كيف يستعيد لبنان جنوبه... قرية تلو الأخرى؟

يؤكد نموذج العرقوب ضرورة دعم الدولة

رويترز
رويترز
جندي يجلس على مركبة مدرعة في قرية زوطر الغربية، جنوب لبنان عقب انسحاب القوات الإسرائيلية في 21 يوليو 2026

كيف يستعيد لبنان جنوبه... قرية تلو الأخرى؟

بدأ الجيش اللبناني تنفيذ ترتيبات المناطق التجريبية التي نشأت بموجب الإطار الثلاثي الذي أبرمه لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة، بوساطة أميركية، في 26 يونيو/حزيران. وتشمل المرحلة الأولى ثلاث قرى موزعة على منطقتين، هي فرون وصريفا جنوب نهر الليطاني، وزوطر الغربية شماله. ويعمل الجيش اللبناني بالفعل في فرون وصريفا، كما أصدر بيانا الثلثاء أشار فيه إلى أن وحداته بدأت الانتشار في بلدة زوطر الغربية، وذلك بالتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية من الأجزاء التي تحتلها في القرية.

تهدف المناطق التجريبية إلى اختبار إمكانية استعادة السيادة اللبنانية من خلال عملية تبادلية، تنسحب بموجبها إسرائيل، ويصبح الجيش اللبناني السلطة المسلحة الوحيدة، ويمنع "حزب الله" من العودة بمقاتليه أو أسلحته أو بنيته التحتية العسكرية.

لكن هذه المواقع ليست الوحيدة التي ينتشر فيها الجيش جنوب الليطاني. فمنذ اندلاع أحدث جولة من القتال بين "حزب الله" وإسرائيل في 2 مارس/آذار، شرعت مجموعة من القرى الحدودية في منطقة العرقوب في تطوير نموذجها الخاص لترسيخ سلطة الدولة. وقد زرت المنطقة هذا الشهر، وتقدم تجربتها دروسا يمكن الاستفادة منها في مناطق أخرى من الجنوب.

تقع منطقة العرقوب في قضاء حاصبيا بمحافظة النبطية، عند سفح جبل الشيخ. ويتسم سكانها بتنوعهم الديني، إذ يشكل السنة الغالبية، إلى جانب جماعات مسيحية ودرزية وشيعية. وخلال القتال بين سبتمبر/أيلول ونوفمبر/تشرين الثاني 2024، نشط مقاتلو "حزب الله" في المنطقة بعدما فر معظم السكان. وأطلق "الحزب" صواريخ باتجاه إسرائيل من عدة قرى، فردت إسرائيل بقصف مواقع مرتبطة به. ودمرت منازل كثيرة، بينها ممتلكات لمدنيين لا صلة لهم بـ"حزب الله"، بعدما استخدم المقاتلون البيوت الخالية كمواقع للاستراحة أو منصات لإطلاق الصواريخ.

اعتمد "حزب الله" جزئيا على "سرايا المقاومة"، وهي التشكيل الذي يجند "الحزب" من خلاله مؤيدين من غير الشيعة، لتسهيل أنشطته في المنطقة. وكان الرجال المحليون الذين انضموا إليها ينحدرون غالبا من بيئات فقيرة، وينظرون إلى الانتساب إليها بوصفه أحد مصادر الدخل القليلة المتاحة. لكن ذلك لم يعن أن عموم السكان أيدوا قرار "حزب الله" فتح جبهة مع إسرائيل. بل ساد رأي مفاده أن "الحزب" فرض حربا مدمرة على مجتمعات لم تخترها ولم تستفد منها.

بعد وقف إطلاق النار في نوفمبر/تشرين الثاني 2024، عاد السكان، الذين يبلغ عددهم نحو 50 ألف شخص في أنحاء المنطقة، وشرعوا في إصلاح المنازل المتضررة على نفقتهم الخاصة إلى حد كبير. ووعد "حزب الله" بتقديم تعويضات، لكن القلة التي قبلتها لم تحصل إلا على مبالغ زهيدة، لم تتجاوز في معظم الحالات بضع مئات من الدولارات لكل أسرة. ورفض معظم السكان تلك الأموال كليا، وحملوا "حزب الله" مسؤولية تحويل قراهم إلى ساحة معركة.

