سردية إنقاذ "فلاي دبي"... تسييس سريع في إسرائيل لحادث غامض

هل يكفي الخطاب الأمني لإنقاذ نتنياهو؟

أ.ف.ب
أ.ف.ب
طائرة بوينغ 737 ماكس 8 التابعة لفلاي دبي أثناء هبوطها في مطار بن غوريون بإسرائيل

سردية إنقاذ "فلاي دبي"... تسييس سريع في إسرائيل لحادث غامض

وصل يانيف حايون إلى إسرائيل والدماء تلطخ قميصه الأبيض، ومعه تفسير استثنائي لكيفية مساعدته في استعادة استقرار طائرة ركاب. حيث كان يشاهد برنامج "تحقيقات الكوارث الجوية". وبحسب روايته، دخل قمرة القيادة، وشل حركة الطيار المهاجم، وسحب مقود الطائرة إلى الخلف قبل أن يتولى طيار آخر القيادة. وبعد ساعات، كان يروي ما جرى لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو في مطار بن غوريون.

أظهر ذلك اللقاء مدى السرعة التي تحولت بها حالة طوارئ إلى قضية وطنية، ثم مدى السرعة التي تحولت بها تلك القضية إلى مادة انتخابية.

في 30 سبتمبر/أيلول، غيرت رحلة "فلاي دبي-FZ1073"، المتجهة من دبي إلى تل أبيب، مسارها إلى السعودية بعد اندلاع أعمال عنف في قمرة القيادة. ويقول مسؤولون إسرائيليون إن مساعد الطيار طعن القبطان وحاول إسقاط الطائرة. ووصف ركاب انحدارا مرعبا للطائرة قبل أن يتدخلوا إلى جانب أفراد من طاقم الشركة، لتهبط الطائرة بسلام في تبوك بالسعودية. وعاد الركاب البالغ عددهم 174، ومن بينهم عشرات الأطفال، إلى إسرائيل مساء ذلك اليوم.

لا تزال جوانب كثيرة من الحادث من دون حسم. فقد أكدت "فلاي دبي" وقوع مواجهة في قمرة القيادة، لكنها قالت إن أسبابها ودوافعها لا تزال مجهولة. وعلقت الشركة خلال الليل رحلاتها من إسرائيل وإليها مع استمرار التحقيق. وقال نتنياهو إن الإمارات العربية المتحدة وافقت على مشاركة إسرائيل في التحقيق، مقرا في الوقت نفسه بعدم ثبوت أي دور لإيران أو صلة بالتهديدات التي سبقت الانتخابات الإسرائيلية.

وتكتسب السرعة التي جرى بها تأطير الحادث سياسيا أهمية خاصة. تصوت إسرائيل في 27 أكتوبر/تشرين الأول في أول انتخابات وطنية منذ الهجوم الذي قادته "حماس" في 7 أكتوبر 2023. ويهيمن الأمن على الحملة، لكن نتنياهو لم يعد يحتكر هذه القضية كما كان في السابق. ولا تمنح استطلاعات الرأي أي معسكر مسارا سهلا إلى أغلبية حاكمة، فيما يتخلف ائتلافه عن الأحزاب المناهضة لنتنياهو في مجمل الاستطلاعات.

تمنح واقعة "فلاي دبي" نتنياهو صورة سياسية قوية: إسرائيليون يتعرضون للهجوم مجددا، وأعداء يختبرون مواطن الضعف، ورئيس وزراء مخضرم يحذر البلاد من مغبة التراخي. وفي الوقت نفسه، كانت شجاعة الإسرائيليين العاديين على متن الطائرة، لا استعداد الدولة، هي التي برزت مرة أخرى في ذلك اليوم المروع.

تمنح واقعة "فلاي دبي" نتنياهو صورة سياسية قوية: إسرائيليون يتعرضون للهجوم مجددا، وأعداء يختبرون مواطن الضعف، ورئيس وزراء مخضرم يحذر البلاد من مغبة التراخي


حين التقى التحذير بحالة طوارئ

جاء الحادث في توقيت بالغ الحساسية ومشحون سياسيا. فقبل الواقعة بيوم، حذر نتنياهو في قاعدة جوية جنوب إسرائيل من احتمال أن يحاول أعداء إسرائيل شن هجوم قبل انتخابات 27 أكتوبر، وحذر من "العبث" بإسرائيل. وطلب زعيم المعارضة يائير لابيد إحاطة أمنية عاجلة، ثم اعترض على الإيحاء بأن الهجوم داخل قمرة القيادة أثبت صحة تحذير رئيس الوزراء.

