في مفارقة قانونية وسياسية لافتة، قد يجد بشار الأسد نفسه اليوم أمام معاهدة أقرّها هو نفسه قبل أربعة أعوام. ففي 29 يونيو/حزيران 2022، وقّع وزيرا العدل السوري والروسي في سان بطرسبورغ معاهدة بين البلدين لتسليم المطلوبين للملاحقة الجنائية أو لتنفيذ الأحكام القضائية. وبعد موافقة مجلس الشعب السوري، أصدر الأسد في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2022 القانون رقم 33 الذي صدّق بموجبه على المعاهدة. وصدّقت روسيا عليها لاحقا، ودخلت حيز التنفيذ في 5 يونيو/حزيران 2023.
المفارقة أن الأسد نفسه أصبح بعد سقوط نظامه في ديسمبر/كانون الأول 2024 مقيما في روسيا بعد أن منحه الرئيس فلاديمير بوتين لجوءا لـ"أسباب إنسانية"، بينما أصدرت محكمة سورية في دمشق في 11 أغسطس/آب 2026 حكما غيابيا بإعدامه بعد إدانته بجرائم بينها القتل العمد والتعذيب وجرائم ضد الإنسانية.
نظريا، تستطيع دمشق الاستناد إلى المعاهدة وتقديم طلب رسمي إلى موسكو لتسليمه، خصوصا أن المادة الثانية تنص على سريانها على طلبات تتعلق بجرائم ارتُكبت حتى قبل دخول المعاهدة حيز التنفيذ. وهكذا، فإن القانون الذي صدّق عليه الأسد عندما كان رئيسا أصبح، بعد سقوطه، أحد الأسس القانونية التي يمكن للدولة السورية الجديدة استخدامها للمطالبة بتسليمه ومحاكمته.
هل تستطيع روسيا تسليم الأسد؟
قانونيا، الطريق موجود، لكن التسليم بصورته الحالية يواجه عقبات كبيرة، فالمعاهدة نفسها تنص على رفض التسليم إذا كانت الجريمة تستوجب الإعدام، إلا إذا قدمت دمشق ضمانات تراها موسكو كافية بعدم تطبيق عقوبة الإعدام. وبالتالي، فإن الحكم الصادر بالإعدام لا يقوّي طلب التسليم بالضرورة، بل يخلق عقبة يمكن تجاوزها إذا تعهدت سوريا بعدم تنفيذ العقوبة. كما أن الحكم الغيابي يستوجب، بموجب المعاهدة، ضمان حق الشخص في إعادة النظر في الحكم بعد تسليمه.

والعقبة الأهم هي وضع الأسد في روسيا. فالمادة 464 من قانون الإجراءات الجنائية الروسي تحظر تسليم شخص مُنح اللجوء في روسيا، إذا كان اللجوء قد مُنح بسبب احتمال تعرضه للاضطهاد على أساس العرق أو الدين أو الجنسية أو الانتماء إلى فئة اجتماعية معينة أو بسبب آرائه السياسية.
لذلك لا يمكن الجزم بأن مجرد وجود الأسد تحت "اللجوء" يمنع تسليمه في جميع الظروف؛ الأمر يتوقف على الوضع القانوني الدقيق للجوء الذي منحته موسكو له وأساسه. وإذا رُفع عنه هذا الوضع، وقدمت دمشق الضمانات المطلوبة بشأن الإعدام وإعادة المحاكمة، فهناك أساس قانوني في المعاهدة يسمح لروسيا بتسليمه. لكن القرار في النهاية لن يكون قانونيا فقط؛ فالمعاهدة نفسها تمنح موسكو مجالا لرفض التسليم، إذا رأت أنه يمس سيادتها أو أمنها أو نظامها العام أو مصالحها الجوهرية.
وتنشر "المجلة" نص المرسوم الذي أصدره الأسد في أكتوبر/تشرين الأول 2022، ونص الاتفاق بين روسيا وسوريا التي وقعت في سانت بطرسبرغ في يونيو/حزيران 2022.
أصدر الرئيس بشار الأسد القانونين رقم (32) و(33) لعام 2022 المتضمنين التصديق على اتفاقية التعاون القانوني المتبادل في القضايا الجزائية مع روسيا واتفاقية تسليم المحكومين معها.
ويأتي التصديق على اتفاقية التعاون القانوني المتبادل في القضايا الجزائية، انطلاقا من حرص الحكومة السورية على تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الجريمة وملاحقة مرتكبيها، وتوفير الأدلة اللازمة لإصدار الأحكام القضائية العادلة، وبما يضمن حقوق الإنسان الأساسية وعلى أساس من العدالة والمساواة.
بينما يأتي التصديق على اتفاقية تسليم المحكومين انطلاقا من حرص الحكومة السورية على تعزيز التعاون الدولي في مكافحة الجريمة وانطلاقا من مبادئ السيادة وضرورة تنفيذ الأحكام القضائية مع المحافظة على الحقوق الأساسية للإنسان، وخاصة التواصل مع ذويه وبيئته، ولغايات التعاون بين كل من الجمهورية العربية السورية وروسيا الاتحادية.
وفيما يلي نص القانونين:
القانون رقم 32
رئيس الجمهورية
بناء على أحكام الدستور.
وعلى ما أقره مجلس الشعب في جلسته المنعقدة بتاريخ 3/ 3/ 1444ه الموافق لـ 29/ 9/ 2022.
يصدر ما يلي:
المادة (1) تصدق اتفاقية التعاون القانوني المتبادل في القضايا الجزائية الموقعة في بطرسبورغ بتاريخ 29/ 6/ 2022 من قبل وزير العدل نيابة عن حكومة الجمهورية العربية السورية ووزير العدل نيابة عن حكومة روسيا الاتحادية.

المادة (2) ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية.
دمشق في 21/ 3/ 1444ه الموافق 17/ 10/ 2022 ميلادي.
رئيس الجمهورية
بشار الأسد
القانون رقم 33
رئيس الجمهورية
بناء على أحكام الدستور.
وعلى ما أقره مجلس الشعب في جلسته المنعقدة بتاريخ 3/ 3/ 1444 هجري الموافق 29/ 9/ 2022.
يصدر ما يلي:
المادة (1) تصدق اتفاقية تسليم المحكومين الموقعة في بطرسبورغ بتاريخ 29/ 6/ 2022 من قبل وزير العدل نيابة عن حكومة الجمهورية العربية السورية ووزير العدل نيابة عن حكومة روسيا الاتحادية.
المادة (2) ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية.
دمشق في 21/ 3/ 1444 هجري الموافق لـ 17/ 10/ 2022
رئيس الجمهورية
بشار الأسد
معاهدة في شأن تسليم المطلوبين بين الاتحاد الروسي والجمهورية العربية السورية
سان بطرسبورغ، 29 يونيو/حزيران 2022
إن الاتحاد الروسي والجمهورية العربية السورية، المشار إليهما فيما بعد بـ"الطرفين" رغبة منهما في ضمان تعاون أكثر فعالية بين الدولتين في مجال مكافحة الجريمة، وسعيا إلى تعزيز العلاقات بين الدولتين في مجال تسليم المطلوبين من خلال إبرام هذه المعاهدة، واستنادا إلى مبادئ السيادة والمساواة والمعاملة بالمثل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لكل منهما، قد اتفقا على ما يلي:



