مالت "قراءات بريماكوف" الأخيرة في موسكو بقوة إلى الخطاب المناهض للاستعمار، وإلى الطرح المألوف عن "عالم عادل متعدد الأقطاب". وقد غدا هذا الخطاب جزءا من العبارات الجاهزة في قاموس الكرملين منذ سنوات. ولم يخرج وزير الخارجية سيرغي لافروف، ولا بقية المشاركين في الندوة، عن هذا النسق. فقد أعادوا عزف المعزوفة المعروفة: مجموعة "بريكس" في الطليعة، والجنوب العالمي ينهض، والأنظمة الاستغلالية القديمة تتداعى، ونظام عالمي جديد برّاق ينتظر على الأبواب.
غير أن المواقف التي تعلنها موسكو تصطدم على الدوام بالحقائق العملية للديناميات الإقليمية، وبطبقات التاريخ التي يصعب إزاحتها جانبا. فكثير من دول آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية لا تزال تتعامل مع خطاب تصفية الاستعمار باعتباره ورقة تفاوض في علاقتها مع القوى الاستعمارية السابقة، تستخدمه ما دام يحقق لها مكاسب ملموسة. وفي المقابل، تنظر الجمهوريات السوفياتية السابقة الواقعة في مدار روسيا إلى تاريخها مع موسكو من زاوية أخرى. فهي ترى في السياسات الروسية السابقة طابعا استعماريا، بينما تبدو الرواية التي يفضلها الكرملين عن دوره الإقليمي قلقة أمام ذاكرتها الجماعية.
خلال العقود الثلاثة الماضية، أعادت روسيا تقييم موقعها الدولي مرات عدة وبصورة جذرية. وفي كل مرة، كان الدافع وراء هذه التحولات أقرب إلى السعي وراء المكانة منه إلى الالتزام بعقيدة أيديولوجية واضحة، مكانة تتيح لها الجلوس إلى مائدة القوى الكبرى في العالم ندا لند. في مطلع الألفية، تمحورت الاستراتيجية حول الاندماج في المؤسسات والنوادي الغربية. وكانت جاذبية الاستثمار أولوية، وكذلك بناء الثقة مع كبار القادة الأوروبيين. قام التصور آنذاك على إمكان أن تكون روسيا جزءا من العالم الغربي، مع احتفاظها بهويتها الخاصة. لكن هذا النموذج بدأ يتصدع بحلول منتصف العقد الأول من الألفية. ثم جاءت ليبيا، ومعها الاضطراب السياسي الداخلي، فوقع التحول الحاسم.

