مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

مرصد الأفلام... جولة على أحدث عروض السينما العربية والعالمية

نتعرف من خلال هذه الزاوية إلى أحدث إنتاجات السينما العربية والعالمية، ونسعى إلى أن تكون هذه الزاوية التي تطل شهريا، دليلا يجمع بين العرض والنقد لجديد الشاشة الكبيرة، على أن تتناول الأفلام الجماهيرية والفنية، من الأنواع كافة.

7 Dogs

سيناريو: محمد الدباح

إخراج: عادل العربي، بلال فلاح

بلد الإنتاج: السعودية

انطلقت فكرة فيلم "7 Dogs" عقب الانتهاء من عرض الجزء الثالث من "أولاد رزق"، حين أبدى رئيس هيئة الترفيه المستشار تركي آل الشيخ، خلال إحدى الجلسات، رغبته في تكرار نجاح التجربة بصورة أكثر اتساعا وإثارة، متسائلا، كما يروي بطلا الفيلم، عن السيارة الأعلى قيمة التي جرى تحطيمها في السينما، أو عن أكبر كمية متفجرات استخدمت داخل فيلم. وهي الرغبة التي تحولت لاحقا إلى أحد أبرز عناصر الإثارة في "الكلاب السبعة"، لاسيما بعد دخول الفيلم موسوعة "غينيس" للأرقام القياسية في فئتي المؤثرات النارية والانفجارات، محققا رقما قياسيا جديدا لأكبر كمية متفجرات تستخدم في مشهد واحد، وبذلك ينتزع اللقب من فيلم "No Time to Die" (2021)، إلى جانب تسجيل أكبر انفجار في تاريخ السينما بواقع 170.7 طن.

تدور أحداث الفيلم حول خالد العزازي (أحمد عز)، ضابط الإنتربول الدولي، وغالي أبو داود (كريم عبد العزيز)، العضو المنشق عن تنظيم "الكلاب السبعة"، اللذين تضطرهما الظروف إلى العمل معا من أجل تعقب أفراد الشبكة وإحباط عملية تهريب مواد مخدرة مصنعة إلى المنطقة العربية. من خلال هذه المطاردة، ينتقلان بين عدة دول، من الهند إلى الصين والولايات المتحدة، في رحلة عابرة للحدود حرص صناع الفيلم على منح كل محطة منها هويتها البصرية الخاصة، بدءا من الإيقاع وصولا إلى تصميم المناظر ومشاهد الحركة، رغم أن العمل تم تصويره داخل استوديوهات الحصن بمدينة الرياض.

في سياق مشابه لهذا التوسع الجغرافي للحكاية، تأتي أيضا العناصر البشرية المشاركة في تنفيذ العمل، والتي تكونت من جنسيات متعددة في كافة الأقسام، بما في ذلك طاقم التمثيل، من خلال لقاء غير معتاد يجمع نجوما من السينما العربية وهوليوود وبوليوود في عمل واحد، من بينهم مونيكا بيلوتشي وسلمان خان وسانجاي دوت، في تعاون جديد يجمعهما بعد ربع قرن منذ آخر عمل مشترك، إلى جانب مارتن لورنس وجيانكارلو إسبوزيتو، والنجم السعودي ناصر القصبي في شخصية مختلفة تماما عن أدواره السابقة، بالإضافة إلى هنا الزاهد وتارا عماد وهالة دقي وسيد رجب وغيرهم.

يبرهن "7 Dogs" على قدرة السينما العربية الحديثة على منافسة أوسع داخل السوق السينمائية، إذا توفرت العوامل لذلك

تعد تجربة الإخراج الثنائي واحدة من أصعب الطرق في العمل السينمائي، بدليل ندرة عدد النماذج الناجحة فيها مقارنة بأفلام المخرجين المنفردين، والتي تطلبت حالة خاصة من التناغم الفني والإنساني. من هنا تتضح أهمية حرص المخرجين عادل العربي وبلال فلاح على تأكيد هذه الشراكة بوصفها جزءا من هويتهما، تتجاوز العمل الفني. في لقاءاتهما المصورة تبدو العلاقة بينهما أقرب إلى حوار مسبق التخطيط، يتبادلان الجمل والأفكار بإيقاع مرن، فيما تظهر فلسفة الثنائية المتقابلة في ملامحهما الخارجية نفسها، أحدهما بشعر كثيف والآخر حليق الرأس، في صورة تعكس تكاملا قائما على الاختلاف، لا يبتعد كثيرا عن هويتهما كبلجيكيين من أصول مغربية، حتى إن فيلمهما القصير الأول جاء بعنوان "Broeders"، أو "الشقيقان" بالهولندية.

