في أواخر يونيو/حزيران، مضت الحكومة الإسرائيلية في اتجاه الاعتراف رسميا بالإبادة الجماعية للأرمن، منهية عقودا من التردد الرسمي. وجاء القرار في لحظة بلغت فيها العلاقات التركية-الإسرائيلية أدنى مستوياتها منذ سنوات، بعد انهيار تدريجي طويل غذته حرب غزة، والضغوط الاقتصادية التركية، والمواجهة القانونية المتصاعدة بين الجانبين.
ندد المسؤولون الأتراك بالخطوة ووصفوها بأنها سياسية، واتهموا إسرائيل بمحاولة صرف الأنظار عن الحرب في غزة، فيما قدمها المسؤولون الإسرائيليون على أنها تصحيح أخلاقي وتاريخي تأخر طويلا. وفي الواقع، حملت الخطوة بعدين متداخلين: إعلان موقف مبدئي، ورسالة تفيد بأن تل أبيب لم تعد ترى جدوى استراتيجية من مواصلة التريث مراعاة لأنقرة.
عمليا، كان القرار إعلانا لموقف مبدئي ورسالة مفادها أن إسرائيل لم تعد ترى جدوى استراتيجية في مواصلة ضبط النفس مراعاة لأنقرة. وبعد أسابيع قليلة فقط من الاعتراف، ذهب نتنياهو خطوة أبعد، فدعا الرئيس ترمب علنا إلى عدم السماح ببيع مقاتلات "إف-35" الشبحية لتركيا، ما وضعه عمليا في مواجهة مع الرئيس الأميركي، بعدما كان الأخير قد لمح إلى احتمال تراجع الولايات المتحدة عن قرارها السابق باستبعاد تركيا من برنامج المقاتلة.
والخلاصة الأوسع واضحة، فقد اعترفت إسرائيل بالإبادة الجماعية للأرمن في يونيو/حزيران 2026 لأن القيود الاستراتيجية التي منعتها من اتخاذ هذه الخطوة لعقود طويلة تراجعت إلى حد بعيد. فعندما صوّت مجلس الوزراء على القرار، كانت تركيا قد علقت التجارة بالفعل، وشددت القيود على النقل، ودعمت إجراءات قانونية ضد إسرائيل، وجعلت الخطاب المناهض لها ركنا رئيسا في موقفها الإقليمي. لم يصنع الاعتراف الشرخ، وإنما أكد أن الشرخ كان عميقا من الأصل، وأن أيا من الطرفين لا يتوقع ترميما قريبا للعلاقة.
من الشراكة الاستراتيجية إلى القطيعة السياسية
خلال معظم تسعينات القرن العشرين، كانت إسرائيل وتركيا من أقرب الشركاء الاستراتيجيين في الشرق الأوسط. قامت العلاقة بينهما على التعاون العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، والقلق المشترك من تهديدات إقليمية، وفي مقدمتها سوريا والجهات المسلحة غير الحكومية. ومنحت هذه الشراكة كلا الطرفين نفوذا إقليميا، وساعدت على تثبيت تركيا داخل الفضاء الأمني الغربي.


