هل تعيد إسرائيل النظر في مقاربتها تجاه لبنان؟

يكتسب التنسيق الأمني العملي بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني أهمية جوهرية

رويترز
رويترز
جندي لبناني يستخدم هاتفه لالتقاط صورة للدخان المتصاعد من مبنى في زوطر الشرقية أثناء وقوفه في بلدة زوطر الغربية المجاورة بجنوب لبنان، في 22 سبتمبر 2026

هل تعيد إسرائيل النظر في مقاربتها تجاه لبنان؟

في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول، يتوجه الناخبون الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع لاختيار حكومة جديدة، في انتخابات يترقبها باهتمام بالغ جيران إسرائيل، وفي مقدمتهم القادة السياسيون في لبنان وقواعدهم الشعبية.

ويأمل كثيرون منهم أن تحمل نتائجها حكومة إسرائيلية مستعدة للانخراط بجدية في البحث عن سبل للتعاون والحوار الثنائي، وصولا إلى حلول بنّاءة توازن بين أمن إسرائيل وسيادة لبنان، وهو ما لا يلمسون أي استعداد له لدى الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي لا يرون فيها رغبة في التعاون أو المصالحة.

في الواقع، ورغم المساعي الأميركية للتوصل إلى وقف لإطلاق النار وإرساء إطار دبلوماسي يتيح التعاون الميداني، لا تزال أعمال العنف مستمرة، ولا يزال كل طرف يتحدث من دون أن يصغي إلى الآخر. وقد أُرجئت المحادثات المباشرة التي كان يفترض أن تُعقد بوساطة أميركية. ومع انشغال واشنطن بتحديات كثيرة، من الذكاء الاصطناعي إلى إيران، يبدو أن الرئيس الأميركي لا يستطيع تكريس اهتمامه ونفوذه بالقدر اللازم لدفع إسرائيل ولبنان نحو حل.

فإسرائيل تسعى إلى إيصال رسالة واضحة مفادها أن ستة عقود من التهديدات الأمنية التي كانت تنطلق من الأراضي اللبنانية على أيدي جهات غير حكومية قد انتهت. وفي هذا السياق، تشن حملة عسكرية أحادية الجانب ضد "حزب الله"، من دون أن تتوقع أو تطلب أي تعاون رسمي من الجانب اللبناني.

وفي الوقت نفسه، تُلحق دمارا واسعا بنحو 66 قرية في جنوب لبنان، وتحول دون عودة المدنيين اللبنانيين إلى منازلهم الواقعة داخل المنطقة العازلة التي أقامتها، فيما تتعهد بمواصلة احتلالها إلى أن يُجرّد "حزب الله" من سلاحه في مختلف أنحاء لبنان. وفي الوقت الراهن، يدعو الوزير في الحكومة الإسرائيلية بتسلئيل سموتريتش إلى ضم أراض لبنانية.

أ.ف.ب
تُظهر الصورة الملتقطة من قرية "الحنية" في جنوب لبنان، تصاعد الدخان من موقع سلسلة من التفجيرات التي نفذتها إسرائيل في قرية "المنصوري" المجاورة، في 28 سبتمبر 2026

في المقابل، يطرح لبنان إبرام اتفاق أمني ثنائي مع إسرائيل ينهي 78 عاما من العداء الرسمي، ويعيد إحياء التعاون الأمني والعسكري العملي الذي أتاحته اتفاقية الهدنة بين البلدين من عام 1949 حتى عام 1967. ويرى لبنان في آلية "المناطق التجريبية" التي صاغتها الولايات المتحدة سبيلا إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من أراضيه، وإلى تمكين السكان على جانبي "الخط الأزرق" من العيش بلا خوف من العنف عبر الحدود. وقد تمهد الآلية لمحادثات سلام رسمية إذا سمحت الظروف الإقليمية.

غير أن قلة من الإسرائيليين تثق بقدرة الحكومة اللبنانية أو الجيش اللبناني على منع "حزب الله" من شن هجمات تهدد أمن إسرائيل، ولا أحد تقريبا في حكومتها الحالية يشاركها هذا الرهان. وتشمل الهجمات المحتملة عمليات عبر الحدود تستهدف شمال إسرائيل، أو إطلاق صواريخ وقذائف من مناطق مختلفة في لبنان. وفي ظل تداعيات السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، التي قد تستمر عقودا، يميل الإسرائيليون إلى الاعتماد حصرا على العمل العسكري الأحادي لتحييد الجماعات المعادية غير التابعة للدول.

وتغذي المنافسة الانتخابية الراهنة هذا الميل، إذ يسعى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تقديم نفسه للإسرائيليين بوصفه الوحيد القادر على حمايتهم من التهديدات الإقليمية المتعددة.

