روسيا وأوكرانيا تعطلان الملاحة في البحر الأسود

قد تنذر الضربات التي تستهدف الموانئ والسفن بأزمة جديدة تهدد إمدادات الغذاء العالمية

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
أسطول البحر الأسود، المتمركز في شبه جزيرة القرم منذ الحقبة السوفياتية، في صورة تعود إلى عام 1992، بعد أشهر قليلة من استقلال أوكرانيا

روسيا وأوكرانيا تعطلان الملاحة في البحر الأسود

عادت طرق التجارة عبر البحر الأسود إلى واجهة الحرب الروسية-الأوكرانية، في مشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى بين عامي 2022 و2023، حين أدى الحصار البحري الروسي إلى تعطيل الصادرات الأوكرانية عبر البحر وإرباك أسواق المنتجات الزراعية حول العالم، غير أن الأزمة الراهنة، على الرغم من أوجه التشابه، تختلف في جوانب جوهرية، وكذلك الحلول البديلة المطروحة للتعامل معها.

في 23 يوليو/تموز، أعلنت أوكرانيا أن حركة الملاحة من موانئها الثلاثة غير الخاضعة للاحتلال على البحر الأسود وإليها توقفت فعليا، فخلال يوليو/تموز وحده، استهدفت الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيرة 57 سفينة تجارية أوكرانية وأجنبية، سواء داخل الموانئ أو في عرض البحر.

ومن بين تلك السفن ناقلة البضائع السائبة غولدن ليو، المملوكة لجهة تركية والرافعة لعلم غينيا بيساو، والتي أصابتها ثلاثة صواريخ روسية في المياه المفتوحة قبالة ساحل أوديسا يوم 19 يوليو/تموز، ما أسفر عن مقتل 10 أشخاص، قبل أن تغرق في 27 يوليو/تموز، وبحلول ذلك الوقت، خفضت الضربات من صادرات الحبوب الأوكرانية خلال العام الجاري بنحو الثلث، فيما تضاعفت تكاليف الشحن من البلاد وإليها.

وكما حدث في عامي 2022 و2023، حين عطل الأسطول الروسي تصدير ملايين الأطنان من الحبوب الأوكرانية وفجر أزمة غذاء عالمية، أدت الهجمات الحالية إلى شل حركة موانئ أوكرانيا على البحر الأسود، رغم أن معظم منشآتها لا تزال قابلة للتشغيل، وفي غضون ذلك، تتراكم المخزونات الزراعية وتتصاعد الضغوط على أسواق الحبوب العالمية.

(أ.ب)
يتصاعد الدخان من سفينة نقل الحبوب "غولدن ليو" التي ترفع علم غينيا بيساو، عقب ضربة صاروخية روسية في البحر الأسود بالقرب من أوديسا في أوكرانيا، في 19 يوليو 2026

وبحسب وزير الزراعة الأوكراني، قد يخسر القطاع الزراعي هذا العام ما بين 1.5 مليار و3 مليارات دولار من عائدات التصدير، وتستحوذ الممرات البحرية الأوكرانية عبر البحر الأسود على نحو 90 في المئة من صادرات البلاد الزراعية، فضلا عن الجزء الأكبر من صادرات التعدين والصلب، وهي قطاعات توفر مجتمعة نحو ثلاثة أرباع إيرادات أوكرانيا من العملات الأجنبية.

خفضت الضربات الروسية من صادرات الحبوب الأوكرانية خلال العام الجاري بنحو الثلث، فيما تضاعفت تكاليف الشحن من البلاد وإليها

ولهذا السبب، حثت أوكرانيا الأمم المتحدة في 27 يوليو/تموز على المساعدة في تأمين عبور آمن عبر البحر الأسود، على غرار التجربة المماثلة التي نجحت المنظمة في إرسائها مؤقتا عام 2022، واتهم مسؤولون أوكرانيون روسيا بارتكاب جرائم حرب وممارسة إرهاب اقتصادي بسبب استهداف سفن الشحن المدنية ومنشآت الحبوب، وقالوا إن موسكو ترهن الأمن الغذائي العالمي مرة أخرى، كما فعلت قبل أربعة أعوام.

وشبهوا الإجراءات الروسية التي تستهدف سلاسل إمداد الغذاء بالاضطرابات التي تطال طرق نقل الطاقة عبر مضيق هرمز، محذرين من أن الدول النامية قد تجد نفسها أمام خطر الجوع وارتفاع الأسعار.

لكن الأزمة الراهنة تختلف عن سابقتها في نقاط أساسية.

ففي عامي 2022 و2023، فرضت السفن الحربية الروسية حصارا مباشرا على الموانئ الأوكرانية، وطوقت ساحل أوديسا بالسفن والألغام، ما عطل حركة السفن الأوكرانية والأجنبية من الموانئ وإليها، وجاء هذا الحصار في وقت كانت فيه أوكرانيا تسعى لتصريف محصول قياسي من العام السابق، لينتهي المطاف بنحو 20 مليون طن من الحبوب عالقة في صوامع ممتلئة عن آخرها، من دون منفذ إلى الأسواق.

وسرعان ما امتدت تداعيات الأزمة إلى مناطق واسعة من العالم، وخصوصا أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط، حيث تعتمد عشرات الدول منخفضة الدخل على الحبوب الأوكرانية، وارتفعت الأسعار بقوة، ومع أن الأزمة لم تصل إلى حد المجاعة، فإنها فاقمت المعاناة وزادت هشاشة الأمن الغذائي.

(رويترز)
محطة الحبوب في ميناء أوديسا، أوكرانيا، 10 أبريل 2023

وسارع الاتحاد الأوروبي آنذاك إلى فتح مسارات بديلة أمام الصادرات الأوكرانية، عبر موانئ نهر الدانوب في رومانيا وبلغاريا، وعبر شبكات السكك الحديدية والطرق البرية الممتدة إلى الأسواق الدولية عبر أوروبا الوسطى، ووفرت هذه المسارات متنفسا حيويا لأوكرانيا، إذ أتاحت لها تصريف جزء من منتجاتها في أسواق الاتحاد الأوروبي، ولا سيما في بولندا والمجر وسلوفاكيا، لكن التدفق المفاجئ للحبوب والمنتجات الأوكرانية وضع المزارعين المحليين في تلك الدول أمام منافسة شديدة، ودفعهم إلى تنظيم احتجاجات واسعة. وتحت وطأة هذه الضغوط، فرض سياسيون قيودا وحظرا على السلع الزراعية الأوكرانية، رغم تعارض ذلك مع سياسة الاتحاد الأوروبي.

وفي يوليو/تموز 2022، نجحت وساطة أممية في التوصل إلى مبادرة حبوب البحر الأسود، التي أتاحت ممرا آمنا لتصدير الغذاء والأسمدة عبر البحر، مقابل تخفيف القيود الغربية المفروضة على صادرات روسيا من الغذاء والأسمدة، لكن موسكو انسحبت من الاتفاق بعد أقل من عام، ومنذ ذلك الحين تتعرض حركة الملاحة في البحر الأسود لهجمات ومضايقات روسية متكررة.

شبهت أوكرانيا الإجراءات الروسية التي تستهدف سلاسل إمداد الغذاء بالاضطرابات التي تطال طرق نقل الطاقة عبر مضيق هرمز، محذرة من أن الدول النامية قد تجد نفسها أمام خطر الجوع وارتفاع الأسعار

وعندما عادت أوكرانيا إلى الأمم المتحدة في يوليو/تموز الماضي، بدا أنها تراهن على تدخل شبيه بما جرى في الأزمة السابقة، مستخدمة الخطاب نفسه تقريبا، لكن تداعيات الأزمة الحالية لم تنعكس حتى الآن على أسواق الغذاء بالحدة التي شهدها العالم قبل أربعة أعوام، وقال أوليه نيفييفسكي، من كلية كييف للاقتصاد: "في فبراير/شباط 2022، كانت المخزونات الزراعية في أوكرانيا ممتلئة، ولهذا كان التأثير شديدا للغاية"، أما هذه المرة، فالوضع مختلف، إذ صدرت أوكرانيا بالفعل محصولها الأخير قبل إغلاق الموانئ، فيما لا تزال إمدادات الحبوب في الأسواق العالمية عند مستويات مريحة نسبيا.

كما يبرز اختلاف جوهري آخر، فروسيا لا تفرض هذه المرة حصارا ماديا على الممر البحري، ولا تعترض السفن أو تمنع مرورها، بل تستهدفها وتستهدف حمولاتها مباشرة.

وقد رفع ذلك مستوى المخاطر المالية إلى حد دفع السفن التجارية إلى الإحجام عن الإبحار، كما انعكس هذا الواقع على كلفة الشحن والتأمين، إذ قفزت علاوات مخاطر الحرب، بينما أحجمت بعض شركات التأمين عن توفير التغطية من الأساس.

