إسرائيل في لبنان... هل تخدم الحرب هدف السلام؟

هدف تل أبيب تحقيق أهدافها وفق نموذج الحرب الصناعية بين الدول

Axel Rangel Garcia
Axel Rangel Garcia

إسرائيل في لبنان... هل تخدم الحرب هدف السلام؟

خلال اجتماعه الأخير في البيت الأبيض مع الرئيس دونالد ترمب، قال الرئيس اللبناني جوزيف عون، في معرض حديثه عن الخسائر الفادحة في صفوف المدنيين والدمار الواسع الذي لحق بالممتلكات، إن إسرائيل لا "تقاتل بذكاء" في لبنان. وفي نظر عون، يبدأ "القتال بذكاء" من الناس المرتبطين بساحة المعركة وينتهي عندهم.

ولا ينفرد عون بهذا الرأي. ففي هذا النوع من الحروب، كتلك الدائرة بين إسرائيل و"حزب الله" في جنوب لبنان، يمثل الناس مركز الثقل، لا المدن ولا التلال ولا حتى القوة العسكرية للخصم. والهدف الأهم هو كسب ولائهم ودعمهم، أو ضمان تعاونهم في الحد الأدنى. وتسعى إسرائيل إلى إنهاء التهديدات الأمنية التي تفرضها الجهات المسلحة من غير الدول في لبنان، وهي تهديدات استمرت قرابة ستة عقود. لكن هل تستطيع بلوغ هذا الهدف فيما تنفر الشيعة اللبنانيين على نطاق واسع، وربما بصورة دائمة ومتعمدة؟ فالشيعة يشكلون أكثر من 40 في المئة من سكان لبنان، ويمثلون الثقل الديموغرافي الأكبر في جنوبه.

منذ 2 مارس/آذار 2026، حين أمرت إيران وكيلها "حزب الله" بإطلاق الصواريخ والقذائف باتجاه إسرائيل، أدى الرد العسكري الإسرائيلي إلى تهجير أكثر من مليون لبناني شيعي من منازلهم. واليوم، لم يعد كثير من المنازل التي تركوها وراءهم في جنوب لبنان قائما. وتنتقل قوات الدفاع الإسرائيلية من قرية إلى أخرى، مدمرة كل شيء، بما في ذلك بساتين الزيتون العتيقة والمقابر، فيما يؤكد وزراء في الحكومة الإسرائيلية أن "منطقة عازلة" في لبنان ستظل خاضعة للاحتلال إلى أجل غير مسمى، وأن السكان اللبنانيين لن يسمح لهم بالعودة إليها.

ويبدو أن استراتيجية قوات الدفاع الإسرائيلية وتكتيكاتها تنطلقان من تقدير أن عناصر "حزب الله" المسلحة لا تستطيع العمل بفاعلية من دون بيئة سكانية داعمة ومتعاونة. فإذا أفرغت المنطقة من سكانها، ودمرت بنيتها التحتية، وسويت منازلها وبساتينها بالأرض، غدا عناصر الحزب مكشوفين وعرضة للاستهداف المباشر إذا حاولوا عبور الحدود إلى إسرائيل أو إطلاق النار مباشرة من لبنان على المباني الإسرائيلية المحاذية لـ"الخط الأزرق".

وعلى الرغم من تأكيد إسرائيل أنها لا تطالب بأي جزء من الأراضي اللبنانية، فمن الواضح أنها تعتزم إبقاء جزء كبير من جنوب لبنان تحت احتلالها العسكري، إلى أن تقتنع بزوال تهديد "حزب الله" لأمنها عبر حدودها الشمالية، أو إلى أن يجرد "الحزب" من سلاحه. وقد استخدم مهندسو قوات الدفاع الإسرائيلية، داخل المنطقة العازلة وخارجها، معدات ثقيلة ومتفجرات شديدة القوة لتحويل مناطق كانت مأهولة بالسكان إلى أراض غير صالحة للحياة.

لعل الحكومة الإسرائيلية تعتقد أنها تقاتل بالفعل بذكاء في لبنان، ويبدو من استطلاعات الرأي أن معظم الإسرائيليين يشاركونها هذا الاعتقاد. لكن هل تقاتل بذكاء حقا؟

وتناول الرئيس دونالد ترمب علنا جانبا آخر من أساليب قوات الدفاع الإسرائيلية في لبنان، إذ وبخ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب هدم المباني السكنية وقتل المدنيين وجرحهم وترويعهم من أجل تحييد عدد محدود من عناصر "حزب الله". وتؤكد إسرائيل، كما تفعل في غزة، أنها تسعى إلى تقليل الخسائر في صفوف المدنيين من خلال تقديرات قانونية تفحص مدى تناسب الضرر المتوقع بالمدنيين مع القيمة العسكرية للهدف المراد استهدافه.