في أفضل الأحوال، ستمنح الحكومة الإسرائيلية الجديدة نفسها بعض الوقت لاستكشاف بدائل للنهج القائم؛ ذلك أن هذا النهج لن يفضي إلى القضاء على "حزب الله" عسكريا

وفي لبنان أيضا، لا تلقى فكرة الزج بالجيش في مواجهة عسكرية مع "حزب الله" تأييدا إلا لدى قلة من اللبنانيين، والحكومة الحالية ليست من بينهم بالتأكيد. ويسعى القادة اللبنانيون الحاليون بجدية إلى حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بيد الدولة، وهي مساعٍ تستند إلى مبررات جوهرية، إذ يرهن هؤلاء القادة تحول لبنان إلى بيئة آمنة للاستثمارات الأجنبية بتحقيق هذه الخطوة، والتي من دونها سيبقى التعافي الاقتصادي للبلاد مؤجلا إلى أجل غير مسمى. لكن ترسيخ سيادة الدولة كاملة يصطدم بإرث عقود بسطت خلالها إيران نفوذها على جانب من القرار اللبناني، عبر قيادات "حزب الله" وطبقة سياسية فاسدة وخاضعة لها. فرغم الضربات القاسية التي وجهها الجيش الإسرائيلي إلى "الحزب"، لا يزال الأخير يحتفظ بقدرات عسكرية كبيرة.

كما أن هيمنته على الحياة السياسية لعقود، من دون منافسة تذكر، أبقت في مواقع المسؤولية عددا كبيرا ممن يدينون بمناصبهم لحزب يعمل خارج سلطة الدولة ويخضع بدوره للقيادة الإيرانية.

أ.ف.ب
يلوّح أنصار"حزب الله" بأعلام الجماعة خلال مراسم أقيمت لإحياء الذكرى الثانية لمقتل زعيمها حسن نصر الله في غارة شنتها إسرائيل في الضاحية الجنوبية لبيروت، 27 سبتمبر 2026

وبقراره إطلاق النار على شمال إسرائيل، غداة الفظائع التي ارتكبتها "حماس" في أكتوبر/تشرين الأول 2023، عرّض "حزب الله" نفسه وأنصاره اللبنانيين لخطر الرد العسكري الإسرائيلي. واليوم، يصعب العثور في لبنان على من يؤمن حقا بأن سلاح "الحزب" يحميه من إسرائيل. فقد بات واضحا أن هذا السلاح يستجلب العمليات العسكرية الإسرائيلية، وأن كلفتها تتجاوز خسائر "الحزب" العسكرية إلى قتل المدنيين وإصابتهم وترويعهم وتهجيرهم، وتدمير ممتلكاتهم والبنية التحتية العامة على نطاق واسع.

ويسود في لبنان اعتقاد بأن إسرائيل تفتقر إلى "الذكاء" في إدارة عملياتها، إذ لا تسعى إلى كسب تعاون اللبنانيين، مع أنه سيكون ضروريا لإحلال السلام في نهاية المطاف. ومع ذلك، يبقى "حزب الله"، بتوجيه من إيران، مسؤولا عن إلحاق معاناة هائلة بقاعدته الشعبية، من دون أن يملك القدرة على وقفها أو حتى تخفيفها.

ولا يزال بعض أبناء القاعدة الشعبية الشيعية لـ"حزب الله" يجدون مبررا لبقاء سلاحه، حتى من يعارضون منهم خضوع قيادته العليا لإيران. ففي نظام لبنان الطائفي، منح "الحزب" على مدى سنوات قوة ونفوذا لشريحة يغلب عليها التهميش السياسي والاقتصادي، وطالما أهملتها النخبة السياسية والحكومات المتعاقبة.

وقد تعهد الرئيس جوزيف عون بأن تتولى الدولة الحماية والخدمات الاجتماعية التي يوفرها "حزب الله"، لكن الوفاء بهذا التعهد يحتاج إلى وقت وموارد غير متاحة حاليا. والأهم هو إقناع غالبية الشيعة، الذين يشكلون أكبر طوائف لبنان، بأن الدولة قادرة على تلبية احتياجاتهم ولديها الإرادة لذلك.

وهكذا، تبدو إسرائيل ولبنان وكأنهما يتحركان وفق حسابات سياسية وعسكرية متباعدة إلى حد يصعب معه التوفيق بينهما. فإسرائيل، في ظل حكومتها الحالية، وربما في ظل من سيخلفها أيضا، تبدو عازمة على تحييد "حزب الله" عسكريا في الوقت الراهن. غير أن القضاء الكامل على قدراته العسكرية يستلزم، على الأرجح، عملية برية تمتد إلى ما هو أبعد بكثير من جنوب لبنان، ومع ذلك لا يبدو أن هذا الاحتمال يدفع الحكومة الإسرائيلية إلى البحث عن مسارات دبلوماسية. في المقابل، يرى لبنان، أو على الأقل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الحاليان، أن إنهاء عقود من الهيمنة الإيرانية الجزئية التي كرّسها "حزب الله" لن يكون أمرا سريعا، بل يحتاج إلى وقت تخوض خلاله الحكومة، في جوهر الأمر، منافسة سلمية مع "الحزب" لكسب ولاء الشيعة اللبنانيين ودعمهم، ولا سيما أولئك الذين ما زالوا يرون في بقاء سلاحه أمرا مرغوبا فيه، وربما ضروريا.

