الخليج وسط معسكرين والذكاء الاصطناعي يشعل حربا باردة جديدة

بين الرقائق الأميركية والمصانع الصينية...

REUTERS
REUTERS
خادم ذكاء اصطناعي ذكي معروض في جناح "هيومين" خلال حفل افتتاح معرض "لياب" التقني في الرياض

الخليج وسط معسكرين والذكاء الاصطناعي يشعل حربا باردة جديدة

كما انقسم العالم خلال الحرب الباردة بين معسكرين، شرقي وغربي، تتشكل اليوم ملامح انقسام جديد، لكن خط المواجهة هذه المرة لا يمر عبر الترسانات النووية أو الأحلاف العسكرية فقط، بل عبر الرقائق ومراكز البيانات والمعادن الحرجة ونماذج الذكاء الاصطناعي.

المنافسة بين الولايات المتحدة والصين لم تعد تتعلق بمن يطور النموذج الأكثر ذكاء، وإنما بمن يستطيع بناء المنظومة الأكثر اكتمالا حوله، فمن يملك الرقائق، ومن يؤمن الطاقة والمعادن، ومن يسيطر على البنية السحابية، ومن يحدد المعايير التي ستعمل وفقها التكنولوجيا في عشرات الدول خلال العقود المقبلة.

من هنا يمكن فهم التحركات الأميركية الأخيرة لدفع الدول الشريكة إلى تحديد موقعها بصورة أوضح بين المنظومتين الأميركية والصينية. فواشنطن تدرس مطالبة الدول التي تشارك في مبادرة "باكس سيليكا" الأميركية وفي الوقت نفسه في المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي التي تقودها بكين، بأن تحسم انتماءها التكنولوجي.

وتضم "باكس سيليكا" 24 شريكا، بينما انطلقت المنظمة الصينية بـ29 دولة مؤسسة. لكن ميزان القوة لا يقاس بعدد الأعلام الموجودة حول الطاولة، وإنما بما تمتلكه كل شبكة من اقتصادات وأسواق ورقائق وحوسبة ومعادن وقدرات تصنيع ونفوذ تسمح لها بفرض المعايير.

وهذه هي النقطة الأساس. فالذكاء الاصطناعي لم يعد صناعة تستطيع دولة واحدة السيطرة على جميع مفاصلها، فالسلسلة تبدأ من المعادن الحرجة، ثم تمر بمعدات تصنيع أشباه الموصلات والرقائق والطاقة ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، قبل أن تصل إلى النماذج والتطبيقات. لذلك تسعى واشنطن إلى جمع الدول التي تملك أجزاء مختلفة من هذه السلسلة داخل شبكة واحدة "موثوق بها"، بينما تبني بكين منظومة مقابلة تعتمد على قوتها الصناعية، وبنيتها الرقمية، ونماذجها المفتوحة الأوزان، وعلاقاتها الواسعة مع الاقتصادات الناشئة.

REUTERS
أمام جناح "هواوي"، حيث يُعرض نظام "أطلس 950 سوبربود"، خلال المؤتمر العالمي للذكاء الاصطناعي (WAIC) في شنغهاي

وفي الخليج، لم يعد هذا الاستقطاب مسألة نظرية. فالإمارات تتحرك بوضوح داخل المنظومة الأميركية، وعمان أصبحت جزءا من الإطار الذي تقوده الصين، بينما اختارت السعودية حتى الآن الوقوف خارج الجبهتين، محاولة الاحتفاظ في الوقت نفسه بعلاقات تكنولوجية مع الولايات المتحدة والصين وأوروبا.

لكن مساحة الحياد قد تضيق، والسؤال الذي سيواجه الرياض على نحو متزايد هو هل تستطيع الاستمرار في الاستفادة من الجانبين إذا أصبح الوصول إلى التكنولوجيا الأميركية الأكثر تقدما مشروطا بالابتعاد عن البنية الصينية؟

جبهتان للذكاء الاصطناعي

أطلقت واشنطن في ديسمبر/كانون الأول 2025 مبادرة "باكس سيليكا" بهدف بناء شبكة من الدول الموثوق بها حول سلاسل إمداد الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحرجة. وبعد نحو سبعة أشهر، في 16 يوليو/تموز 2026، أطلقت بكين المنظمة العالمية للتعاون في الذكاء الاصطناعي بمشاركة 29 دولة مؤسسة.

