لمنع خطأ في الحسابات بين إسرائيل وتركيا... المطلوب تحرك أميركي حازم

البلدان يختبران "الخطوط الحمراء" لكل منهما في سوريا

رويترز
رويترز
قاعدة أبو الظهور في سوريا، 18 أب 2026

لمنع خطأ في الحسابات بين إسرائيل وتركيا... المطلوب تحرك أميركي حازم

أدى الهجوم الإسرائيلي الأخير في شمال سوريا، إلى تصعيد حاد في التوتر بين القدس وأنقرة. وقد تدهورت العلاقات بين البلدين على نحو ملحوظ خلال السنوات الثلاث الماضية، بعدما تمحورت خلافاتهما العميقة، على الأقل حتى سقوط نظام الأسد في سوريا، حول القضية الفلسطينية والحرب في غزة. أما اليوم، فقد أصبحت سوريا، في ظل الحكومة الجديدة في دمشق، ساحة أخرى للخلاف بين الجانبين، وقد تدفع بهما إلى الاقتراب على نحو خطير من مواجهة مباشرة، كما أظهر الهجوم الإسرائيلي في منتصف أغسطس/آب. ولمنع انزلاق البلدين، عمدا أو من دون قصد، إلى مواجهة مباشرة، لا بد أولا من توضيح مصالح كل طرف ورسم حدودها بدقة.

رويترز
يتحدث المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا وسفير الولايات المتحدة لدى تركيا توم باراك خلال جلسة في منتدى أنطاليا للدبلوماسية في أنطاليا، تركيا، 17 أبريل 2026

لا تسعى إسرائيل إلى مواجهة مباشرة مع تركيا، على الرغم من تصريحات المبعوث الأميركي توم باراك الأخيرة. لكنها تريد الحفاظ على حرية تحركها في المجال الجوي السوري، تحسبا لأي طارئ محتمل يتعلق بإيران. ولا تزال، في الوقت نفسه، تبدي شكوكا عميقة إزاء حكومة الشرع، وهو قلق شرحه باراك نفسه بتفصيل لافت، وبقدر ملحوظ من الإنصاف في مقابلة حديثة.

كما تريد إسرائيل الحيلولة دون اتساع النفوذ التركي في سوريا أو ترسخه بصورة مفرطة. وعلى نحو أكثر تحديدا، تسعى إلى منع تركيا من توسيع وجودها العسكري القائم في شمال سوريا. وتحكم هذه الحسابات كلها تداعيات السابع من أكتوبر/تشرين الأول والعقلية الإسرائيلية الجديدة التي نشأت في أعقابه، وهي عقلية اتسمت برفض حاد، ومفرط أحيانا، لأي سياسة تقوم على الاحتواء.

تركيا، من جانبها، لا ترغب في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. لكنها تشعر بقلق متزايد إزاء ما تعتبره "نشاطا إسرائيليا مكثفا" على جبهات إقليمية متعددة، وترى فيه سعيا إلى فرض "هيمنة إسرائيلية" على المنطقة


تركيا، من جانبها، لا ترغب في مواجهة مباشرة مع إسرائيل. لكنها تشعر بقلق متزايد إزاء ما تعتبره "نشاطا إسرائيليا مكثفا" على جبهات إقليمية متعددة، وترى فيه سعيا إلى فرض "هيمنة إسرائيلية" على المنطقة.

وفي سوريا تحديدا، تنظر أنقرة إلى حكومة الشرع على أنها فرصة استراتيجية تساعدها على حماية مصالحها الحيوية، ولا سيما فيما يتعلق بالقضية الكردية، وفي الوقت نفسه توسيع نفوذها في سوريا وخارجها. ويشكل "اتفاق مكة" مثالا حديثا بارزا على هذا الطموح الأوسع.

أما سوريا، فوجدت نفسها عالقة بين الطرفين. فمن جهة، يخدم الهجوم الإسرائيلي دمشق سياسيا، إذ يعزز روايتها عن "النوايا الإسرائيلية العدوانية" وانتهاك السيادة السورية، وقد يرفع مستوى الضغوط الدولية على إسرائيل لكبح أنشطتها. ومن جهة أخرى، فإن تحول سوريا إلى ساحة لمواجهة إسرائيلية- تركية متصاعدة يقوض مباشرة جهود الشرع، لترسيخ سيطرته على البلاد والتصدي لتحدياتها الاقتصادية الجسيمة. وكما يحدث في كثير من ملفات المنطقة، يبقى مفتاح الحل في واشنطن. فالولايات المتحدة تتعامل مع شريكين إقليميين وثيقين، هما إسرائيل وتركيا، ومع حكومة سورية استثمرت فيها سياسيا بدرجة كبيرة، في وقت تريد فيه الإبقاء على تركيزها الاستراتيجي منصبا على إيران.