ربط حلفاء نتنياهو بين الحدثين. ورد لابيد بأن الإحاطة التي تلقاها لم تتضمن شيئا يشبه من قريب أو بعيد حادث الطائرة. وقال مسؤول سياسي إسرائيلي، في المقابل، إن لابيد أبلغ بزيادة كبيرة في التهديدات التي تستهدف الإسرائيليين في الخارج. وسرعان ما تجاوز الخلاف ما جرى على متن الطائرة إلى سؤالين آخرين: من أدرك الخطر، ومن يستغله سياسيا؟

هذه أرضية انتخابية مواتية لنتنياهو. فقد قام طرحه السياسي الراسخ على أن الخبرة واليقظة لا غنى عنهما في منطقة معادية. ولا تقوم معادلته الأساسية للفوز بالانتخابات على أن يكون محبوبا، بل على تقديم نفسه بوصفه القائد الوحيد في إسرائيل القادر على صد التهديدات الكثيرة التي تواجهها البلاد. وقد أربك 7 أكتوبر هذه الرواية بلا شك، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي تجنب تحمل مسؤولية إخفاق 2023، وأصر في الوقت نفسه على أن إسرائيل استعادت عافيتها منذ ذلك الحين وأعادت تشكيل بيئتها الأمنية بما يخدم مصالحها.

وقد يعزز هجوم مخيف على رحلة متجهة إلى إسرائيل، والحديث عن احتمال وقوع "11 سبتمبر إسرائيلي"، أولوية الأمن في الحملة الانتخابية. لكنه لن يمحو حقيقة أن سرعة تحرك الركاب والطاقم هي التي أنقذت الطائرة. وبصرف النظر عما إذا كان تحذير ما قد وصل إلى مكتب نتنياهو أم لا، لم تكن الدولة هي التي أنقذت الموقف.

أ.ف.ب
أُشيد بالطيار الهندي سميت ماتشار، قائد رحلة فلاي دبي FZ1073، كبطل بعد مساهمته في إحباط محاولة مزعومة لمساعد الطيار لإسقاط طائرة كانت متجهة من دبي إلى تل أبيب، ما اضطرها إلى الهبوط الاضطراري

 

وقد يعزز هجوم مخيف على رحلة متجهة إلى إسرائيل، والحديث عن احتمال وقوع "11 سبتمبر إسرائيلي"، أولوية الأمن في الحملة الانتخابية. لكنه لن يمحو حقيقة أن سرعة تحرك الركاب والطاقم هي التي أنقذت الطائرة

من يملك سردية الإنقاذ؟

تركز أكثر الروايات لفتا للانتباه في إسرائيل على الأشخاص الذين كانوا داخل الطائرة. فقد وصف حايون كيف اشتبك جسديا مع المهاجم. وأفادت تقارير بأن طبيب الأسنان شوتا موساييف ساعد في تقييده وعالج القبطان المصاب. كما أشاد نتنياهو علنا بشجاعة الطيار الهندي المصاب سوميت ماتشار.

ترسم هذه الروايات صورة لأشخاص استعادوا زمام المبادرة بعد لحظات من الرعب: ركاب واجهوا وضعا يكاد يستحيل تصوره، ثم وجدوا سبيلا للنجاة من موت محقق. ويساعد ذلك في تفسير تركيز التغطية الإعلامية إلى هذا الحد على شجاعة الأفراد أكثر من السياسة المحيطة بالحادث.

لكن من السابق لأوانه تحويل الواقعة إلى رواية مبسطة عن مدنيين نجحوا حيث أخفقت الدولة. فقد وقعت حالة الطوارئ خارج إسرائيل، على متن طائرة تشغلها شركة أجنبية. وتنسب "فلاي دبي" الفضل في تأمين الطائرة والهبوط بها بسلام إلى أفراد من طواقمها المسافرين على متن الرحلة. وتضيف شهادات الركاب تفاصيل مهمة، لكن لا يزال على المحققين تحديد التسلسل الدقيق للأحداث.