ولا شك في أن قوات الدفاع الإسرائيلية قتلت في لبنان عددا من عناصر "حزب الله" المكروهين، ممن يضاهون عناصر "حماس" في غزة تعطشا إلى الدم اليهودي. غير أن كثيرين من اللبنانيين، وليس الشيعة وحدهم، يرون في نزعة قوات الدفاع الإسرائيلية إلى الهدم، وفي ما يعتبرونه لامبالاة بالخسائر بين المدنيين، استبدالا للعقاب الجماعي بالضرورة العسكرية.

وأخيرا، نشر سفير إسرائيل في واشنطن يحيئيل لايتر تسجيلا مصورا سعى فيه إلى طمأنة الشيعة اللبنانيين إلى أن إسرائيل لا تعتبرهم، كجماعة، أعداء لها. وقال إن إسرائيل والشيعة اللبنانيين يتقاسمون عدوين هما إيران و"حزب الله"، وأنهما يتحملان المسؤولية عن مقتل المدنيين وتدمير ممتلكاتهم.

وسيوافق كثير من اللبنانيين، بمن فيهم الشيعة، وربما هم على وجه الخصوص، لايتر في أن أمر طهران "حزب الله" بإطلاق النار على إسرائيل في 2 مارس/آذار 2026 أطلق شرارة كارثة إنسانية. وتشير الروايات كافة إلى أن انكشاف ولاء قيادة "حزب الله" لإيران بصورة لا لبس فيها أدى إلى تراجع كبير في شعبية "الحزب" بين الشيعة اللبنانيين.

أ.ف.ب
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض في واشنطن العاصمة، في 28 يوليو 2026

غير أن نهج الأرض المحروقة الذي طبع الرد الإسرائيلي منذ 2 مارس/آذار ترك أثرا عميقا في نفوس اللبنانيين جميعا، ومنح إيران ووكلاءها قدرا من الوقت والمهلة أمام محكمة الرأي العام الشيعي. ولم تبدأ شعبية "حزب الله" في التراجع مجددا إلا في الآونة الأخيرة، عقب الزيارة اللافتة التي قام بها الرئيس عون إلى واشنطن.

ولا بد أن تجد كلمات لايتر المشجعة والمطمئنة ما يؤكدها على الأرض إذا أريد لها أن تحقق هدفها المفترض، أي إبعاد الشيعة عن "حزب الله" ودعم التعاون الأمني بين الجيش اللبناني وقوات الدفاع الإسرائيلية. فالنازحون اللبنانيون يتوقون إلى العودة إلى منازلهم والشروع في إعادة البناء قبل حلول الشتاء. نعم، سيكون بين العائدين من لا يزال يرى في "حزب الله" المقاومة اللبنانية المشروعة والممثل الشرعي لطائفة لم يكن مصيرها موضع اهتمام يذكر لدى السلطنة العثمانية أو الانتداب الفرنسي أو- حتى وقت قريب- الدولة اللبنانية المستقلة. غير أن الشعور الطاغي بين الراغبين في العودة يمكن اختصاره بكلمة واحدة: "كفى". لا مزيد من الحروب. وليس مستغربا أن يتطلع سكان جنوب لبنان إلى العيش بأمان وكرامة، وهي الرغبة ذاتها التي تراود الإسرائيليين المقيمين على الجانب الآخر من الخط الأزرق.

ولعل الحكومة الإسرائيلية تعتقد أنها تقاتل بالفعل بذكاء في لبنان، ويبدو من استطلاعات الرأي أن معظم الإسرائيليين يشاركونها هذا الاعتقاد. لكن هل تقاتل بذكاء حقا؟ وهل يخدم التدمير المنهجي للممتلكات وما ينظر إليه على أنه لامبالاة بالخسائر في صفوف المدنيين هدف إسرائيل السياسي في لبنان؟

أما الهدف الإسرائيلي الأكثر تداولا فطبيعته عسكرية، ويبدو أنه يقوم على تدمير قدرات "حزب الله" العسكرية، أي تحقيق النصر وفق نموذج الحرب الصناعية بين الدول. ويفترض أن يؤدي القضاء على "الحزب" عسكريا إلى إنهاء التهديدات الأمنية التي تنطلق من الأراضي اللبنانية ضد إسرائيل.

إقناع ملايين اللبنانيين بأن إسرائيل تعدهم أعداء، وأن حياتهم وممتلكاتهم لا تستحق الحماية، ينطوي على ضرر بالغ، ويتعارض مع الضرورة العسكرية ومع احتمال التوصل في نهاية المطاف إلى سلام رسمي مع لبنان

وقد يكون هذا الهدف قابلا للتحقيق بالفعل إذا نشرت إسرائيل قوات برية وأبقتها في نحو 20 في المئة من مساحة لبنان، حيث ينتشر الجهاز العسكري لـ"حزب الله". وتشمل هذه الرقعة، إلى جانب الجنوب، الضاحية الجنوبية لبيروت المكتظة بالسكان وسهل البقاع، سلة غذاء لبنان. غير أن الحماسة تبدو محدودة لإقحام قوات الدفاع الإسرائيلية في حملة برية قد تطول وتتكبد فيها أثمانا باهظة.

