لم يعد الجدل الأميركي في شأن الذكاء الاصطناعي يدور فقط حول حماية الخصوصية أو مكافحة التحيز أو تنظيم سوق العمل. فخلال الأسابيع الأخيرة، انتقل مركز الثقل إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بإمكان تحول أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي إلى أدوات استراتيجية ينبغي أن تراها الدولة قبل أن يستخدمها العالم.
ففي يونيو/حزيران الماضي، نقلت وسائل الإعلام أخبارا غير رسمية عن نقاشات داخلية في البيت الأبيض لمراجعة نماذج الذكاء الاصطناعي قبل طرحها، لكن سرعان ما تحولت تلك الأخبار إلى سياسة تنفيذية تحمل ملامح نهج أميركي جديد بعدم إعلان "ترخيص مسبق" رسمي للنماذج، مع فتح باب واسع لتدخل الحكومة في لحظة حساسة جدا، هي لحظة ما قبل الإطلاق.
فقد ذكرت وسائل إعلام أميركية أن إدارة ترمب كانت تدرس إنشاء عملية مراجعة حكومية رسمية للنماذج الجديدة، وأن الدافع المباشر كان القلق من نموذج "ميثوس" التابع لشركة "أنثروبيك"، بسبب قدراته المتقدمة في البرمجة واكتشاف الثغرات السيبرانية، بما قد يساعد، في حال إساءة استخدامه، في تسريع هجمات إلكترونية معقدة.
وفي الثاني من يونيو/حزيران، انتقل الأمر من مرحلة التسريبات إلى نص تنفيذي واضح، إذ وقع ترمب أمرا بعنوان "تعزيز ابتكار الذكاء الاصطناعي المتقدم وأمنه"، يضع الأمن السيبراني في قلب سياسة الذكاء الاصطناعي. لا يقدم الأمر نفسه باعتباره أداة لكبح الصناعة، بل كإطار للتعاون بين الحكومة والقطاع الخاص، بهدف تحديث أنظمة المعلومات الحكومية والخاصة، وحماية الملكية الفكرية الأميركية، وتقوية القدرات السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي. لكنه، عمليا، يمنح الحكومة دورا مباشرا في تقييم النماذج الأقوى قبل وصولها الواسع إلى السوق.
طوعي أم إلزامي
النقطة الأكثر أهمية في الأمر التنفيذي هي إنشاء مسار لتحديد ما يسمى "النماذج الحدودية المغطاة"، أي النماذج المتقدمة التي قد تمتلك قدرات سيبرانية حساسة. وينص الأمر على تطوير عملية تقييم سرية لقياس القدرات السيبرانية المتقدمة للنماذج، وتحديد العتبة التي تجعل نموذجا ما داخل هذه الفئة.
كما يتيح للشركات، ضمن إطار تصفه الإدارة بأنه طوعي، أن تمنح الحكومة وصولا إلى تلك النماذج لمدة قد تصل إلى 30 يوما قبل إتاحتها لشركاء موثوق بهم آخرين. والأهم أن النص يسمح أيضا بتعاون الحكومة مع المطورين في اختيار هؤلاء الشركاء الذين يحصلون على الوصول المبكر.


