الغارات الإسرائيلية الأخيرة على مطار أبو الظهور شمال سوريا دمرت المدارج، لكنها كادت تفجر شيئاً أكبر بكثير: مواجهة مباشرة بين إسرائيل وتركيا، حليفتي أميركا.
بدأت القصة قبل القصف بأيام، عندما أبلغ الإسرائيليون الأميركيين بأن لديهم معلومات استخباراتية عن تحرك تركيا لنشر أصول عسكرية في أبو الظهور. دققت واشنطن في الأمر، وكان جواب واشنطن أن المعلومات المتوافرة لديها لا تؤكد رواية تل أبيب. بعدها رعت أميركا اتصالات بين "الموساد" ودمشق وأنقرة لتبديد المخاوف الإسرائيلية ومنع التصعيد. وبعد يومين، التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني المبعوث الأميركي توم باراك في إسطنبول، وكان التقدير أن الأزمة في طريقها إلى الاحتواء، كما حصل سابقا قبل قصف قاعدة قرب تدمر وسط البلاد. بل كان هناك اعتقاد بأن الباب يمكن أن يفتح مجدداً أمام المفاوضات السورية-الإسرائيلية المتوقفة منذ بداية العام، والعمل على تطوير "وحدة التنسيق" التي تأسست في عمّان لتبادل المعلومات الاستخباراتية إزاء التهديدات المشتركة.
في اليوم التالي، فوجئ الجميع بإقلاع المقاتلات الإسرائيلية وقصفها مدارج مطار أبو الظهور ثم إعلان باراك ونتنياهو ذلك. لم تكن أنقرة على علم بالمهمة، وعندما رصدت الطائرات وهي تتجه شمالاً، لم تكن تعرف إلى أين تذهب ولا ماذا ستقصف. هنا كانت اللحظة الأخطر، لأن القلق لم يكن من حرب قررت أنقرة وتل أبيب خوضها، بل من مواجهة يمكن أن تبدأ من دون أن يريدها الطرفان.
ماذا لو أقلعت مقاتلات تركية لاعتراض الطائرات الإسرائيلية، وماذا لو لم تستجب هذه الطائرات للتحذيرات، وماذا لو اعتبر الطيار التركي أنها تشكل تهديداً وأطلق صاروخاً أسقط إحداها؟
ليس هذا السؤال غريباً عن سماء سوريا. ففي نهاية 2015، أسقطت مقاتلة تركية قاذفة روسية قرب الحدود السورية، وقالت أنقرة إنها اخترقت مجالها الجوي ولم تستجب للتحذيرات. وصف بوتين الحادثة بأنها "طعنة في الظهر"، وعاقبت موسكو أنقرة وقطعت قنوات عسكرية معها، لكن الطرفين توقفا عند حافة المواجهة واتفقا لاحقاً على قواعد للاشتباك.
بعد ثلاث سنوات، أسقطت الدفاعات السورية بالخطأ طائرة روسية فوق المتوسط أثناء غارات إسرائيلية قرب قاعدتي حميميم وطرطوس. كان الصاروخ سورياً، لكن موسكو حمّلت إسرائيل مسؤولية الظروف التي أدت إلى إسقاط الطائرة. توترت العلاقات، قبل أن تنتهي الأزمة باعتذار إسرائيلي وتفاهمات على قواعد الاشتباك سمحت لتل أبيب بحرية ملاحقة إيران في سوريا.
الآن، هناك فصل ثالث هدد بـ"طعنة" جديدة، لكن الطائرة التي كان يمكن أن تسقط هذه المرة إسرائيلية، والصاروخ الذي كان يمكن أن يسقطها تركياً. إذا دخلت المقاتلة الإسرائيلية المجال الجوي التركي، تستطيع أنقرة استخدام الحجة نفسها التي استخدمتها في 2015. حماية السيادة والحدود. لكن إذا كانت الطائرة فوق الأراضي السورية، تصبح المسألة أكثر تعقيداً.