منذ ذلك الحين، بدأت المنافسة تتحول من سباق بين شركات ونماذج إلى سباق بين منظومات كاملة. وتضم المبادرة الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية والهند وبريطانيا وأوستراليا والاتحاد الأوروبي، إلى جانب الإمارات وقطر. وفي المقابل، تضم المنظمة التي تقودها الصين دولا من بينها روسيا والبرازيل وإندونيسيا وباكستان وجنوب أفريقيا والجزائر وعمان.

بنت الصين قوتها في مساحات مختلفة بعدما أصبحت النماذج المفتوحة الأوزان واحدة من أقوى أدواتها في المنافسة. فنماذج مثل "ديب سيك" و"كوين" التابعة لـ"علي بابا" تمنح الشركات والحكومات القدرة على تشغيل نماذج قوية محليا وتعديلها وفق احتياجاتها، من دون الاعتماد الكامل على الخدمات المغلقة للشركات الأميركية

مع ذلك، لم تكن الحدود بين المعسكرين مغلقة تماما. فقد انضمت كازاخستان إلى "باكس سيليكا" ثم شاركت أيضا في تأسيس المنظمة الصينية، لتقدم مثلا واضحا على الدول التي حاولت الاحتفاظ بقدم في كل معسكر. وهذا تحديدا هو النوع من التداخل الذي تريد واشنطن تقليصه.

لكن الاختلاف الأهم بين الجبهتين لا يكمن فقط في أعضائهما، وإنما في نوع القوة التي يستطيع كل طرف تقديمها. فالولايات المتحدة تسيطر حتى الآن على عدد من أهم نقاط الاختناق في صناعة الذكاء الاصطناعي. فشركات أميركية مثل "إنفيديا" تتمتع بموقع مهيمن في سوق الرقائق المستخدمة لتدريب وتشغيل النماذج المتقدمة، بينما تسيطر "مايكروسوفت" و"أمازون" و"غوغل" على جزء ضخم من البنية السحابية العالمية.

فوق ذلك، تتمركز داخل المنظومة الأميركية شركات تطور بعض أكثر نماذج الذكاء الاصطناعي تقدما، مثل "أوبن إيه آي" و"أنثروبيك" و"غوغل" و"إكس إيه آي"، إلى جانب أسواق رأس مال وقدرات تمويلية واستثمارية يصعب على منافسيها مجاراتها حتى الآن.

أما الصين، فقد بنت قوتها في مساحات مختلفة بعدما أصبحت النماذج المفتوحة الأوزان واحدة من أقوى أدواتها في المنافسة. فنماذج مثل "ديب سيك" و"كوين" التابعة لـ"علي بابا" تمنح الشركات والحكومات القدرة على تشغيل نماذج قوية محليا وتعديلها وفق احتياجاتها، من دون الاعتماد الكامل على الخدمات المغلقة للشركات الأميركية.

منظومة تجارية

ولا يتعلق الأمر فقط بالسيادة التكنولوجية، وإنما أيضا بالتكلفة. فالنماذج الصينية الأقل تكلفة تستطيع الوصول إلى أسواق ودول لا يمكنها تحمل النفقات المرتفعة المرتبطة باستخدام أكبر النماذج الأميركية بصورة مستمرة.

وتحاول بكين تحويل هذه الميزة إلى منظومة تجارية متكاملة. ففي يناير/كانون الثاني 2026 وسعت "علي بابا" تطبيق "كوين" ليتمكن المستخدمون من تنفيذ مهام مثل طلب الطعام وحجز الرحلات والدفع مباشرة من داخل المحادثة، بعدما تجاوز التطبيق 100 مليون مستخدم نشط شهريا خلال فترة قصيرة من إطلاقه.

