التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل... هل يصل حد المواجهة العسكرية؟

يدركان أن التعاون بينهما قادر على تحقيق مكاسب تفوق كثيرا ما قد ينتج عن الصراع

إدواردو رامون
إدواردو رامون

التوتر المتصاعد بين تركيا وإسرائيل... هل يصل حد المواجهة العسكرية؟

وصل التوتر بين تركيا وإسرائيل، وهما من أبرز القوى الإقليمية، إلى مستوى دفع بعض المراقبين إلى التحذير من احتمال انزلاقه نحو مواجهة مسلحة، قد تكون سوريا وشرق البحر المتوسط أبرز ساحاتها المحتملة.

ينظر كل طرف إلى الآخر باعتباره قوة تسعى إلى عرقلة نفوذه وتهديد مصالحه، في وقت يحاول فيه الرئيس دونالد ترمب، الذي تجمعه علاقات وثيقة بالجانبين، الحيلولة دون انفلات الموقف وخروجه عن السيطرة.

وأثارت زيارة ترمب إلى أنقرة للمشاركة في قمة حلف شمال الأطلسي، إلى جانب تصريحاته الودية العلنية والرسائل الإيجابية التي وجهها إلى الرئيس رجب طيب أردوغان وتركيا، حالة من القلق في إسرائيل.

وفي مقابلة مع شبكة "سي إن إن" قبيل انعقاد القمة، وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حكومة أردوغان بأنها "كيان معاد لإسرائيل تنخره جماعة الإخوان المسلمين". كما دعا الرئيس الأميركي إلى تجنب أي خطوات قد تخل بالتوازن العسكري في المنطقة على حساب إسرائيل، ولا سيما تزويد تركيا بمقاتلات "إف-35" وغيرها من الأسلحة المتطورة.

يحل نوفمبر بوصفه موسما انتخابيا في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتشير التقديرات إلى أن ترمب ونتنياهو سيكونان، في الظروف الطبيعية، الأقرب إلى الخسارة

وفي 9 يوليو/تموز، أصدر مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بيانا أوضح فيه أن ترمب أطلع نتنياهو، خلال اتصال هاتفي، على التحركات الأميركية في الخليج، فيما أثار رئيس الوزراء الإسرائيلي مسألة "التصريحات التي أدلى بها الرئيس أردوغان ورجاله ضد وجود إسرائيل".

ملفات الخلاف بين تركيا وإسرائيل

تعود الجذور الأساسية للتوتر بين تركيا وإسرائيل إلى القضية الفلسطينية والموقف من حركة "حماس". فتركيا تدعو إلى إقامة دولة فلسطينية، وتتعامل مع "حماس" باعتبارها حركة مقاومة تواجه الاحتلال وكيانا سياسيا فلسطينيا يتمتع بالشرعية. في المقابل، تتهم إسرائيل أنقرة بأنها من أبرز الداعمين لـ"حماس"، التي تصنفها منظمة إرهابية وترى فيها تهديدا وجوديا.

تمثل سوريا ساحة أخرى للتنافس والخلاف، إذ يسعى كل من الطرفين إلى الحد من نفوذ الآخر ومنعه من ترسيخ حضوره هناك. وفي مقابلة أجريت الأسبوع الماضي، قال وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين إن على إسرائيل ضمان عدم تمكن تركيا من تثبيت وجود عسكري لها في سوريا. من جهتها، تنفي أنقرة أن يكون وجودها في الأراضي السورية موجها ضد إسرائيل، وتنتقد حكومة نتنياهو بسبب عدم احترامها سيادة سوريا وعرقلتها الجهود الهادفة إلى إعادة إعمار البلاد.

أ.ف.ب
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وهو يصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال اجتماعهما على هامش الدورة الثامنة والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، في 19 سبتمبر 2023

وترى تركيا أن الاستراتيجية الإسرائيلية القائمة على إبرام اتفاقيات أمنية وبناء تحالفات مع اليونان والقبارصة اليونانيين، فضلا عن تحركاتها في شرق البحر المتوسط، تندرج ضمن سياسة تسعى إلى تطويقها. وفي هذا السياق، أجرت القوات البحرية والجوية اليونانية والإسرائيلية مؤخرا مناورات مشتركة في منطقة بحر إيجة.

ويمتد هذا التعاون إلى الكونغرس الأميركي، حيث تنسق جماعات الضغط اليهودية واليونانية جهودها لعرقلة أي خطوة قد تحقق مكاسب لتركيا، بما في ذلك صفقات بيع الأسلحة ومشروعات التعاون الدفاعي.

