحديدا إلي ثيمة الهوس بالمخطوطات المفقودة والمزورة، داخل الأديرة المغلقة لتفكيك شفرات السلطة وصورها المتباينة، كما في روايته الشهيرة "اسم الوردة"، التي تدور أحداثها حول كتاب مفقود لأرسطو داخل دير غامض. علي أن المخرج جوليان شنابل نجح في المزج بين العوالم الأكاديمية والتاريخية عند إيكو، والاثارة البوليسية التي تقدمها روايات الجريمة والمافيا، عزز هذا استعانته بضيوف شرف برزوا في هذا المجال، مثل آل باتشينو، أو المخرج مارتن سكورسيزي في شخصية الحكيم، الذي قدم أداءا مميزا مؤكدا أنه كان بإمكانه أن يكون ممثلا بارعا لو اختار ذلك.

IN THE HAND OF DANTE

من خلال تداخل قوى الفن والعنف والإيمان، أيضا، يربط الفيلم بشكل واضح بين مؤسستين إيطاليتين بارزتين، وهما الفاتيكان والمافيا، حيث تتقاطع منهجية العمل بين المنظومتين بشكل مذهل، فبينما يحتكر الفاتيكان صكوك الروحانية ويفرض سطوته برمزية القداسة، تمارس المافيا سطوتها بالدم والنفوذ المادي بمختلف الطرق. وهنا، يشير الفيلم إلى تلاشي الحدود الأخلاقية عندما يصبح التاريخ، المتمثل في "الكوميديا الإلهية"، مجرد سلعة في السوق السوداء يجري تهريبها بين أروقة الكنيسة وكواليس العصابات، ليتحول الفعل الإجرامي في النهاية إلى آلية مشتركة تهدف إلى السيطرة وإخضاع العقول، وتبقى فكرة "الفردوس" في يد من يجرؤ على البحث عنها خارج الأطر الجاهزة.

The Sheep Detectives

سيناريو:  كريج مازن،  ليوني سوان

إخراج: كايل بالدا

بلد الإنتاج: الولايات المتحدة، بريطانيا

بعد أن ارتبط أسمه لسنوات بأفلام الرسوم المتحركة، مثل  MinionsوDespicable Me 3  وMinions: The Rise of Gru، يخوض المخرج كايل بالدا اولى تجاربه في الأفلام الروائية الطويلة الحية من خلال  The Sheep Detective الذي يمزج بين الممثلين الحقيقيين وتقنيات التحريك، وقد وصف بالدا نفسه هذا الانتقال من عالم التحريك إلى التصوير الحي، بأنه أكبر تحد في مسيرته الإخراجية. كذلك يمثل الفيلم نقطة تحول لكاتب السيناريو كريج مازن المعروف بأفلام الجريمة والدراما المشحونة، وهو انتقال غير متوقع إلى فيلم عائلي يعتمد على الكوميديا والغموض، يكشف جانبا مختلفا من اهتماماته الكتابية.

ومع ذلك، يبقى أحد أبرز ملامح مشروعه حاضرا، المتمثل في تتبع الحقيقة من خلال تعدد وجهات النظر، وهي الفكرة التي تتناغم مع الرواية الأصلية، "ثلاث حقائب ممتلئة" للكاتبة الألمانية ليوني سوان، المأخوذ عنها السيناريو، حيث تروى الأحداث من منظور قطيع من الخراف لا يدرك العالم البشري إلا بقدر ما يراه ويفسره بطريقته الخاصة.

في إطار فانتازي، تدور أحداث الفيلم حول راعي الأغنام "جورج" )هيو جاكمان( الذي يعيش وسط قطيعه بعلاقة تتجاوز الرعاية التقليدية، واصفا إياها بـ "ألطف الحيوانات على وجه الأرض"، إذ يمنح كل خروف اسما خاصا، ويتحدث إليها كأنها أفراد أسرته، ثم يختتم كل يوم بقراءة إحدى الروايات البوليسية على مسامعها. ومع كل ليلة، يندمج القطيع في الحكاية، وينشغل أفراده بتخمين هوية القاتل بينهم، انتظارا لليلة التالية لمعرفة الحل. لكن اللعبة تتحول إلى واقع عندما يموت جورج فجأة، فلا يرى شرطي القرية الساذج في وفاته أكثر من حادث عابر، بينما ترفض الخراف هذا التفسير، مقتنعة بأن راعيها قتل، لتبدأ، مستلهمة ما تعلمته من الروايات، تحقيقها الخاص بحثا عن القاتل.

دعوة لتحرر العقل البشري من قيوده المعقدة في استقبال العالم وفك شفراته

على أن تميز الفيلم لا يعود إلى غرابة الفكرة وحدها، بل إلى الكيفية التي طوع بها المخرج النص ليصبح محاكاة ساخرة، وعكسية، لأفلام الجريمة التقليدية، فبينما يلتزم السيناريو بقواعد الرواية البوليسية الكلاسيكية، على طريقة أغاثا كريستي، في زرع بعض الأدلة أمام المشاهد، تأتي عملية الاستنتاج هذه المرة من منظور غير مألوف، إذ لا ترى الخراف العالم إلا في حدود خبرتها الضيقة، المحصورة بين المراعي وحظائر القرية، ومن هنا تنفجر المفارقة لديها مع انتقالها وتورطها في عالم المدينة، واضعة حوافرها للمرة الأولى على الإسفلت أو داخل الكنيسة، لتعيد اكتشاف البشر ومؤسساتهم بعين خارجية، فيما يكتسب هذا الاختيار دلالة إضافية مع استحضار الخراف تحديدا، بوصفها أكثر الكائنات التصاقا في المخيال الجمعي بفكرة القطيع.