ماذا يقول ترمب لنتنياهو إذا أسقط رجب طيب أردوغان طائرة إسرائيلية، وماذا يقول لأردوغان إذا ردت إسرائيل بقصف قوات تركية؟
نتنياهو يعتبر منذ سنوات أن لقواته حرية العمل العسكري لمنع ظهور تهديدات شمال حدود إسرائيل والوصول إلى أجواء إيران، فيما تعتبر تركيا شمال سوريا جزءاً أساسياً من أمنها القومي ولها قوات وقواعد ومصالح وحلفاء على الأرض. بينما تقول دمشق إن السماء والأرض سوريتان. ثلاثة تصورات للأمن تتقاطع في سماء واحدة، تسعى واشنطن للتوفيق بينها.
لو أسقطت أنقرة طائرة إسرائيلية، سيكون السؤال التالي: كيف ترد تل أبيب؟ من الصعب تصور أن يتعامل نتنياهو، في موسم الانتخابات، مع إسقاط إحدى المقاتلات باعتباره حادثاً عادياً، ما يمكن أن يفتح الباب أمام الرد والرد المضاد، وتتحول سوريا من ساحة تنافس تركي-إسرائيلي إلى ساحة قتال بينهما.
هنا تظهر واشنطن، التي ستجد نفسها أمام أزمة استثنائية بين اثنين من حلفائها في المنطقة. إسرائيل هي حليفتها الاستراتيجية، وتركيا عضو في "الناتو" وتستضيف وجوداً عسكرياً أميركياً. ماذا يقول ترمب لنتنياهو إذا أسقط رجب طيب أردوغان طائرة إسرائيلية، وماذا يقول لأردوغان إذا ردت إسرائيل بقصف قوات تركية؟ هل يقف مع إسرائيل، أم مع حليفه في "الناتو"، أم يضغط على الطرفين ويطلب منهما ابتلاع الضربات ووقف التصعيد؟
الحروب لا تبدأ دائماً لأن القادة يريدونها. أحياناً تبدأ بطائرة تدخل المكان الخطأ، ورادار يرصدها، وطيار أمامه ثوانٍ لاتخاذ القرار
هناك أيضاً دمشق، التي تحمل المواجهةُ المحتملة بالنسبة إليها مكسباً وخسارة في الوقت نفسه. المكسب أن إسرائيل قد تكتشف للمرة الأولى منذ سنوات أن حرية عملها في الأجواء السورية ليست بلا حدود، وأن وجود تركيا في الشمال يرسم خطاً جديداً لا تستطيع الطائرات الإسرائيلية تجاوزه من دون حسابات إضافية. لكن الخسارة أن سوريا ستكون ساحة المواجهة، وأن دمشق ستجد نفسها بين حليفتها أنقرة، ومفاوضاتها مع تل أبيب، ورغبتها في استعادة السيادة على كامل أراضيها وسمائها. وهنا تكمن مفارقة "سوريا الجديدة". تريد إخراج البلاد من حروب الآخرين، فيما لا تزال جغرافيتها تجذب حروبهم إليها.
الأميركيون يحاولون الآن بناء آلية لمنع الاحتكاك، والسوريون يريدون العودة إلى المفاوضات، والأتراك لا يريدون حرباً مع إسرائيل، والإسرائيليون يعيشون في "عالم 7 أكتوبر".
الخطورة أن الحروب لا تبدأ دائماً لأن القادة يريدونها. أحياناً تبدأ بطائرة تدخل المكان الخطأ، ورادار يرصدها، وطيار أمامه ثوانٍ لاتخاذ القرار. كما أن حسابات نتنياهو مع قرب الانتخابات وأردوغان مع قرب اتخاذ قراره بشأن الانتخابات، تنذر بمزيد من الاختبارات... وسوريا إحدى الساحات.