كما تعرف إسرائيل بدعمها "وحدات حماية الشعب" المرتبطة بـ"حزب العمال الكردستاني" وتزويدها بالمساعدات، إلى جانب جماعات كردية أخرى تتبنى توجهات مماثلة في شمال سوريا وإيران ومناطق أخرى، ضمن استراتيجية تهدف إلى ممارسة الضغط على تركيا على امتداد حدودها الجنوبية الشرقية.

انتخابات نوفمبر في إسرائيل

يحل نوفمبر/تشرين الثاني بوصفه موسما انتخابيا في كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وتشير التقديرات إلى أن ترمب ونتنياهو سيكونان، في الظروف الطبيعية، الأقرب إلى الخسارة.

وقعت هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول خلال حكم نتنياهو، الذي يسعى إلى ترميم صورته واستعادة مكانته بوصفه الحارس الصارم لأمن إسرائيل. وفي سبيل ذلك، مضى إلى أقصى الحدود، فدمر غزة، واستنزف الضفة الغربية، وهاجم إيران، وحاول إنشاء حزام أمني داخل أراضي الدول المجاورة.

بلغت العلاقات بين تركيا وإسرائيل أدنى مستوياتها عام 2010، عندما داهمت قوات كوماندوز إسرائيلية سفينة "مافي مرمرة" في المياه الدولية، بينما كانت متجهة إلى غزة في محاولة لكسر الحصار المفروض عليها

ويوجه نتنياهو أنظاره اليوم نحو عدو جديد، أو ما يقدمه باعتباره تهديدا جديدا، يتمثل في تركيا، التي يسعى إلى تصويرها على أنها إيران المقبلة، بل إنها خطر يفوق إيران.

غير أن تركيا ليست إيران، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي، وحليف يحظى بتقدير الرئيس ترمب، فضلا عن كونها دولة قوية تمتلك قدرات عسكرية كبيرة.

وعليه، يبدو أن نتنياهو لا يتعامل مع تركيا بوصفها دولة يرغب في خوض حرب ضدها، بل باعتبارها تهديدا يمكن استثماره سياسيا من خلال تضخيمه والتصعيد في مواجهته إلى أقصى حد ممكن، من دون الانزلاق إلى صدام مباشر. ومع ذلك، يبقى احتمال وقوع احتكاك غير مقصود مصدر قلق بالغ في مثل هذه الأوضاع.

الأتراك ليسوا معادين للسامية

الأتراك، على اختلاف توجهاتهم السياسية في بلد تعصف به انقسامات عميقة، يتفقون تقريبا على النظر إلى الحكومة الإسرائيلية ومؤيديها بوصفهم متطرفين دينيين وصهاينة توسعيين يسعون إلى السيطرة على الأراضي الممتدة من النيل إلى الفرات، تمهيدا لإقامة ما يعرف بإسرائيل الكبرى التي ورد الوعد بها في التوراة.

وتظهر بعض استطلاعات الرأي الدولية أن تركيا من بين الدول التي تسجل أعلى مستويات المشاعر المناهضة لإسرائيل في العالم. غير أن تفسير هذه النتائج على أنها تعبير عن معاداة السامية أو رغبة في القضاء على إسرائيل سيكون مضللا، إذ تعكس في جوهرها رفضا حقيقيا وقويا لسياسات إسرائيل ولما يتعرض له الفلسطينيون من ظلم بالغ.

ولا يقتصر الأمر على غياب العداء التاريخي بين الأتراك واليهود، بل تزخر العلاقة بين الجانبين بقصص كثيرة تعكس التقارب والتعايش.

أ.ف.ب
رفع أحد المتظاهرين لافتة كُتب عليها "إسرائيل ليست دولة، إسرائيل دولة إرهابية" بالقرب من ملصق لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مظاهرة مناهضة للولايات المتحدة أمام القنصلية الأميركية في إسطنبول في 1 فبراير 2026

فبينما شكلت معاداة السامية سمة بارزة في التاريخ الأوروبي، لم تكن يوما جزءا من الثقافة التركية. ففي عام 1492، أرسل السلطان العثماني سفنا لنقل اليهود السفارديم الذين طردوا من إسبانيا إلى أراضي الدولة العثمانية، ووضعهم تحت حمايته. وخلال الحرب العالمية الثانية، أنقذ دبلوماسيون أتراك في أوروبا آلاف اليهود من النازيين. كما أصبحت تركيا عام 1949 أول دولة ذات غالبية مسلمة تعترف بإسرائيل.

وفي تسعينات القرن الماضي، تدرب طيارو سلاح الجو الإسرائيلي فوق سهول الأناضول وجبالها الشاسعة، بينما كان نحو 800 ألف سائح إسرائيلي يزورون تركيا سنويا لقضاء عطلاتهم في أجواء آمنة وودية.

