عفو عام في لبنان بعد 35 عاماً… من يشمل ومن يستثني؟

قانون يخفّف العقوبات ويفرج عن موقوفين بعد سنوات من دون محاكمة

أ.ف.ب
أ.ف.ب
ترأس رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري جلسة برلمانية في مقر البرلمان ببيروت في 9 مارس 2026

عفو عام في لبنان بعد 35 عاماً… من يشمل ومن يستثني؟

بعد نحو 35 عاماً على آخر قانون عفو عام أقرّه لبنان، عاد البرلمان إلى هذا الملف وسط أزمة متفاقمة في السجون والقضاء، أفضت إلى بقاء آلاف الموقوفين خلف القضبان لسنوات، بعضهم من دون محاكمة وبعضهم على خلفية ملفات أثارت اعتراضات حقوقية وسياسية. وفي ظل اكتظاظ السجون وتراجع قدرة الدولة على تأمين الرعاية الصحية والغذاء للسجناء، أقرّ مجلس النواب في 12 أغسطس/آب قانون عفو عام وتخفيضاً استثنائياً لبعض العقوبات، في خطوة يُفترض أن تتيح الإفراج تباعاً عن عدد من المحكومين والموقوفين والمطلوبين. حيث أعلنت رئاسة البرلمان في بيان مقتضب: "إقرار اقتراح قانون يرمي إلى منح عفو عام وتخفيض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي معدلاً".

لكن القانون الذي جاء بعد أشهر من الخلافات السياسية لا يشمل جميع المساجين، فيما أبقى على استثناءات لجرائم عدة، ما يطرح السؤال حول من سيستفيد فعلياً من القانون، ومن سيبقى خلف القضبان؟

ماذا ينص قانون العفو العام؟

كان آخر قانون عفو عام أقرّه لبنان عام 1991، وشمل آنذاك الجرائم التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية اللبنانية بين عامي 1975 و1990. ومنذ ذلك الحين، لم يصدر قانون عفو عام شامل، رغم تكرار المطالب بإقراره، خصوصاً مع تفاقم أزمة السجون وتراكم الملفات القضائية.

وبموجب القانون الذي أقره مجلس النواب الأربعاء، تُخفّض مدة بعض العقوبات بشكل استثنائي، إذ تصبح عقوبة الإعدام 28 سنة سجنية، فيما تصبح عقوبة الأشغال الشاقة المؤبدة 17 سنة سجنية، مع تخفيض مدة سائر العقوبات بمقدار الثلث.

أما الموقوفون الذين لم تصدر بحقهم أحكام، ومهما كانت الجريمة المرتكبة، فإذا تجاوزت مدة توقيفهم 12 سنة سجنية، فيتعين على القاضي إخلاء سبيل المدعى عليه.

بالنسبة للمستثنين وفقا لنص القانون هم مرتكبو الجرائم والمساهمون فيها، من جرائم القتل العمد بحق المدنيين أو العسكريين، والخيانة والتجسس، والسرقة في حال تكرار الملاحقات أو الأحكام.

كما استثنى من العفو الجرائم المستمرة المتعلقة بالتعدي على الأملاك العمومية، واختلاس المال العام، والإثراء غير المشروع، والجرائم المتعلقة بالآثار، وتلك التي يتخذ فيها المتضرر صفة الادعاء الشخصي، فضلا عن جرائم الاغتصاب والإتجار بالبشر والعنف الأسري.

وبحسب نص القانون، يهدف العفو العام إلى إعادة الاعتبار لمبدأ العدالة، ومعالجة الخلل الناجم عن التأخير المزمن في إصدار الأحكام الجزائية، وما يترتب عليه من نتائج تمس جوهر العدالة.

وأشار إلى أن لبنان يرزح منذ سنوات تحت وطأة أزمات متلاحقة طالت مرفقي القضاء وإدارة السجون، وأفضت إلى أزمة إنسانية حادة تجلت في احتجاز موقوفين وسجناء لفترات تتجاوز المهل القانونية، خلافا للقواعد الواجب اعتمادها في معاملة السجناء.

ولفت إلى أن إقرار قانون عفو عام يسهم في رفع الظلم عن المظلومين، ويعزز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، ويخفف من اكتظاظ السجون، ويمكّن السلطة القضائية من تسريع البت في الملفات المتبقية.

اكتظاظ السجون... الدافع الأبرز

بعد أشهر من النقاشات والانقسامات، أقرّ مجلس النواب قانون العفو العام بدافع معلن هو "اكتظاظ السجون"، الذي فاقمه بطء المحاكمات وتوقيفات لسنوات من دون إجراءات قضائية.