7 Dogs

انعكس هذا بالطبع على السيناريو وسير الأحداث، خصوصا مع توليفة كبيرة من المؤثرات الإخراجية سعت إلى إضفاء طابع بانورامي، يتقدمه العنصر البصري، بما يحتويه من فلسفة حركية مستمرة، لا تختفي على مدار الفيلم، حتى في المشاهد الحوارية العادية والتي استعان فيها التصوير أحيانا بكاميرات طائرة، في لقطات غير معتادة دراميا لهذا النوع من الكاميرات، التي تستخدم غالبا في المشاهد الواسعة أو مشاهد المطاردات. نتابع أيضا في مستوى آخر أسلوبا مغامرا في التصوير، إذ يستعين المخرجان بكاميرات تلتقط المشهد بزاوية (360) درجة، يحملها الممثلون أنفسهم إلى جانب طاقم التصوير، ما أنتج تجربة حركية/بصرية لم تكتف بالحركة أو الإثارة في حدود الكادر، وإنما سحبت عين المشاهد طواعية إلى الدخول في المشهد والتورط الحسي معه، بما يشبه الدخول في لعبة مجسمة لواقع افتراضي.

لعل أهم ما يميز فيلم "7 Dogs" هو نجاحه في توفير مناخ احترافي بمواصفات عالمية، من خلال تقديم نموذج إنتاجي مغاير، يبرهن في مجمله على قدرة السينما العربية الحديثة على منافسة أوسع داخل السوق السينمائية، إذا توفرت العوامل لذلك.

Soumsoum, la nuit des astres                           

سيناريو: لوران غوديه، بمشاركة المخرج

إخراج: محمد صالح هارون

بلد الإنتاج: تشاد، فرنسا

انشغلت سينما المخرج التشادي محمد صالح هارون بعدد من القضايا والأفكار، تدور في الغالب حول آثار مفاهيم العرف والتقاليد إلى جانب السياسات المختلفة للأنظمة الحاكمة على مصائر الأفراد. يظهر هذا منذ فيلمه الأول "Bye Bye Africa" (1999) الذي يرصد من خلاله علاقة المغترب بوطنه الأصلي، وفي فيلم "Daratt" (2006) يتتبع آثار الحرب الأهلية عبر قضية ثأر شخصية، ثم يتناول موضوع الحرية الفردية داخل مجتمع مقيد بالتقاليد والموروثات في فيلم "Lingui, The Sacred Bonds" (2021)، وصولا إلى فيلمه الجديد "Soumsoum, la nuit des astres"، وفيه يواصل نفس الاهتمام ولكن من زاوية مختلفة، من خلال سيناريو صاغه الكاتب المسرحي الفرنسي لوران غوديه بمشاركة المخرج، في قالب أقرب إلى أجواء الأسطورة أو الواقعية السحرية.

ينسج الفيلم عالما يتداخل فيه المعتقد الشعبي والأسطورة بالواقع اليومي، فاتحا المجال أمام مجموعة من الموتيفات البصرية

تدور قصة الفيلم حول "كيلو"، فتاة شابة تعيش منبوذة داخل قريتها الصغيرة الواقعة في قلب الصحراء، بعدما أطلق أهالي القرية عليها لقب "فتاة الدم"، نظرا لوفاة والدتها أثناء ولادتها. تنقلب حياتها مع تكرار رؤى وأحلام مرعبة عن المستقبل، تعتبرها نبوءة فتزداد عزلتها وخوفها من الجميع، الذين يرون فيها نذير شؤم وصاحبة قدرات غير عادية. في المقابل، تنشأ بينها وبين امرأة أكبر سنا علاقة صداقة وجودية، إذ تعاني هي الأخرى من نبذ مشابه بسبب وصمها بممارسة أعمال السحر وإلحاق الأذى بالآخرين. ومن خلال هذه الثنائية، ينسج الفيلم عالما يتداخل فيه المعتقد الشعبي والأسطورة بالواقع اليومي، فاتحا المجال أمام مجموعة من الموتيفات البصرية، بدءا من مراسم الدفن وحتى الاحتفالات الجماعية، بكل ما فيها من طقوس موروثة.