عندما أطلق "حزب الله" حملته الأخيرة في مارس/آذار 2026، عقد سكان العرقوب العزم على عدم تكرار تجربة عام 2024. وأدركوا أن إخلاء جديدا سيترك منازلهم عرضة لاستيلاء المقاتلين عليها، ويستجلب ردا إسرائيليا، وقد يتيح للقوات الإسرائيلية احتلال القرى الخالية، كما حدث في مناطق أخرى على امتداد الحدود.

يؤكد نموذج العرقوب ضرورة دعم الدولة. فلا يدافع السكان عن السيادة بشجاعتهم الشخصية وحدها، بل يؤدي تعاونهم مع السلطات المحلية والجيش دورا حاسما

برز بعد ذلك مثال غير مألوف على الصمود المدني المنظم. اختار السكان البقاء في منازلهم، ورفضوا السماح لمقاتلي "حزب الله" بدخول قراهم. ونسق رؤساء بلديات جميع القرى خطة أمنية أغلقت بموجبها جميع الطرق المؤدية إلى كل قرية باستثناء طريق واحد، ووضع المدخل المتبقي تحت سيطرة حاجز للجيش اللبناني. وحاولت "سرايا المقاومة" عرقلة هذا الترتيب، لكن المجتمعات المحلية تمسكت بموقفها. وواصلت إسرائيل قصف ما تبقى من مواقع "حزب الله" في المنطقة، لكنها امتنعت إلى حد كبير عن مهاجمة القرى نفسها.

مع اتساع الوجود العسكري الإسرائيلي في مناطق أخرى من جنوب لبنان، أصبحت معظم الطرق المؤدية إلى العرقوب غير صالحة للاستخدام. وبات الاتصال الرئيس بين المنطقة وبقية البلاد يقتصر على رحلة طويلة عبر سهل البقاع. وقد سلكت هذا الطريق قبل أسبوعين. وعند حاجز الجيش اللبناني القائم عند مدخل المنطقة الواقعة جنوب الليطاني، يسأل الجنود ركاب كل سيارة عابرة من أين قدموا، وإلى أين يتجهون، ولماذا؟ وانتشر حاجزان آخران للجيش إلى الجنوب، فيما كان موقع عسكري للجيش يحرس مدخل كل قرية.

أ.ف.ب
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو خلال توقيع سفير إسرائيل يحيئيل ليتر، ورئيس أركان وزارة الخارجية دانيال هولر، وسفيرة لبنان ندى حمادة، الاتفاق الإطاري في وزارة الخارجية، في واشنطن 26 يونيو 2026

خيم على العرقوب هدوء غير مألوف. واصل القرويون حياتهم اليومية، رغم الحذر الملموس. وكانت الشظايا الناجمة عن الغارات الإسرائيلية على أهداف أبعد تصل أحيانا إلى المناطق السكنية وتلحق أضرارا بالممتلكات. كما بات تأمين الإمدادات يتطلب رحلات أطول وأكثر صعوبة. ومع ذلك، ظل السكان مصممين على عدم مغادرة منازلهم.

تجاهل "حزب الله" هذه التجربة إلى حد كبير، لأنها تتحدى اثنين من أبرز مزاعمه: غياب الجيش اللبناني عن جنوب الليطاني، وأن "حزب الله" وحده قادر على حماية لبنان من إسرائيل. ويظهر العرقوب أن التعاون بين السكان والبلديات والجيش ممكن وقابل للاستمرار، حتى خلال جولات التصعيد المتكررة. كما يبين أن وجود المدنيين يمكن أن يشكل في حد ذاته وسيلة للحماية. فعندما تظل المجتمعات منظمة، وتمنع الجماعات المسلحة من الدخول، وتدعو الدولة إلى بسط حضورها، يصعب على "حزب الله" عسكرة قراها، ويصعب على إسرائيل تبرير التعامل معها بوصفها أراضي معادية.