وفي أبريل/نيسان من العام نفسه، قدمت "ديب سيك" نسخة جديدة أكثر توافقا مع رقائق "أسيند" التي تطورها "هواوي"، في خطوة تتجاوز مجرد تطوير نموذج لغوي، إذ تشير إلى محاولة بناء دائرة صينية مكتملة تبدأ من الرقاقة وتنتهي بالتطبيق، وتقلل الاعتماد على "إنفيديا" والمنظومة الأميركية.

لا تتوقف القوة الصينية عند البرمجيات. فامتلاك الصين واحدة من أكبر القواعد الصناعية في العالم يمنحها قدرة مختلفة: تحويل الذكاء الاصطناعي بسرعة إلى روبوتات ومصانع وخدمات ومنتجات مادية.

وخلال 2026 اتسع استخدام الروبوتات الصينية في الصيدليات والخدمات اللوجستية وغيرها، في حين حققت شركات ذكاء اصطناعي مثل "ميني ماكس" نموا ملحوظا، مستفيدة من الطلب على نماذج أرخص وأكثر قابلية للتخصيص. كما تتمتع "هواوي" و"تينسنت" و"علي بابا" بحضور قوي في الاتصالات والحوسبة السحابية والبنية الرقمية، خصوصا في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط.

لم يعد امتلاك نموذج قوي كافيا لامتلاك القوة في عصر الذكاء الاصطناعي، فالمنظومة تبدأ قبل كتابة أول سطر من الشفرة بوقت طويل. تحتاج إلى الليثيوم والكوبالت والنيكل والغرافيت والعناصر الأرضية النادرة، ثم إلى معدات متقدمة لصناعة الرقائق، ثم إلى مصانع أشباه الموصلات، ثم إلى الكهرباء ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات، وبعدها تأتي السحابة والنماذج والتطبيقات

لذلك، لا تعرض واشنطن وبكين على شركائهما المنتج نفسه، فالولايات المتحدة تعرض الوصول إلى الرقائق الأكثر تقدما، وأكبر البنى السحابية، والنماذج الرائدة، ورأس المال وشبكات البحث والابتكار.

أما الصين، فتعرض نماذج مفتوحة وأقل تكلفة، وبنية تحتية أكثر مرونة في التوطين، وقدرات تصنيع واسعة، واستعدادا أكبر في كثير من الأحيان لتكييف التكنولوجيا مع احتياجات الدول المحلية، وهنا يظهر أيضا اختلاف أعمق في فلسفة المعسكرين.

وتقوم "باكس سيليكا" أساسا على بناء دائرة من الثقة مكونة من شبكة تستطيع الدول الأعضاء تبادل التكنولوجيا الحساسة داخلها مع تقليل احتمال وصولها إلى الصين، أما بكين، فتقدم إطارها باعتباره منصة أوسع للتعاون والسيادة التكنولوجية وبناء القدرات، وهي رسالة تلقى صدى خصوصا لدى الاقتصادات الناشئة التي لا تريد أن يصبح وصولها إلى التكنولوجيا مرهونا بالكامل بواشنطن.

الحاجة إلى تحالفات

لم يعد امتلاك نموذج قوي كافيا لامتلاك القوة في عصر الذكاء الاصطناعي، فالمنظومة تبدأ قبل كتابة أول سطر من الشفرة بوقت طويل. تحتاج إلى الليثيوم والكوبالت والنيكل والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة، ثم إلى معدات متقدمة لصناعة الرقائق، ثم إلى مصانع أشباه الموصلات، ثم إلى الكهرباء ومراكز البيانات وشبكات الاتصالات، وبعدها تأتي السحابة والنماذج والتطبيقات.

ولا تمتلك حتى الولايات المتحدة أو الصين جميع هذه العناصر منفردة بالكفاءة والحجم المطلوبين، لهذا أصبحت التحالفات نفسها جزءا من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي كونها تستطيع تحقيق أربع وظائف أساسية.

أولى تلك الوظائف تأمين سلاسل الإمداد، بحيث تتوزع عناصر الصناعة بين دول تمتلك المعادن وأخرى تتفوق في المعدات أو الرقائق أو الطاقة، فيما تتعلق الثانية بحماية التكنولوجيا الحساسة، خصوصا الرقائق المتقدمة والقدرات الحاسوبية، ومنع انتقالها إلى المنافسين.