وأمام هذه التهديدات، بات مالكو السفن يلجؤون إلى بند القوة القاهرة للانسحاب من عقود التأجير، فتوقفت شحنات الحبوب رغم بقاء الممر مفتوحا أمام الملاحة، وبذلك، لا يبدو الأمر حصارا بمفهومه التقليدي، بقدر ما هو شلل تجاري فرضته المخاطر والكلفة الباهظة.

(رويترز)
جندي من خفر السواحل الأوكراني على متن قارب دورية أثناء مرور سفينة شحن في البحر الأسود، 7 فبراير 2024

وهذا بدوره يفتح الباب أمام حلول محتملة، من بينها توفير تأمين ميسور الكلفة ضد مخاطر الحرب، من خلال ضمانات مدعومة من الدولة لتعويض الأضرار، على سبيل المثال، لكن هذه المعالجة، القائمة على حسابات مالية بحتة، تثير أسئلة أخلاقية جدية، وهي المعضلة نفسها التي يطرحها نموذج التأمين المطبق في مضيق هرمز، فالتأمين ضد مخاطر الحرب يعوض الخسائر المالية، بما في ذلك خسارة السفينة والحمولة، فضلا عن مدفوعات المسؤولية في حال مقتل أفراد من الطاقم أو إصابتهم، لكنه يظل تعويضا لا حماية، إذ قد يجعل الرحلة مجدية ماليا بالنسبة إلى مالك السفينة، من دون أن يخفف المخاطر الجسدية التي يتعرض لها من هم على متنها.

وفي الخليج، توقفت شركات التأمين التجارية عن تغطية مخاطر الحرب بعدما اندلعت الأعمال القتالية في مارس/آذار 2026، فيما ارتفعت أقساط التأمين إلى خمسة أمثالها.

وردا على ذلك، أطلقت الولايات المتحدة خطة لإعادة التأمين البحري بقيمة 20 مليار دولار، تغطي هياكل السفن والحمولات ومخاطر الحرب، إلى جانب التعويضات، ورغم أن الخطة لا تزال قائمة، فإنها لم تحقق النتائج المرجوة منه، إذ لا يزال معظم الناقلين يتجنبون الإبحار في الخليج.

وقد أسهمت هذه الضمانة في توفير التغطية التأمينية، من دون أن تبدد الخطر الذي يواجهه البحارة أنفسهم، ولخص ستيفن كوتون، من الاتحاد الدولي لعمال النقل، هذه المعضلة بقوله: "هذه ليست حوادث، وليست أضرارا جانبية، بل أفعال متعمدة تستهدف عمالا مدنيين لا علاقة لهم بهذا الصراع ولا سبيل لهم إلى تجنب مخاطره"، وشدد الاتحاد على أنه لا توجد حمولة أو عقد أو ضغوط تجارية تستحق المخاطرة بحياة بحار، وأضاف: "إلى أن تتوافر سلامة حقيقية ومضمونة، ينبغي أن لا تعبر أي سفينة منطقة الحرب هذه وعلى متنها طاقم مدني".

لا تستطيع المسارات البديلة تعويض ما خسرته أوكرانيا بخروج موانئها ذات المياه العميقة عن الخدمة، التي تتراوح طاقتها الاستيعابية بين 2.5 و3.5 مليون طن شهريا، فممرات الدانوب لا تنقل حاليا سوى نحو 100 ألف طن شهريا وفقا لمصادر أوكرانية

وثمة خيار آخر يتمثل في العودة إلى المسارات والأسواق البديلة التي لجأت إليها أوكرانيا خلال عامي 2022 و2023، ويمكن تحويل جزء من الشحنات إلى ممرات نهر الدانوب في الخريف، مع تحسن مستويات المياه المتدنية حاليا، ونقل جزء آخر برا عبر أوروبا الوسطى، لكن نجاح هذا المسار يظل رهنا باستعداد دول المنطقة للتعاون، وهو أمر غير محسوم، كما لا تلوح هذه المرة أي مؤشرات إلى إعادة فتح أسواق الاتحاد الأوروبي بالكامل أمام المنتجات الأوكرانية، كما حدث عام 2022.