وبحسب إحصاءات مديرية السجون، بلغ عدد المحبوسين 6268 شخصاً حتى 30 مارس/آذار. وكانت الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان أفادت في تقريرها السنوي لعام 2025، بأن نسبة الاكتظاظ في السجون بلغت 300 في المئة.

بعد مخاض طويل، وصلنا لهذه العدالة المنقوصة، كون العفو العام لن يشمل جميع الذين دفعوا ثمن مناصرتهم للثورة السورية عبر زجّهم بالسجون وتلفيق التهم وتركيب الملفات لهم

وفي المقابل تشير أرقام غير رسمية نشرتها مؤسسات حقوقية، أكّدت أن اكتظاظ السجون في لبنان تجاوز 330 في المئة من قدرتها الاستيعابية، فيما بلغ عدد السجناء نحو 8500 شخص. كما توفي في السجون أكثر من 48 سجينا خلال العام 2025، بمعدل 4 سجناء شهريا. ونحو ثلث السجناء موقوفون دون صدور أحكام بحقهم، فيما أوقف نحو 1200 شخص بناء على "إشارات أمنية" فقط، من دون صدور مذكرات توقيف قضائية بحقهم.

خلال السنوات الماضية لم تتوقف المطالب بإقرار عفو عام خصوصا مع تدهور أوضاع السجون، إلا أنّ غياب التوافق السياسي ورفض بعض القوة السياسية البحث في القانون عرقل إقراره، ولكن بعد الإطاحة بالنظام السوري السابق أواخر العام 2024، عاد العفو العام إلى التداول.

أبرز الفئات المستفيدة

- "المبعدون إلى إسرائيل" أو العائلات التي فرّت إلى إسرائيل والتي طالبت أحزاب مسيحية بانضمام ملفهم إلى قانون العفو، فوفقا لأرقام غير رسمية يبلغ عددهم نحو 4 آلاف شخص، معظمهم من المسيحيين والشيعة، وقد دخلوا إسرائيل إبان انسحاب جيشها من جنوبي لبنان بالعام 2000.

وكان مجلس النواب اللبناني أقر بالعام 2011 القانون رقم 194، الذي يرمي إلى معالجة أوضاع اللبنانيين اللاجئين إلى إسرائيل.

وأشار القانون حينها إلى أن اللجوء إلى إسرائيل جاء نتيجة خشية الانتقام أو الارتباط السابق بـ"جيش لبنان الجنوبي"، الذي كان متحالفا مع إسرائيل، التي كانت متمركزة في جنوبي لبنان منذ سبعينات القرن الماضي وحتى أواخر التسعينات، إلا أن القانون لم ينفذ.

أ.ف.ب
سجن روميه، شرق بيروت

وبموجب القانون الذي أقره مجلس النواب الأربعاء، بات بإمكان أي لبناني موجود في إسرائيل، ولم يكن سابقا عضوا في ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي"، ولم يصدر حكم بحقه، العودة إلى لبنان شريطة التخلي عن الجنسية الإسرائيلية.

- قوى سياسية أخرى، ومنها "حزب الله" وفقا لوكالة الصحافة الفرنسية، طالبت بأن يشمل العفو الآلاف من الموقوفين والمطلوبين من منطقتي بعلبك والهرمل (شرقاً) وغالبيتهم متهمون بجرائم مخدرات وسرقة سيارات.

الموقوفون الإسلاميون

- "الموقوفون الإسلاميون" الذين تم توقيف قسم منهم على خلفية أحداث مرتبطة بالثورة السورية، وبقي كثير منهم في السجون لسنوات من دون محاكمات. ومن أبرزهم الشيخ أحمد الأسير وذلك على خلفية اندلاع مواجهات مسلحة في منطقة عبرا بين مجموعة الأسير والجيش اللبناني في العام 2013، والتي أسفرت عن مقتل 18 جنديا و11 مسلحا من أنصاره.

وأوقف الأسير في مطار بيروت خلال أغسطس/آب 2015 أثناء محاولته مغادرة البلاد، وصدر بحقه حكم بالإعدام لم ينفذ، إذ يمتنع لبنان عن تنفيذ أحكام الإعدام منذ العام 2004.

ويُستخدم مصطلح الموقوفين الإسلاميين في لبنان للإشارة إلى نحو 146 سجينا، معظمهم في سجن رومية، وفق أرقام متداولة. ويقبع أكثر من نصفهم قيد التوقيف من دون محاكمة، وصدرت أحكام قضائية بحق البقية.

وبالنسبة لهؤلاء الموقوفين، يستثني القانون من العفو جرائم القتل العمد والقصد وجرائم الإرهاب بحق المدنيين والعسكريين وقوى الأمن، لكن يمكن للمحكومين الاستفادة من تخفيض العقوبة.