أما الوظيفة الثالثة فهي محاولة توسيع السوق أمام شركات المعسكر نفسه. فكلما اعتمد عدد أكبر من الدول على الرقائق والسحب والنماذج ذاتها، ازدادت تكلفة الانتقال إلى منظومة منافسة، والوظيفة الرابعة، وربما الأكثر أهمية على المدى الطويل، تحدد القواعد وتحاول الإجابة عن أسئلة عدة من ضمنها من يحدد معايير الأمن؟ ومن يضع ضوابط تصدير الرقائق؟ ومن يقرر كيف تنقل البيانات؟ وما الشروط التي ستطبق على النماذج والأنظمة العالية الخطورة؟

يكشف الخليج بصورة مبكرة أن ظهور معسكرين تكنولوجيين لن يؤدي بالضرورة إلى موقف خليجي موحد، فالإمارات اقتربت بوضوح من المنظومة الأميركية وانضمت إلى "باكس سيليكا" بينما اختارت عمان أن تصبح من الدول المؤسسة للإطار الذي تقوده الصين

والطرف الذي ينجح في بناء أكبر شبكة لن يبيع التكنولوجيا فقط، بل قد يكتب جزءا من قواعد استخدامها عالميا، وتظهر هذه الاستراتيجيا الأميركية بوضوح في ملف المعادن.

فقبل إطلاق "باكس سيليكا" أنشأت واشنطن مع حلفائها شراكة أمن المعادن بهدف تقليل الاعتماد على الصين في مواد مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والجرافيت والعناصر الأرضية النادرة، وهناك تداخل واضح بين الشبكتين. فأوستراليا وكندا وفنلندا والهند واليابان وكوريا الجنوبية والنروج والسويد وبريطانيا والاتحاد الأوروبي تشارك في شراكة المعادن، كما توجد داخل "باكس سيليكا".

وبذلك تحاول واشنطن ربط المواد الخام والرقائق والحوسبة والذكاء الاصطناعي داخل سلسلة سياسية واقتصادية واحدة.

وتنبع أهمية ذلك من النفوذ الصيني الكبير على المعادن الحرجة. فالصين تسيطر على نحو 90% من عمليات معالجة العناصر الأرضية النادرة عالميا، وهي مواد تدخل في صناعات من المغناطيسات والمحركات الكهربائية إلى الإلكترونيات والأنظمة الدفاعية، وقد استخدمت بكين بالفعل قيود التصدير على بعض المعادن بوصفها أداة ضغط في مواجهتها الاقتصادية مع واشنطن.

ومن ثم، فإن الاستراتيجيا الأميركية لا تقتصر على أن تمتلك أفضل شريحة أو أفضل نموذج، وإنما تهدف أيضا إلى تقليل قدرة الصين على تعطيل السلسلة بأكملها. وبالمنطق نفسه، تستطيع بكين استخدام تفوقها في التعدين والمعالجة والتصنيع ليس فقط للضغط على الولايات المتحدة، وإنما لجذب دول تحتاج إلى التمويل والبنية التحتية والمصانع والأسواق الصينية.

الخليج بين المعسكرين

يكشف الخليج بصورة مبكرة أن ظهور معسكرين تكنولوجيين لن يؤدي في الضرورة إلى موقف خليجي موحد، فالإمارات اقتربت بوضوح من المنظومة الأميركية وانضمت إلى "باكس سيليكا" بينما اختارت عمان أن تصبح من الدول المؤسسة للإطار الذي تقوده الصين.

أما السعودية، وهي أكبر اقتصاد خليجي وصاحبة واحد من أكثر مشاريع الذكاء الاصطناعي طموحا في المنطقة، فقد بقيت حتى الآن خارج الإطارين، إذ تحاول الرياض الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من حرية الحركة قبل أن ترتفع تكلفة الاختيار.