Soumsoum, la nuit des astres

يساهم في ترسيخ هذا المناخ الموسيقى التصويرية لبيبي تانغا، والتي استعانت بإيقاعات وأصوات متناغمة مع غموض الطبيعة الصحراوية وصخب البعد الطقسي، المهيمن على الأجواء، فيما يركز المخرج على عالم " كيلو" السحري عبر مجموعة من الأحداث والمواقف من خلال إيقاع تأملي هادئ، متخذا من فضاء الصحراء مسرحا لتجسيد هواجسها وأحلامها وتخوفات من حولها في إطار أنثروبولوجي، سعى إلى تفكيك البناء الدرامي والأسلوب البصري على حد سواء، وبالتالي ينتقل الفيلم في نصفه الثاني تقريبا من واقعيته السحرية إلى مجاز سياسي واضح، أعاد الكرة إلى مفهوم السلطة الأبوية، من جديد.

Je m'appelle Agneta

سيناريو : إيزابيل نيلوند، إيما هامبرغ، بمشاركة المخرجة

إخراج: جوهانا رونيفاد

بلد الإنتاج: السويد

يسير فيلم "Je m'appelle Agneta" على خطى فكرة بسيطة وبديهية مفادها أن الحياة لا تتوقف سوى بالموت، وأن البدايات الجديدة ليست حكرا عل مراحل بعينها في عمر الإنسان، فأن تأتي متأخرا أفضل من أن لا تأتي أبدا، كما يقال. وذلك من خلال رحلة اكتشاف للذات تتورط فيها بطلة الفيلم أغنيتا رغما عنها، تجسدها إيفا ميلاندر بأداء مبهر يحسب لها، سواء على مستوى التحولات الجسدية أو تفاوت التصاعد النفسي للشخصية، ضمن رؤية نسوية واضحة تتجاوز موضوع الفيلم، لتمتد إلى صناعه أنفسهم، حيث تشارك في كتابة السيناريو كل من إيزابيل نيلوند وإيما هامبرغ إلى جانب المخرجة جوهانا رونيفاد، بينما يستند العمل إلى رواية تحمل العنوان نفسه لهامبرغ، أحد أبرز الأسماء المعاصرة في أدب العلاقات والتحولات الشخصية، أو ما يعرف بكتابة التعافي.

تعيش أغنيتا حياة موحشة وهي على أعتاب الخمسين من عمرها، على كافة المستويات، "لا تتوقع منها الكثير" كما تقول، فولداها البالغان لم تعد تراهما إلا نادرا ولا يوجد تواصل بينهما تقريبا إلا لطلب المال، أما الزوج، فيعيش حياة موازية مع شريكته في التدريب، دون أن يكف عن توبيخها بسبب الزيادة الملحوظة في وزنها، مما يضطرها إلى تناول بعض الأطعمة سرا بعيدا عن تعليقاته الساخرة. وتكتمل المأساة حين تفقد وظيفتها في وزارة النقل السويدية بعد خمسة وعشرين عاما من العمل، لتجد نفسها فجأة في مواجهة فراغ كامل يحاصرها من كل جانب.

يناقش الفيلم فكرة تقبل الآخر التي يربطها بالأساس بتقبل الذات ومسامحتها، مؤكدا ضرورة أن يتعلم المرء حب نفسه أولا

غير أن مسار وتيرة حياتها ينحرف في اتجاه غير متوقع، عندما تقع عيناها على إعلان في إحدى الصحف يطلب مربية للعمل لدى أسرة في فرنسا، فتقرر خوض المغامرة والسفر إلى البلد الذي طالما حلمت برؤيته، معتقدة أنها ستتولى رعاية طفل صغير، لكنها تكتشف عند وصولها أن المطلوب رعايته مسن غريب الأطوار، لتبدأ رحلة مختلفة تماما عما تخيلته تعيد إليها الثقة بالنفس وإيقاع الحياة من جديد.