The Sheep Detectives

إلي جانب طرافة الفكرة الفانتازية المطروحة، ينجح الفيلم في خلق مقابلة بتباين كوميدي وفلسفي حاد، حيث يصور جبهة "البشر" في القرية كمجموعة من الكائنات تحركها الأنانية والجشع وسوء التقدير أحيانا، في حين يمنح قطيع الخراف وعيا جمعيا وغريزة فطرية للبقاء، بل وقدرة على الربط والاستنتاج تفوق محققي الجريمة أنفسهم. من خلال هذه المفارقة، تتحول الشاشة إلى مرآة تسخر من الغرور الإنساني الذي طالما احتكر لنفسه العقل والمنطق، ما جعله يتعامل مع محيطه بمبدأ سيد الطبيعة، وكأنها دعوة لتحرر العقل البشري من قيوده المعقدة في استقبال العالم وفك شفراته، التي لا تحتاج دائما إلى كائن يمشي على قدمين، بل ربما إلى آخر يسير على أربع.

 

 القصص

سيناريو وإخراج:  أبو بكر شوقي

بلد الإنتاج: مصر

ينحاز فيلم "القصص" من تأليف وإخراج أبو بكر شوقي، إلى سينما أكثر هدوءا وتأملا، تراهن على دواخل الشخصيات كجزء من السرد نفسه، بقدر رهانها على الحكاية، لترسم صورة موسعة للمجتمع المصري من داخل بيت واحد على مدار امتداد زمني يتجاوز العقدين، يبدأ مع نكسة يونيو/حزيران1967 ويصل حتى منتصف الثمانينات، ذروة عصر الانفتاح والتحول المجتمعي. وذلك عبر حكاية رئيسية تتصدر المشهد، نتابع من خلالها حياة "أحمد" (أمير المصري)، شاب ينتمي إلى أسرة من الطبقة المتوسطة، يعشق البيانو ويجد فيه ملاذه الروحي، قبل أن تتشعب الحكاية تدريجيا بمرور الأحداث لتفسح المجال لبقية أفراد الأسرة والمحيطين من الجيران أو الأقارب، بينما تتحول الخلفية السياسية والتاريخية إلى محطات متوالية، تعيد رسم مصائر الشخصيات وتوجيه مساراتها.

القصص

يشترك في البطولة عدد كبير من الممثلين، سواء في أدوار رئيسية أو ثانوية، مع توزيع جيد في تسكين الشخصيات وتناغم ملحوظ في الأداء بين طاقم التمثيل، يتصدرهم أداء نيلي كريم في دور الأم، وإن تقاطع قليلا مع أدائها في مسلسل "ذات" (2013)، أما الفنان أحمد كمال فيؤكد مجددا خصوصية مشروعه التمثيلي، رغم أنه لم يحقق البطولة الأولى أو ينافس عليها، إلا أنه حفر لنفسه أسلوبا خاصا على مدار أربعة عقود ترسخ في ذهن المشاهد، وجعل حضوره جزءا من هوية الأعمال التي يشارك فيها.

يتضح حجم الفجوة بين الهزائم الكبرى والانتصارات العابرة، التي لم تكن كافية لرأب التصدعات النفسية لدى الشخصيات

انطلقت الفكرة لدى المخرج منذ سنين في صورة فيلم قصير، يقوم على حكاية الحب الحقيقية التي نشأت بين والده وأمه النمساوية، وما تخللها من مراسلات كتابية كانت هي الوسيلة المتاحة للتواصل في زمنها، وهي الثيمة التي أثارت لديه عقد مقارنة بين زمنين، أحدهما كان انتظار الرد فيه قد يمتد إلى شهور، أما الآخر فلا يتطلب الامر أكثر من ضغطة زر على خيار "إرسال". ويبدو أن ثراء التفاصيل في هذه الرسائل كان كافيا لتوسيع الدائرة، ما نتج عنه سلسلة من العلاقات والشخصيات المتشابكة، بما في ذلك توظيف مساحات من الإشارات الرمزية نجح المخرج في كثير منها في عدم الوقوع في المباشرة، مثل استشهاد شقيق البطل في حرب 1973، ليأتي فعل الموت معبرا عن خسارة أكبر ستلحق بالهوية المصرية في السنوات التالية، يتعزز هذا المعنى أيضا مع وفاة الخال (صبري فواز)، العازف السابق في فرقة أم كلثوم والذي يأتي مشهد موته علي خلفية أغنية "زحمة" لأحمد عدوية، إيذانا بانتهاء مرحلة وصعود أخرى، أكثر استهلاكية.

حين نضع نقطتي البداية والنهاية للفترة الزمنية التي يعالجها سيناريو الفيلم، يتضح حجم الفجوة بين الهزائم الكبرى والانتصارات العابرة، التي لم تكن كافية لرأب التصدعات النفسية لدى الشخصيات. من هنا، تبرز ثيمة الحلم في الواجهة والتي تعامل معها أبو بكر شوقي بذكاء دلالي، حيث تجتمع الأسرة علي حلم واحد معنوي لا يعدهم بالثراء أو النجاة، لكنه يمنحهم القدرة على احتمال الواقع، يتلخص في فوز ناديهم المفضل "الزمالك". فيما تختلف أحلامهم الفردية وفق رغبة كل منهم، بدءا من شخصية الراوي نفسه الذي يسعى إلى تغيير حياته، مرورا بشقيقيه، الذي يحلم أحدهما بالسفر، والآخر باحتراف كرة القدم، وصولا إلى حلم الأب في ترقية تمنحه قدرا من الاستقرار الوظيفي، إلى جانب حلم آخر بسيط للأم، لا يتجاوز سوى امتلاك بوتاغاز جديد، بدلا من آخر، عفى عليه الزمن.

font change