فالولايات المتحدة تظل الشريك الذي يصعب الاستغناء عنه في الرقائق المتقدمة والحوسبة الضخمة والشركات القادرة على إنشاء أكبر مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. لكن الصين تحمل قيمة مختلفة بالنسبة إلى السعودية: التصنيع، والاتصالات، والبنية الرقمية، والاستثمارات، والعلاقات التجارية الواسعة، فضلا عن كونها سوقا لا تريد المملكة خسارتها.

ومن هذه الزاوية، تصبح العلاقة مع الصين أيضا ورقة تفاوض مع الولايات المتحدة، فكلما استطاعت الرياض إثبات وجود بدائل وشركاء متعددين، ازدادت قدرتها على التفاوض على شروط أفضل في نقل المعرفة والتوطين والاستثمارات، والأهم في الوصول إلى الرقائق والقدرات الحاسوبية المتقدمة.

AFP
الرئيس الأميركي دونالد ترمب وولي العهد ورئيس وزراء المملكة العربية السعودية محمد بن سلمان يصلان إلى منتدى الاستثمار الأميركي السعودي في مركز جون إف كينيدي للفنون المسرحية في واشنطن العاصمة

أما الاندماج الكامل في منظومة واحدة، فقد يمنح المملكة وصولا أسهل إلى التكنولوجيا الأكثر تطورا، لكنه قد يقلص قدرتها على المناورة في المستقبل. ولهذا لا تقتصر الاستراتيجيا السعودية على موازنة واشنطن وبكين. فالمملكة توسع أيضا تعاونها مع فرنسا ودول أوروبية، في محاولة لبناء شبكة واسعة من الشركاء تمنع تحول أي دولة إلى مورد وحيد لمشروع تكنولوجي سيمتد لعقود.

وهذا يتفق مع الرؤية التي عبر عنها وزير الاتصالات عبدالله السواحه في شأن تحويل المملكة إلى مركز يربط منظومة الذكاء الاصطناعي بين الشرق والغرب.لكن هذه المعادلة ستواجه اختبارها الحقيقي إذا تحولت الضغوط الأميركية من تفضيل سياسي إلى شرط تكنولوجي.

فعندها لن تطلب واشنطن في الضرورة من الرياض فك علاقاتها الاقتصادية مع بكين، وإنما قد يصبح السؤال أكثر تحديدا: هل تقبل السعودية بإبعاد الشركات والمعدات والتكنولوجيا الصينية عن الطبقات الأكثر حساسية في بنيتها الرقمية مقابل الحصول على أحدث الرقائق والنماذج الأميركية؟

وهنا تصبح المسألة أكثر تعقيدا من مجرد اختيار بين أميركا أم الصين. فالسؤال الحقيقي سيكون أين سترسم السعودية الخط الفاصل بينهما؟

من الممكن نظريا أن تحاول الرياض إبقاء الصين شريكا مهما في التجارة والتصنيع وبعض جوانب البنية التحتية، بينما تمنح الولايات المتحدة الأفضلية في الرقائق المتقدمة والحوسبة والأنظمة الأكثر حساسية، لكن نجاح هذه الصيغة يعتمد على مدى استعداد واشنطن نفسها لقبول الفصل بين المستويات المختلفة للتعاون، وإذا اتجه العالم إلى منظومتين تكنولوجيتين مغلقتين بدرجة أكبر، فقد يصبح هذا النوع من التوازن أصعب بمرور الوقت.

وهنا تكمن أهمية التجربة الخليجية كلها. فالمنطقة بنت سياستها خلال السنوات الماضية على تنويع الشركاء بدل الارتهان إلى قوة واحدة، والاستفادة في الوقت نفسه من الأمن الأميركي والتجارة الصينية والاستثمار والتكنولوجيا الأوروبية والآسيوية.

أما سباق الذكاء الاصطناعي، فقد يكون المجال الذي يختبر حدود هذه الاستراتيجيا بأقسى صورة. ففي عالم تتحول فيه الرقائق والحوسبة إلى أدوات نفوذ سياسي، قد لا يكون السؤال مستقبلا من يبيع التكنولوجيا الأفضل فقط، وإنما من يسمح لك أصلا بشرائها إذا كنت تستخدم تكنولوجيا منافسه.

font change

مقالات ذات صلة