Je m'appelle Agneta

فمن خلال العلاقة التي تنشأ بينها وبين الرجل المسن، يناقش الفيلم فكرة تقبل الآخر التي يربطها بالأساس بتقبل الذات ومسامحتها، مؤكدا ضرورة أن يتعلم المرء حب نفسه أولا، نتابع هذا عبر سلسلة من الحوارات والمواقف المتبادلة بينهما، يحكي فيها كل منهما عن ماضيه، في صورة أقرب إلى جلسات اعتراف من أجل التطهر. فأحدهما تخلى عما يحبه ليعيش حياته الحقيقية، بينما انسلخ الآخر عن ذاته الحقيقية ليعيش حياة يعتقد أنه يستحقها. جدل تحسمه النهاية بتصالح البطلة مع ذاتها أمام المرآة وقد تحررت من نظرتها القاسية إلى نفسها. فلم تعد تخجل من بطنها المتدلية أو من الأجزاء البارزة من جسمها، تحتضن نفسها بذراعيها بحنان ساخرة: "مرحبا أيتها الشحوم الصغيرة"، بعد أن وجدت أخيرا مكانا لها بداخلها، يغنيها عن هذا العالم.

Lost Land                                  

سيناريو وإخراج: اكيو فوجيموتو

بلد الإنتاج: ألمانيا، ماليزيا، فرنسا، اليابان

في فيلمه الجديد "Lost Land"، يخطو المخرج الياباني الشاب اكيو فوجيموتو نحو مشروعه عن سينما الشتات الآسيوي، والذي بدأه قبل عشر سنوات تقريبا، بفيلمه الروائي الطويل الأول "Passage of Life"، الذي يسلط الضوء على عائلة من اللاجئين يعيشون بشكل غير قانوني في اليابان، ثم يتناول معاناة المهاجرات من فيتنام في فيلمه التالي "Along the Sea" (2020)، منشغلا بقضايا اللجوء والهجرة التي يصوغها من تأليفه، حيث قام بكتابة جميع أفلامه بما فيها فيلمه القصير الأول الذي اعتمد فيه على أجزاء من سيرته الذاتية ودراسته لعلم النفس.

هذه المرة، يوغل فوجيموتو في البحث عن أقاصي تمثلات الهامش، راصدا معاناة الأقليات في أزمة تعتبر الأكبر في العالم، بحسب وثيقة منظمة الأمم المتحدة، وذلك من خلال تتبع رحلة طفلين يهربان من مخيم للاجئي الروهينغا في بنغلاديش عبر البحر، أملا في الوصول إلى ماليزيا حيث ينتظرهما أحد الأقارب.

يوغل فوجيموتو في البحث عن أقاصي تمثلات الهامش، راصدا معاناة الأقليات في أزمة تعتبر الأكبر في العالم

 وهنا تكمن أهمية خاصة للفيلم بوصفه من أوائل الأفلام الروائية الطويلة باللغة الروهينغية. فيما يبني السيناريو عالمه من خلال عينى الطفلين، متجنبا الطرق الدرامية المعتادة للإثارة في أفلام الهجرة واللجوء، لصالح مراقبة هادئة لتفاصيل الرحلة، تراهن على التقشف البصري منذ المشاهد الأولى، بما في ذلك غياب الموسيقى أو الحوار، مع استعانته بكاميرا محمولة للتصوير زادت من مباشرة الحدث.

Lost Land

اعتمد مخرج الفيلم على طاقم تمثيل من غير المحترفين، حيث استعان بعشرات الأشخاص من لاجئي الروهينغا الحقيقيين، بمن فيهم الطفلان اللذان يؤديان دوري البطولة، فجميعهم عاشوا تجارب حية قاسية قد تفوق ما جسدوه أمام الكاميرا، ما منح السيناريو طابعا واقعيا يقترب أحيانا من التوثيق.

وهو ما يذكرنا بالتحفة الإيطالية الشهيرة "La terra trema" (1948) للمخرج لوتشينو فيسكونتي، والذي استعان بدوره بصيادين حقيقيين من سكان صقلية لتجسيد شخصياتهم، كما يظهر التقاطع بين الفيلمين من خلال استخدام اللغة الأصلية (الروهينغية والصقلية) كأنها أداة مقاومة أمام القوانين المفروضة لشباك التذاكر الهوليوودي، وأخيرا تحضر طريقة توظيف الجانب الجغرافي للمكان، البحر، الذي يتحول في كلا الفيلمين إلى خصم درامي يبتلع قوارب الموت ومعها أحلام الأبرياء.