وحتى مع توفر الإرادة وحسن النية، لا تستطيع هذه المسارات تعويض الطاقة الاستيعابية التي خسرتها أوكرانيا بخروج موانئها ذات المياه العميقة من الخدمة، والتي تتراوح بين 2.5 و3.5 مليون طن شهريا، فممرات الدانوب لا تنقل حاليا سوى نحو 100 ألف طن شهريا، ويمكن للشاحنات إضافة كمية مماثلة، بينما تتراوح الطاقة القصوى للسكك الحديدية المتجهة إلى الحدود الغربية بين 300 ألف و400 ألف طن شهريا، وفقا لمصادر أوكرانية.

(رويترز)
مزارع يقوم بحصد حقول القمح، في زاباروجيا، شرق أوكرانيا 23 يوليو 2026

وفوق ذلك، تحتاج الموانئ الأوروبية إلى استيعاب صادراتها هي أيضا، ولا يزال حجم الطاقة الفائضة التي يمكن تخصيصها للشحنات الأوكرانية غير واضح.

وقال سوافومير ماتوشاك، من مركز الدراسات الشرقية في وارسو: "على المدى الأطول، لا تملك أوكرانيا بديلا عمليا عن موانئها على البحر الأسود"، وأوضح أن موانئ الدانوب محدودة القدرة، ولا تستطيع حتى في أفضل الظروف استيعاب أكثر من نحو نصف حجم الشحن الذي تتعامل معه موانئ البحر الأسود شهريا، كما أن شبكات الطرق والسكك الحديدية العابرة لأوروبا الوسطى غير مهيأة للتعامل مع الكميات الضخمة من الصادرات الأوكرانية. وحتى مجتمعة، لا تستطيع هذه البدائل في أفضل الأحوال سوى تعويض نحو نصف القدرة الاستيعابية الشهرية لموانئ البحر الأسود، فضلا عن أن اللجوء إليها سيرفع التكاليف على المصدرين الأوكرانيين بما يتراوح بين 45 و50 دولارا إضافيا للطن، وفقا لـ"رويترز".

تراجعت صادرات القمح الروسية خلال يوليو إلى 1.8 مليون طن متري، بانخفاض يقارب 830 في المئة مقارنة بالشهر نفسه عام 2025، وأصبح ميناء نوفوروسيسك، أكثر الموانئ الروسية ازدحاما على البحر الأسود، شبه متوقف عن العمل

ويزداد المشهد تعقيدا مع استهداف أوكرانيا بدورها حركة الملاحة الروسية في بحر آزوف بطائرات مسيرة جوية وبحرية أحادية الاتجاه، ففي 10 يوليو/تموز، أوقفت روسيا حركة العبور عبر مضيق كيرتش بعدما أصابت هجمات بطائرات مسيرة أكثر من 100 سفينة في المنطقة.

وتراجعت صادرات القمح الروسية خلال شهر يوليو/تموز إلى 1.8 مليون طن متري، بانخفاض يقارب 830 في المئة مقارنة بالشهر نفسه من عام 2025، فيما أصبح ميناء نوفوروسيسك، أكثر الموانئ الروسية ازدحاما على الساحل الشمالي الشرقي للبحر الأسود، شبه متوقف عن العمل.

وبذلك، تلحق أوكرانيا أضرارا اقتصادية بروسيا، لكنها تزيد في الوقت نفسه الضغوط على إمدادات الحبوب العالمية، في الوقت الذي تطالب فيه الأمم المتحدة بالضغط على موسكو لوقف هجماتها لدواع إنسانية، وهو تناقض لم تعترف به كييف خلال تحركاتها في نيويورك.

(أ.ف.ب)
القمح في وسط العاصمة الروسية موسكو، 20 يوليو 2017

وفي 31 يوليو/تموز، حذرت أبرز جماعة ضغط معنية بالحبوب في روسيا، بلهجة جادة هذه المرة، من أن الضربات الأوكرانية على وسائل النقل الروسية قد تهدد الأمن الغذائي في أفريقيا والشرق الأوسط.

وحتى الآن، لا تزال أسواق الحبوب العالمية متوترة من دون أن تخرج عن مسارها الطبيعي، لكن نيفييفسكي حذر من أن الوضع قد يتغير قريبا، قائلا: "لكن في سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول، سيكون هناك محصول جديد"، ومع دخول المحصول الجديد إلى السوق في الخريف، قد تتصاعد الضغوط مجددا، بما ينذر بأزمة غذاء عالمية لا تقل حدة عن أزمة عام 2022.

font change

مقالات ذات صلة