ومع وصول "حزب العدالة والتنمية" إلى الحكم عام 2002، واصلت العلاقات مسارها المعتاد، رغم ما شهدته من خلافات دبلوماسية متفرقة. وظلت الزيارات الرسمية المتبادلة على أعلى المستويات قائمة، إلى جانب استمرار التعاون في مجالات متعددة.

كما تسلم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان جائزة "الشجاعة" من رابطة مكافحة التشهير، وهي إحدى أبرز المنظمات اليهودية الشعبية ومقرها نيويورك. وتمنح الجائزة للدول والأفراد الذين خاطروا بحياتهم لإنقاذ اليهود خلال المحرقة.

تدهور العلاقات بين البلدين

بلغت العلاقات بين تركيا وإسرائيل أدنى مستوياتها عام 2010، عندما داهمت قوات كوماندوز إسرائيلية سفينة "مافي مرمرة" في المياه الدولية، بينما كانت متجهة إلى غزة في محاولة لكسر الحصار المفروض عليها، ما أسفر عن مقتل عشرة ناشطين أتراك كانوا على متنها.

وفي عام 2023، لاحت بوادر انفراج حين التقى أردوغان ونتنياهو على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بوساطة أميركية. غير أن هذا التقارب لم يدم طويلا، إذ سرعان ما تدهورت العلاقات مجددا عقب إطلاق إسرائيل عملية عسكرية واسعة ضد غزة ردا على هجمات 7 أكتوبر/تشرين الأول.

يدرك الطرفان أن التعاون بينهما قادر على تحقيق مكاسب تفوق كثيرا ما قد ينتج عن الصراع. فالتجارة ومسارات الطاقة، على سبيل المثال، قد تتحول إلى مصدر للخلاف أو إلى مجال واسع للتعاون

ومنذ ذلك الحين، دخل الجانبان في حرب كلامية متواصلة. فقد قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مؤخرا إن "إسرائيل أصبحت عبئا لم يعد بوسع البشرية تحمله"، ليرد عليه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر معتبرا أن هذا التصريح يمثل دعوة إلى الإبادة الجماعية.

وفي مناسبة أخرى، صرح وزير الداخلية التركي خلال اجتماع عام بأن حلمه هو أن يتولى منصب والي القدس، ولو ليوم واحد، "في تلك الأراضي التي ستصبح لنا كما كانت في الماضي". وسرعان ما استغل المسؤولون الإسرائيليون هذا التصريح، الذي افتقر إلى النضج ولم يرق إلى مستوى الخطاب المسؤول، واعتبروه دليلا على طموحات عثمانية ورغبة في إزالة إسرائيل من الخريطة.

وتكشف هذه السجالات كيف يستطيع السياسيون توظيف الكلمات بمهارة خطرة، وتحميلها دلالات مختلفة لخدمة خطاب استفزازي.

هل ثمة أمل في تحسن العلاقات؟

استدعى البلدان سفيريهما، وانقطعت بينهما الاتصالات الدبلوماسية المباشرة، باستثناء ما قد يجري أحيانا من تواصل بين المسؤولين في أجهزة الاستخبارات.

رويترز
سفينة التنقيب التركية يافوز تُرافقها الفرقاطة التركية تي سي جي غمليك (إف-492) في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​قبالة سواحل قبرص، 6 أغسطس 2019

ويرى المتفائلون في تركيا وإسرائيل أن التوتر القائم بين البلدين يظل ظرفيا إلى حد بعيد. فرغم أن النفور المتبادل والأجندات السياسية لكل من أردوغان ونتنياهو يؤديان دورا أساسيا في تأجيج الوضع الراهن، يعرف عن الزعيمين أيضا قدرتهما الكبيرة على التصرف بواقعية وبرغماتية عندما تفرض الضرورة ذلك.

ويدرك الطرفان أن التعاون بينهما قادر على تحقيق مكاسب تفوق كثيرا ما قد ينتج عن الصراع. فالتجارة ومسارات الطاقة، على سبيل المثال، قد تتحول إلى مصدر للخلاف أو إلى مجال واسع للتعاون، تبعا لطبيعة العلاقات بين البلدين.

وفي هذا السياق، فسر أحدث تصريح لهاكان فيدان، الذي قال فيه إن "إسرائيل لا تزال تضم أشخاصا عقلاء وطيبين يمتلكون فكرا استراتيجيا"، بوصفه إشارة إيجابية إلى إمكانية إعادة بناء الجسور مستقبلا مع عقلية إسرائيلية مغايرة للعقلية السائدة حاليا.

وإذا عادت إسرائيل إلى تبني مفهوم حل الدولتين، وسلكت طريق السلام عبر المفاوضات بدلا من الاحتلال والدمار، فقد ينعكس ذلك إيجابيا على العلاقات التركية-الإسرائيلية، ويساعد إسرائيل كذلك على استعادة موقع أكثر قبولا واتزانا على الساحة الدولية.

font change