أما الهدف السياسي الأكثر قابلية للتحقيق، والذي يمكن أن يوجه الأساليب العسكرية ويضبطها، فهو تمهيد الطريق نحو السلام مع دولة لبنانية قادرة على تنفيذ ما توافق عليه على الورق. وتقوم الاستراتيجية الداعمة لهذا الهدف على مساندة جهود الدولة اللبنانية، أو على الأقل الامتناع عن تقويضها، في احتكار أسلحة الحرب وقرارات الحرب والسلم. كما تقتضي بناء تعاون أمني عملي وفعال مع الجيش اللبناني، وترسيخ القناعة لدى اللبنانيين، ولا سيما الشيعة، بأن السلام مع إسرائيل أمر مرغوب فيه ويمكن بلوغه. وما لم تكن الحرب الدائمة هي الخيار الافتراضي والمفضل، فإن أمن إسرائيل وسكان شمالها سيستفيد كثيرا من وجود دولة لبنانية قوية ومن شعور سكان الجنوب بالأمان في منازلهم.

وإذا رأت إسرائيل يوما أن مصالحها تقتضي سلاما كاملا وتطبيعا مع دولة لبنانية متماسكة وفعالة، قادرة على تأمين جانبها من الحدود بالكامل في مواجهة أي تهديد لإسرائيل، فقد تخلص إلى أنها لا تقاتل اليوم بذكاء في لبنان. فعلى الرغم من كلمات السفير لايتر المطمئنة، يشعر الشيعة بقوة بأنهم في مرمى النيران الإسرائيلية. ومع أن من مصلحة سكان جنوب لبنان أن لا يشاهدوا عناصر "حزب الله" المسلحة مرة أخرى، فإن تبدد المرارة تجاه إسرائيل سيحتاج إلى وقت. وإذا لم يقدم إليهم بديل سلمي، فقد يخلص بعضهم في المستقبل إلى أن المقاومة المسلحة هي السبيل الوحيد.

رويترز
أنقاض منزل متضرر جراء غارة جوية إسرائيلية في زوطر الغربية جنوب لبنان، عقب انتشار الجيش اللبناني في إحدى المناطق التجريبية الثلاث بعد انسحاب القوات الإسرائيلية، في 26 يوليو 2026

غير أن إسرائيل تستطيع، في المدى القريب، تحسين صورتها في لبنان والمساعدة في بناء قاعدة وطنية لبنانية مؤيدة للسلام، من دون التفريط بشيء من أمنها. ويمكنها وقف تدمير الممتلكات المدنية والبنى التحتية الحكومية، واعتماد قواعد اشتباك تقوم على مبدأ "عدم إطلاق النار إلا ردا على إطلاقه" خلال عملياتها في لبنان. كما يمكنها الأخذ بنصيحة الرئيس ترمب، وبذل جهد أكبر بكثير لحماية المدنيين اللبنانيين، والتعاون مع لبنان والولايات المتحدة في تنفيذ الإطار الثلاثي الذي اتفق عليه أخيرا.

ولا ينبغي لأحد أن ينكر حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها في مواجهة جهات مسلحة من غير الدول تتمركز في لبنان. كذلك لا ينبغي القبول بظروف تبث الرعب بين سكان شمال إسرائيل وتجبر عشرات الآلاف منهم على إخلاء منازلهم. غير أنه من المشروع التساؤل عما إذا كانت التكتيكات التي تستخدمها قوات الدفاع الإسرائيلية حاليا تندرج فعلا في إطار "القتال بذكاء"، وعما إذا كانت تخدم أهداف إسرائيل الأمنية أم تمهد لمزيد من الفوضى خلال العقود المقبلة.

إن إقناع ملايين اللبنانيين بأن إسرائيل تعدهم أعداء، وأن حياتهم وممتلكاتهم لا تستحق الحماية، ينطوي على ضرر بالغ، ويتعارض مع الضرورة العسكرية ومع احتمال التوصل في نهاية المطاف إلى سلام رسمي مع لبنان. وحتى إذا اختار القادة الإسرائيليون، لأغراض انتخابية، عدم التعاون دبلوماسيا مع لبنان والولايات المتحدة، فلا يزال في وسع إسرائيل أن تستثمر بأمان في مستقبل أفضل من خلال القتال بذكاء الآن.

font change

مقالات ذات صلة