رويترز
الشيخ أحمد الأسير وفضل شاكر في احتجاج ضد حكومتي سوريا وإيران في بيروت، 14 أكتوبر 2012

ووفقا للمحامي محمد صبلوح المتابع لقضية الموقوفين الإسلاميين والذي عمل مع اللجنة النيابية على إقرار قانون العفو العام، أكّد أنه "سيستفيد حوالي 57 سجينا من السجناء الإسلاميين حاليا من العفو العام أما السجناء الباقون ومنهم الشيخ أحمد الأسير الصادر بحقه حكم غير مبرم فلن يخرج من السجن الآن، فقط سيستفيد من إلغاء عقوبة الإعدام وتخفيض العقوبات،  فخروجه وفق العقوبة الحالية سيكون في مرحلة لاحقة، أي بعد حوالي 19 شهرا".

وتابع صبلوح لـ"المجلة": "ما كنا نطالب به هو عدالة انتقالية ومصالحة وطنية، إضافة إلى حل مشكلة اكتظاظ السجون، وعدم قدرة الدولة على تأمين الطبابة والغذاء الكافيين للمساجين، وأيضا حلّ المشاكل القضائية التي أوصلتنا إلى هنا، ولكن بعد مخاض طويل، وصلنا لهذه العدالة المنقوصة، كون العفو العام لن يشمل جميع الذين دفعوا ثمن مناصرتهم للثورة السورية عبر زجّهم بالسجون وتلفيق التهم وتركيب الملفات لهم. فيبدو أنّ الحقد والتعاطي مع هذا الملف بكيدية من قبل بعض المسؤولين وخصوصا (حزب الله) الذي أعلن على لسان نائبه أمين شري أنّه لا يريد لأحمد الأسير أن يخرج من السجن، أدّت إلى عدم شمول الكثير من المساجين ومنهم عشرات السجناء الإسلاميين بقرار العفو العام، لكن بالطبع سينتفعون من قرار تخفيض السنة السجنية وإلغاء قانون الإعدام".

ويكمن الظلم على حدّ تعبير صبلوح في البند الذي يتعلق بإطلاق سراح مَن أمضى أكثر من 12 سنة في التوقيف من دون حكم مبرم، مع استمرار محاكمته خارج السجن، هذا البند تمّ تفريغه من مضمونه، فقد أدخلت الهيئة العامة تعديلات أساسية على الصيغة التي خرجت من اللجان المشتركة، أبرزها خفض شرط إخلاء السبيل من 14 إلى 12 سنة سجنية، وحذف كلمة "مبرم" من المادة المعنية. وبذلك أصبح المعيار مرتبطاً بعدم صدور أي حكم بحق الموقوف، بدلاً من حصر الاستفادة بمن لم يصدر بحقه "حكم مبرم".

إذن وفقا لمراقبين، لم يقتصر إقرار القانون لرفع الظلم عمن قبعوا في السجون لسنوات دون محاكمة، أو من تمّ إجراء محاكمتهم بكيدية، بسبب مناصرتهم للثورة السورية، كما حصل مع عشرات السجناء الذين تحدثوا عن تعرضهم للتعذيب وتلفيق التهم والملفات الأمنية بسبب رأيهم السياسي، لكن المحاصصة السياسية والطائفية كانت العامل الأبرز لتمرير هذا الملف.

هناك مشكلة كبيرة سيعالجها العفو العام: عدد كبير من السجناء الذين لم تتم محاكمتهم إلى اليوم سيخرجون

وفي هذا السياق يؤكد النائب نبيل بدر والذي عمل لأشهر لإقرار هذا الملف أنّ "المجلس النيابي هو صورة عن المجتمع اللبناني، الذي يتألف من أطياف، وكل طرف يتحدث بصيغته ومصالحه. وعندما نريد تمرير أي قانون في المجلس النيابي، علينا الحصول على توافق يسمح بتمريره، وليس من الضروري الحصول على إجماع. نحن بحاجة إلى أغلبية تستطيع المساهمة في إقرار القانون... إذا كنا نحن نريد القانون والآخرون لا يريدونه، فلا يمكن أن يمر، وبالتالي علينا صياغة تحالفات. وهذا سيؤدي إلى تنازلات للوصول إلى صيغة مشتركة نستطيع من خلالها تشريع أو إقرار أي قانون... لهذه الغاية، تحالفنا مع مكوّن شيعي أساسي هو (حركة أمل)، ومكوّن مسيحي أساسي هو (القوات اللبنانية)، وذهبنا وأقررنا القانون... وما فعلناه بقانون العفو هو أننا خفضنا السنوات السجنية، وكل من هم غير محكومين سيخرجون فوراً ويكملون محاكمتهم خارج السجن".