يؤكد نموذج العرقوب ضرورة دعم الدولة. فلا يدافع السكان عن السيادة بشجاعتهم الشخصية وحدها، بل يؤدي تعاونهم مع السلطات المحلية والجيش دورا حاسما. ويتطلب توسيع هذا النموذج انتشارا دائما للجيش اللبناني، وتأمين رواتب منتظمة ومضمونة ومعدات للجنود، وتوفير خدمات بلدية فاعلة وطرق وصول مؤمنة وقدرات على إبطال مفعول القنابل، إلى جانب تعويض المدنيين سريعا عن الأضرار التي تلحق بهم. كما يحتاج القادة المحليون إلى حماية سياسية من الترهيب واتهامات العمالة.

هنا تبرز أهمية المناطق التجريبية. فلا ينبغي قياس نجاحها بمجرد عدد الحواجز التي تقام أو مخابئ الأسلحة التي يكشف عنها. والاختبار الحقيقي هو ما إذا كان المسار التبادلي سينجح. يجب أن تنسحب إسرائيل عند استيفاء الشروط المتفق عليها، وأن تمتنع عن التعامل مع القرى الخاضعة لسيطرة الجيش اللبناني بوصفها منطقة عازلة إلى أجل غير مسمى. ويجب أن يثبت الجيش اللبناني أن وجوده دائم، وأنه قادر على منع عودة "حزب الله"، وأنه يعمل بوصفه مؤسسة وطنية. وتوضح تجربة العرقوب أن الجيش يؤدي هذا الدور بالفعل، لكنها تبين أيضا أن نجاح هذا السيناريو يحتاج إلى قبول السلطات المحلية والسكان وانخراطهم. كما يعتمد النجاح الأوسع على آلية موثوقة للتحقق، من خلال مجموعة التنسيق العسكري من أجل لبنان التي تيسرها الولايات المتحدة.

يكمن الدرس المستفاد من العرقوب في أن السيادة لا تستعاد بالإعلانات وحدها، بل تبنى قرية تلو الأخرى

ستشكل زوطر الغربية الاختبار المبكر الأهم، لأن القوات الإسرائيلية تحتل جزءا من القرية، وقد بدأت تعديل تموضعها استعدادا لتولي الجيش اللبناني السيطرة. وإذا جرى التسليم بسلاسة، وأحكم الجيش سيطرته على المنطقة، ومنع "حزب الله" من دخولها، فقد يرسي ذلك سابقة عملية لانسحابات أخرى. أما إذا أخرت إسرائيل انسحابها رغم التحقق من سيطرة الجيش اللبناني، أو تسلل "حزب الله" إلى المنطقة لاستدراج جولة جديدة من القتال، فستتآكل صدقية الإطار سريعا.

رويترز
جسر القاسميه المتضرر فوق نهر الليطاني، بعد تعرضه لغارة إسرائيلية في جنوب لبنان، 19 مارس 2026

يكمن الدرس المستفاد من العرقوب في أن السيادة لا تستعاد بالإعلانات وحدها، بل تبنى قرية تلو الأخرى، من خلال تحالف يضم مواطنين يرفضون العسكرة، وبلديات قادرة على تنظيم مجتمعاتها، وجيشا مستعدا وقادرا على البقاء، وآلية خارجية تلزم إسرائيل بالانسحاب بعد ترسيخ سلطة الدولة اللبنانية. وتظهر تجربة العرقوب أن المناطق التجريبية قادرة على النجاح. كما توضح بجلاء كيف يمكن حماية المدنيين، بالتزامن مع إحلال سلطة الدولة اللبنانية محل النظام الأمني الموازي لـ"حزب الله" والاحتلال الإسرائيلي.

font change

مقالات ذات صلة