بدأ الجيش اللبناني تنفيذ ترتيبات المناطق التجريبية التي نشأت بموجب الإطار الثلاثي الذي أبرمه لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بوساطة أميركية، في 26 يونيو/حزيران. وتشمل المرحلة الأولى ثلاث قرى موزعة على منطقتين، هي فرون وصريفا جنوب نهر الليطاني، وزوطر الغربية شماله. ويعمل الجيش اللبناني بالفعل في فرون وصريفا، كما أصدر بيانا الثلثاء أشار فيه إلى أن وحداته بدأت الانتشار في بلدة زوطر الغربية، وذلك بالتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية من الأجزاء التي تحتلها في القرية.
تهدف المناطق التجريبية إلى اختبار إمكانية استعادة السيادة اللبنانية من خلال عملية تبادلية، تنسحب بموجبها إسرائيل، ويصبح الجيش اللبناني السلطة المسلحة الوحيدة، ويمنع "حزب الله" من العودة بمقاتليه أو أسلحته أو بنيته التحتية العسكرية.
لكن هذه المواقع ليست الوحيدة التي ينتشر فيها الجيش جنوب الليطاني. فمنذ اندلاع أحدث جولة من القتال بين "حزب الله" وإسرائيل في 2 مارس/آذار، شرعت مجموعة من القرى الحدودية في منطقة العرقوب في تطوير نموذجها الخاص لترسيخ سلطة الدولة. وقد زرت المنطقة هذا الشهر، وتقدم تجربتها دروسا يمكن الاستفادة منها في مناطق أخرى من الجنوب.
تقع منطقة العرقوب في قضاء حاصبيا بمحافظة النبطية، عند سفح جبل الشيخ. ويتسم سكانها بتنوعهم الديني، إذ يشكل السنة الغالبية، إلى جانب جماعات مسيحية ودرزية وشيعية. وخلال القتال بين سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، نشط مقاتلو "حزب الله" في المنطقة بعدما فر معظم السكان. وأطلق "الحزب" صواريخ باتجاه إسرائيل من عدة قرى، فردت إسرائيل بقصف مواقع مرتبطة به. ودمرت منازل كثيرة، بينها ممتلكات لمدنيين لا صلة لهم بـ"حزب الله"، بعدما استخدم المقاتلون البيوت الخالية كمواقع للاستراحة أو منصات لإطلاق الصواريخ.
اعتمد "حزب الله" جزئيا على "سرايا المقاومة"، وهي التشكيل الذي يجند "الحزب" من خلاله مؤيدين من غير الشيعة، لتسهيل أنشطته في المنطقة. وكان الرجال المحليون الذين انضموا إليها ينحدرون غالبا من بيئات فقيرة، وينظرون إلى الانتساب إليها بوصفه أحد مصادر الدخل القليلة المتاحة. لكن ذلك لم يعن أن عموم السكان أيدوا قرار "حزب الله" فتح جبهة مع إسرائيل. بل ساد رأي مفاده أن "الحزب" فرض حربا مدمرة على مجتمعات لم تخترها ولم تستفد منها.
بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عاد السكان، الذين يبلغ عددهم نحو 50 ألف شخص في أنحاء المنطقة، وشرعوا في إصلاح المنازل المتضررة على نفقتهم الخاصة إلى حد كبير. ووعد "حزب الله" بتقديم تعويضات، لكن القلة التي قبلتها لم تحصل إلا على مبالغ زهيدة، لم تتجاوز في معظم الحالات بضع مئات من الدولارات لكل أسرة. ورفض معظم السكان تلك الأموال كليا، وحملوا "حزب الله" مسؤولية تحويل قراهم إلى ساحة معركة.
عندما أطلق "حزب الله" حملته الأخيرة في مارس/آذار 2026، عقد سكان العرقوب العزم على عدم تكرار تجربة عام 2024. وأدركوا أن إخلاء جديدا سيترك منازلهم عرضة لاستيلاء المقاتلين عليها، ويستجلب ردا إسرائيليا، وقد يتيح للقوات الإسرائيلية احتلال القرى الخالية، كما حدث في مناطق أخرى على امتداد الحدود.