في أفضل الأحوال، ستمنح الحكومة الإسرائيلية الجديدة نفسها، على الأقل، بعض الوقت لاستكشاف بدائل للنهج القائم؛ ذلك أن هذا النهج لن يفضي إلى القضاء على "حزب الله" عسكريا، ولن يمنح القادة اللبنانيين المجال السياسي اللازم للانخراط بجدية في مسار التعاون والسلام، بل سينتهي إلى دمار لا ضرورة له، وقد يدفع إلى عزل أكبر مكوّن طائفي في لبنان بصورة دائمة.

نجاح لبنان في منافسة "حزب الله" وإنهاء التدخل الإيراني في شؤونه الداخلية يتطلب توفير الموارد اللازمة لذلك

ومن المؤكد أن أي حكومة إسرائيلية لن تقبل بتعريض أمن سكان الشمال للخطر، وهم الذين كانوا ضحايا هجمات "حزب الله" في أكتوبر/تشرين الأول 2023، ولا ينبغي لها أن تفعل. لكن ذلك لا يمنع دراسة بدائل أخرى، من بينها ما يلي:

مواصلة التأكيد، في المحادثات المقبلة كما في التصريحات العلنية، على أن إسرائيل لا تطمع في أي أراض لبنانية، وأن احتلال قواتها لمنطقة عازلة داخل لبنان ليس وضعا دائما من وجهة نظرها، وأنها مستعدة للسماح للمدنيين اللبنانيين بالعودة إلى منازلهم، متى توافرت ظروف تتماشى مع أمن الإسرائيليين.

وقف تدمير ممتلكات المدنيين، والالتزام بقواعد الاشتباك التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي، والتي وُضعت أساسا للحد من الخسائر في صفوف المدنيين.

ينبغي منح الحكومة اللبنانية المساحة والمصداقية اللازمتين لخوض منافسة سياسية فعالة مع "حزب الله"، مع التركيز على جنوب لبنان وأمن "الخط الأزرق". كما ينبغي أن لا يكون انسحاب القوات البرية الإسرائيلية من لبنان مشروطا بنزع سلاح "حزب الله" بالكامل، بل بتوافر ظروف في جنوب لبنان تضمن أمن سكان شمال إسرائيل. وفي المرحلة الراهنة، يكتسب التنسيق الأمني العملي بين الجيشين الإسرائيلي واللبناني أهمية جوهرية، لضمان عدم تمكّن "حزب الله" من إعادة ترسيخ وجوده في الجنوب.

أ.ف.ب
أعضاء الوفد الإسرائيلي والأميركي، بينهم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي مردخاي ماكليف، في الناقورة جنوبي لبنان لتوقيع الاتفاقية مع لبنان كجزء من اتفاقيات الهدنة لإنهاء الحرب العربية الإسرائيلية، في 23 مارس 1949

في حال إنهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، ينبغي دعم نشر وحدات عسكرية من دول مستعدة لمساندة الجيش اللبناني في جنوب لبنان، على أن تكون هذه الوحدات مجهزة بقدرات تستجيب للاحتياجات الإنسانية وتواكب المراحل الأولى من إعادة الإعمار، بما في ذلك وحدات الهندسة، والخدمات الطبية العسكرية، والنقل، والإمداد والتموين، والاتصالات، والشرطة العسكرية، وغيرها. كما يمكن أن تضطلع هذه الوحدات بدور محوري في التحقق من خلو "المناطق النموذجية"، التي ينقل الجيش الإسرائيلي السيطرة عليها إلى الجيش اللبناني، من أي عناصر مسلحة تابعة لـ"حزب الله".

وأخيرا، فإن نجاح لبنان في منافسة "حزب الله" وإنهاء التدخل الإيراني في شؤونه الداخلية يتطلب توفير الموارد اللازمة لذلك. فإذا رأى الشيعة اللبنانيون أن المملكة العربية السعودية وأطرافا أخرى تمول وتشرف على مشاريع تستهدف وجود دولة لبنانية حقيقية بدلا من "دويلة" "حزب الله"، ولاحظوا في الوقت نفسه أن سائر اللبنانيين يؤيدون هذا الدعم، فقد يسهم ذلك في تبديد جانب من الاحتقان الطائفي الذي يقف عائقا أمام قيام الدولة اللبنانية.

بل إن هذا الدعم، إلى جانب استمرار الدور الأميركي في تيسير المحادثات المباشرة وتعزيز قدرات الجيش اللبناني، قد يساعد الحكومة اللبنانية المقبلة على التفكير بصورة بناءة في أفضل السبل للجمع بين متطلباتها الأمنية وسيادة لبنان، وصولا ربما إلى قناعة مفادها أن تحقيق أحدهما لا يمكن أن يكون على حساب الآخر.

* يشغل السفير فريدريك سي. هوف منصب زميل بارز في مركز بارد كوليدج للمشاركة المدنية.

font change

مقالات ذات صلة