وقد حمّلت تصريحات باراك الأخيرة إسرائيل قدرا واضحا من المسؤولية. فقال إن الولايات المتحدة راجعت معلومات استخباراتية إسرائيلية بشأن خطط تركية مزعومة لإقامة وجود عسكري في المطار الذي استهدفته إسرائيل، وخلصت إلى أن تلك المعلومات غير دقيقة. وكانت إشارته إلى قرب الانتخابات الإسرائيلية أشد دلالة. ولم يرد الرئيس ترمب مباشرة على هذه التصريحات، ولا يزال من غير الواضح ما إذا كان سيؤيد موقف مبعوثه، مع ضرورة أخذ قرب باراك الواضح من أنقرة في الاعتبار أيضا، من باب الإنصاف.

أ ف ب
صورة وزّعها المكتب الإعلامي للرئاسة التركية في 17 أبريل 2026 للرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو يحيي الرئيس السوري أحمد الشرع خلال حفل افتتاح الدورة الخامسة ل "منتدى أنطاليا الدبلوماسي"

ويبدو أن إسرائيل وتركيا تختبران اليوم "الخطوط الحمراء" لكل منهما في سوريا. ويسعى الطرفان إلى معرفة المدى الذي يمكن أن يبلغه كل منهما في حماية مصالحه وتوسيع نفوذه، في وقت لا تزال الحكومة السورية وسلطتها المركزية تعملان على بسط السيطرة على كامل البلاد.

وتفضل تركيا وجود حكومة مركزية قوية وحازمة في دمشق، تكون على صلة وثيقة بأنقرة، وتتيح لها نفوذا واسعا في سوريا. أما إسرائيل، فلم تحسم بعد مدى ثقتها بالحكومة السورية الحالية، لكنها لا تريد بوضوح أن ترى النفوذ التركي في سوريا يتسع أو يترسخ على نحو أكبر. ومع ذلك، تجمع الطرفين مصلحة أساسية واحدة: إبقاء إيران خارج سوريا، والمفارقة أنهما لا يبدوان مدركين تماما لأهمية هذا القاسم المشترك.

ستكون الأسابيع المقبلة حاسمة، ولا سيما بفعل الحسابات السياسية الداخلية لدى الطرفين، وبشكل أكثر تحديدا مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر. ومن هنا تبرز الحاجة إلى انخراط أميركي أكثر حزما لمنع أي خطأ في الحسابات من جانب هذين الطرفين اللذين يزداد التوتر والعداء بينهما. وينبغي أن تذكرنا حادثة إسقاط تركيا طائرة روسية عام 2015، وكذلك إسقاط الدفاعات الجوية السورية طائرة روسية أخرى فوق اللاذقية عام 2018، بمدى سرعة تحول الأزمات إلى مواجهات أوسع، حتى حين لا يكون أي من الأطراف المعنية راغبا فعليا في التصعيد.

حاجة ملحة إلى ضغط أميركي على الطرفين. فالولايات المتحدة تتحمل في هذه اللحظة مسؤولية خاصة وعاجلة، ودور واشنطن حاسم في منع انزلاق إسرائيل وتركيا إلى مواجهة لا يريدها أي منهما


ولهذا، ينبغي لإسرائيل وتركيا فتح قناة اتصال مباشرة ورفيعة المستوى بعيدا عن الأضواء، لتوضيح المصالح الحيوية لكل منهما، والتفاوض، بصورة أو بأخرى، على خطوطهما الحمراء. ومن شأن مثل هذه القناة أن تقلل احتمالات سوء الفهم، الذي قد يقود إلى مواجهة غير محسوبة. وهناك حاجة ملحة إلى ضغط أميركي على الطرفين. فالولايات المتحدة تتحمل في هذه اللحظة مسؤولية خاصة وعاجلة، ودور واشنطن حاسم في منع انزلاق إسرائيل وتركيا إلى مواجهة لا يريدها أي منهما.

font change

مقالات ذات صلة