 

The Loneliest Man in Town

سيناريو: تيزا كوفي

إخراج: تيزا كوفي، راينر فريمل

بلد الإنتاج: النمسا

من جديد، يواصل الثنائي النمساوي، الزوجان تيزا كوفي وراينر فريمل، مشروعهما السينمائي الممتد منذ تسعينات القرن الماضي، القائم على استكشاف مناطق رمادية تفصل بين الوثائقي أو التسجيلي والروائي بالمزج بينهما، وذلك، من خلال فيلمهما الأحدث "The Loneliest Man in Town"، وما يطرحه من معالجة خاصة حول رحلة كفاح موسيقي البلوز النمساوي الشهير آل كوك، الذي يجسد نسخة شبه متخيلة من نفسه داخل سياق درامي يستند إلى وقائع ومحطات حقيقية من حياته، تتقاطع مع مساحات تخيلية أخرى، في تجربة مختلفة تقترب أكثر إلى منطقة تعرف بـ"الدوكيو فيكشن".

The Loneliest Man in Town

ولد ألويس كوخ، المعروف بآل كوك، بمدينة باد إيشل في النمسا سنة 1945، قبل انتهاء الحرب العالمية الثانية بقليل، إلا أنه انتقل وعاش طوال حياته تقريبا في العاصمة فيينا، تحديدا في الحي الثالث، المكان الذي تدور فيه أحداث الفيلم. في مرحلة المراهقة، أبدى اهتماما بعلوم الفلك طامحا أن يكون أحد علمائه، غير أن الظروف أجبرته على العمل ميكانيكي سيارات لسنوات، قبل أن ينحرف مساره مع مطلع الستينات بعد مشاهدته فيلم "Loving You" (1957) بطولة أسطورة الروك إلفيس بريسلي، فيقرر التخلي عن مستقبله كعامل بائس متجها إلى عالم الموسيقى، تطلب هذا جهدا ممتدا من الدراسة والتحصيل الذاتي، حتى إنه أتقن الغناء باللغة الإنكليزية أيضا، فقط عن طريق الإنصات إلى شرائط مقابلات قديمة لبريسلي وفناني البلوز، ولم يصدر ألبومه الأول إلا عام 1970 بعنوان "Working Man Blues".

لا يدافع كوك عن إرث موسيقي فحسب، بل يقاوم انقراض نمط كامل من الحياة، لصالح واقع استهلاكي مسيطر

خلال مشواره الفني، تنقل كوك بين أكثر من ثيمة موسيقية، حتى استقر في النهاية على الإخلاص للقالب التقليدي، رافضا مجاراة التحولات التي شهدتها الموسيقى الشعبية الحديثة. الأمر الذي تغير تماما بعد خفوت القوالب التي آمن بها ومن ثم تراجع معها حضوره، ليجد نفسه حبيسا داخل مدينته المحببة، لاسيما مع رحيل المقربين منه بمن فيهم زوجته، التي ما يزال يتواصل مع أشيائها الصغيرة، وهنا ينجح المخرجان في رسم عالمه العالق زمنيا من خلال إشارات بصرية كثيفة وبسيطة في الوقت ذاته، تظهر في لقطات عابرة لـسجادة مهترئة، أو جهاز تلفزيون قديم، أو هاتف "نوكيا" في إصداره العتيق.

في هذا السياق، يكتسب عنوان الفيلم أبعاده الفلسفية، متجاوزا فكرة الوحدة إلى أبعاد أخرى للصورة، فكوك لا يدافع عن إرث موسيقي فحسب، بل يقاوم انقراض نمط كامل من الحياة، لصالح واقع استهلاكي مسيطر يجبره على التخلي عن شقته، بما فيها من تاريخ وذكريات وعمر مضى، فقط لأن ثمة مؤسسة استثمارية اشترت المبنى القديم لهدمه وإقامة مجمع تجاري، ليجد نفسه آخر ساكن في البناية وآخر المدافعين عن ذاكرة المكان وهوية المدينة وسط عالم لا يخفي ولعه بفلسفة الزوال أو يخجل منه.

 

font change