وتابع: "ما أقررناه في المجلس النيابي أمس هو أفضل الممكن، وأخذنا 90 في المئة مما نريد، رغم جميع الحملات التي شُنت والتفخيخات التي حصلت لكي لا يُقر هذا القانون".

وأضاف بدر: "بخلاف ما يروج البعض أو يتهمنا بأننا لم نساعد الأسير أو من يشبه حالته، أو ساعدناهم جزئيا كما يقال، ما فعلناه قبل إقرار قانون العفو العام من إلغاء عقوبة الإعدام، وأزلنا اللغم الذي أضيف على العقوبة البديلة من أشغال شاقة مؤبدة إلى أشغال شاقة مؤقتة، هو إنجاز كبير، فلم يعد هناك قاض يستطيع أن يصدر حكم إعدام بحق أي موقوف اليوم، ومع تخفيض السنة السجنية للأشغال الشاقة المؤبدة إلى 17 سنة سجنية أي 12 سنة، يعني أنه مهما كان الحكم والملف الملفق لأي سجين إسلامي فلن يقضي سوى 12 عاما في السجن وجميع السجناء أمضوا هذه المدة أو يبقى لهم أشهر وسنوات قليلة، أي إن جميع السجناء الإسلاميين سيستفيدون من العفو العام".

أ.ف.ب
أهالي الموقوفين الإسلاميين خلال احتجاج يطالب بالإفراج عن ذويهم المعتقلين في بيروت، 24 أبريل 2025

وتابع بدر: "الظلم الذي لحق بالموقوفين السنّة كان عليه أن ينتهي، وعلى الجميع أن يعلم أن كل الطوائف في لبنان لوثت يديها بدم الجيش اللبناني، منذ الحرب الأهلية إلى اليوم، والطائفة السنية كانت آخرهم، ولكن من قاتلوا الجيش زجوا في السجون وتمت محاكمتهم، بخلاف أبناء الطوائف الأخرى الذين أصدر بحقهم عفو عام بعد انتهاء الحرب الأهلية، نحن الوحيدون الذين دفعنا ثمن خلافنا مع الجيش، وهذا الأمر لا ينفي أن معركة عبرا هي قرار خاطئ، وتشكيل حالة أمنية وتحميل الناس السلاح في ظل انعدام التوازن بالواقع العسكري والسياسي مع (حزب الله) يعني توريط لأهل السنة وأبناء صيدا، ولكن هذا لا يعني استمرار الظلم بحق الموقوفين وهذا ما عملنا عليه خلال الأشهر الماضية، وما حققناه هو إنجاز حقيقي".

ولفت بدر أنّ قانون العفو العام لا يلحظ معالجة اكتظاظ السجون، خصوصا أن المستفيدين من القانون لن يكون عددهم كبيرا نسبة إلى عدد المساجين، مؤكدا أنه بعد إقرار العفو العام يجب العمل على تفعيل المادة 108 من قانون العقوبات والتي تمنع التوقيف أكثر من 6 أشهر دون محاكمات، كذلك تفعيل عمل القضاء وتأمين الموارد الكافية لتحسين الجسم القضائي وهذا الأمر هو عمل وزير العدل، لكي لا نصل مجددا إلى توقيفات من دون محاكمات وبالتالي ظلم واكتظاظ بالسجون.

من جهته رأى صبلوح أنّ "هناك مشكلة كبيرة سيعالجها العفو العام: عدد كبير من السجناء الذين لم تتم محاكمتهم إلى اليوم سيخرجون، ستعالج مشكلة اكتظاظ السجون، وأيضا سيفتح الباب أمام القضاء لإعادة هيكلته وتصحيحه، ويفتح الباب أمام الأجهزة الأمنية لإعادة تدريب عناصرها على احترام حقوق الإنسان، وترميم السجون، أي معالجة الكثير من القضايا، وإن لم تقم الدولة بهذه الإصلاحات سنعود بعد عامين إلى المشكلة نفسها".

ولفت صبلوح إلى أنّ "معالجة مشاكل السجون تعود بالمنفعة للبلد وتنقذ الدولة والحكومة، ولكن هناك غصة حقيقية بسبب عدم شمول جميع المظلومين في هذا العفو، خصوصا فيما رافق إصدار الملف من كيدية وعرقلة لعدم شمول بعض الشخصيات للخروج إلى الحرية".

وهكذا، يدخل لبنان مرحلة جديدة مع أول قانون عفو عام منذ عام 1991، لكن القانون لا يغلق ملف السجون ولا ينهي الجدل حول الموقوفين. فالإفراج عن بعض السجناء قد يخفف الضغط، إلا أن استمرار التوقيفات الطويلة وبطء المحاكمات وغياب الإصلاح القضائي قد يعيد إنتاج الأزمة نفسها، حتى بعد انتهاء مفاعيل العفو.

font change