يجعل هذا التمييز القراءة السياسية أكثر تعقيدا. يستطيع نتنياهو أن يربط نفسه برواية الإنقاذ من خلال استقبال الناجين وتكريم من تدخلوا، فيما يستطيع خصومه الاحتفاء بالأشخاص أنفسهم من دون تبني حجته الأمنية الأوسع.

كما أن التغطية الأولية لا تكشف كيف ينظر الناخبون الإسرائيليون عموما إلى الحادث. وتظهر في ردود الفعل العلنية اتجاهات عدة: الفخر بالركاب، والامتنان للقبطان، ومخاوف بشأن أمن الطيران، ونزاع حزبي اندلع على الفور. وسيكون من السابق لأوانه القول إن الواقعة غيرت نيات التصويت.

التغطية الأولية لا تكشف كيف ينظر الناخبون الإسرائيليون عموما إلى الحادث. وتظهر في ردود الفعل العلنية اتجاهات عدة: الفخر بالركاب، والامتنان للقبطان، ومخاوف بشأن أمن الطيران، ونزاع حزبي اندلع على الفور

العلاقة الثنائية

تتجاوز أهمية "فلاي دبي" هذه الرحلة وحدها. فقد أصبحت رحلاتها إلى تل أبيب تجسيدا عمليا لاتفاقات أبراهام، إذ تحول التطبيع إلى تجربة ملموسة عبر العطلات ورحلات الأعمال والاتصال بالعالم الأوسع. وظلت الشركة حلقة وصل مهمة في فترات أوقفت خلالها شركات طيران أجنبية أخرى رحلاتها إلى إسرائيل.

يجعل هذا التاريخ تعليق الرحلات تطورا ذا تبعات مهمة. فالعلاقة التي اعتاد كثير من الإسرائيليين النظر إليها بوصفها موثوقة أصبحت فجأة مصدرا للقلق.

كشف الرد الإسرائيلي الأولي عن أولويات متباينة. فقد دعت وزيرة النقل ميري ريغيف إلى تعليق رحلات "فلاي دبي" فورا. وشدد مسؤولون إسرائيليون آخرون على الثقة بالجانب الإماراتي، فيما دعا السفير الإسرائيلي السابق لدى الإمارات أمير حايك إلى ضبط النفس وإتاحة المجال للتحقيق.

قدم الناجون شيئا أقل حزبية وأكثر اقناعا: رواية عن أشخاص، إسرائيليين وغير إسرائيليين، عملوا معا حين بدأت الطائرة تهوي


ستكون الطريقة التي تدير بها إسرائيل والإمارات هذه الأزمة مهمة لمستقبل العلاقة بينهما. وبالنسبة إلى الإمارات، يعد التدقيق العلني في أمن مطار دبي، وهو مركز عالمي للنقل يسهم في ترسيخ مكانة البلاد دوليا، مسألة شديدة الحساسية. وإذا بالغت إسرائيل في إبراز المخاوف بشأن كيفية وقوع الحادث، أو بشأن ثغرات أمنية أوسع داخل المطار، فقد يفضي ذلك إلى احتكاك دبلوماسي كبير.

كانت العلاقات بين البلدين قد شهدت اضطرابا بالفعل بعد تقارير قالت إن رئيس الإمارات محمد بن زايد آل نهيان حذر نتنياهو قبل 7 أكتوبر. وفي وقت لاحق، وبعد زيارة لرئيس الوزراء الإسرائيلي إلى الإمارات، زعمت تقارير أن نتنياهو طلب من الإمارات تحديدا نفي تلك التقارير. وتكتسب هذه المسألة حساسية شديدة مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، ولا سيما أن التصويت سيعتمد إلى حد كبير على كيفية تقييم الإسرائيليين لسجل نتنياهو فيما يتعلق بـ7 أكتوبر وما تلاه.

أما في إسرائيل، فمن المرجح في الوقت الراهن أن تزيد الواقعة حدة السجالات القائمة أكثر مما تحسمها. فلدى نتنياهو مثال درامي جديد على مدى انكشاف إسرائيل أمام التهديدات، وعلى الحاجة، وفق طرحه، إلى قائد قوي يعطي الأمن أولوية. ولدى خصومه سبب آخر للتشكيك في هذا الطرح وفي سجله. أما الناجون فقدموا شيئا أقل حزبية وأكثر إقناعا: رواية عن أشخاص، إسرائيليين وغير إسرائيليين، عملوا معا حين بدأت الطائرة تهوي.

font change