ما رسائل المشاركة الحوثية في تشييع خامنئي؟

سوء تدبير وتقدير

رويترز
رويترز
نعوش المرشد الأعلى الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي وأفراد من عائلته، إلى جانب كرسي رمزي يرمز إليه وصورة للزعيم الراحل للثورة الإسلامية في إيران الخميني

ما رسائل المشاركة الحوثية في تشييع خامنئي؟

بعناية واضحة اختارت جماعة الحوثيين الموالية لإيران من أسمته "وفدا رسميا وشعبيا" للمشاركة في تشييع جنازة "المرشد الأعلى" الإيراني الراحل علي خامنئي، حتى ليبدو هذا الوفد "رفيع المستوى" ممثلا لجميع فئات المجتمع اليمني، التي لا تشارك غالبيتها الساحقة هذه الجماعة المذهبية حزنها في رحيل الولي الفقيه، ولا تعاضدها مع من تصفه بـ"الشعب الإيراني الشقيق" الذي تعاني قطاعات واسعة منه الأمرّين، نتيجة سياسات نظام "المرشد" الراحل ونجله مجتبي من بعده.

يضم الوفد الحوثي إلى طهران، كلا من محمد النعيمي، عضو المجلس السياسي لجماعة الحوثيين، وشمس الدين شرف الدين، مفتي الجماعة بالإضافة إلى جلال الرويشان، نائب رئيس الوزراء لشؤون الأمن والدفاع، فيما يسمى حكومة الحوثيين غير المعترف بها دوليا، وكذلك عبدالله عيضة الرزامي القيادي في الجماعة، وعبد الإله حجر مستشار المجلس السياسي الحوثي.

لكن الطريقة التي اختارت الجماعة أن تتم بها هذه المشاركة، والأجواء التصعيدية التي رافقتها من قبل الحوثيين، هي ما بدت مستفزة للكثيرين في اليمن والإقليم، واستدعت معها ردود فعل مقابلة غاضبة، فأن تخترق طائرةٌ مدنية إيرانية الأجواء اليمنية، وتهبط في مطار صنعاء لنقل وفد الجماعة إلى طهران، يبدو أمرا غير مبرر، حتى لو كان ذلك بدعوى إعادة مواطنين "عالقين" يقال إنهم من عناصرها قادمين من طهران، وذلك دون موافقة الأمم المتحدة وتحالف دعم الشرعية اليمنية الذي تقوده السعودية، وكان بإمكان الجماعة إرسال من ينوب عنها في تشييع خامنئي عن طريق دولة ثالثة أو من ممثليها المقيمين في سلطنة عمان، حيث لا توجد عوائق أو ممانعة، ويمكن تغليف الأمر بدواع أو مبررات إنسانية وحتى دينية أيضا.

لا يزال هذا المطار، الذي تم استهدافه غير مرة، يقع تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة والقرار الدولي 2216 لعام 2015 المفروض عليه حظر منذ انقلاب الميليشيات الحوثية على الدولة اليمنية، بالنظر أيضا إلى أنه كان يضم قاعدة (الديلمي) العسكرية، ويستخدم بعض مدرجات المطار وأجهزته الملاحية إلى جانب منصات الدفاع الجوي.

رسائل التشييع

لكن من الواضح أن الميليشيات الحوثية التي تعيش أسوأ أيامها، أرادت أن تبعث من خلال هذه الخطوة أكثر من رسالة واحدة، لأكثر من طرف بعينه في الداخل أو الخارج، فهي أولا تريد إعادة الإعلان عن نفسها كسلطة، وإن لم يكن يعترف بها أحد في العالم، سوى إيران و"حزب الله" اللبناني، بل أكثر من ذلك أنها مصنفةٌ من قبل الولايات المتحدة الأميركية وبعض حلفائها كمنظمة إرهابية أجنبية، ويخضع معظم قيادات الصف الأول من قياداتها السياسية والعسكرية والمذهبية لعقوبات أميركية وأممية صارمة.

الطريقة التي اختارت الجماعة أن تتم بها هذه المشاركة والأجواء التصعيدية التي رافقتها من قبل الحوثيين، هي ما بدت مستفزة للكثيرين في اليمن والإقليم، واستدعت معها ردود فعل مقابلة غاضبة



الرسالة الأخرى لجماعة الحوثيين، هي أنها بمشاركتها في تشييع خامنئي بوفد قادم من صنعاء، تريد القول إنها قادرة على كسر عزلتها الخارجية في أي وقت تشاء، وهذه المرة كأن جنازة خامنئي محفلٌ دولي جاءت إليه لتمثل فيه "حكومة صنعاء" المختطفة، وليس لحضور جنازة رجل مات، وذلك بصفتها ذراعا تابعا لـ"الحرس الثوري" الإيراني، وليس سلطة في عاصمة دولة مستقلة وذات سيادة. تعيش جماعة الحوثي وضعا داخليا شديد التعقيد والخطورة على أكثر من صعيد، كما تواجه اتهامات لها ‏بمحاولة افتعال أزمات، وخلق توترات وتصعيد عسكري، في محاولة لتصدير أزمتها نحو الخارج، ومن ذلك تهديد المملكة العربية السعودية مجددا.

على سبيل المثال تحميل الجارة السعودية المسؤولية عن تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لسكان المناطق الواقعة تحت سيطرة ميليشيات الجماعة، وهو الأمر الذي وصل حد تهديد الناطق باسمها باستهداف المصالح الاقتصادية للمملكة في البر والبحر كما قال. لكن المتحدث باسم "تحالف دعم الشرعية" في اليمن تركي المالكي اعتبر أن تصريحات الميليشيا الحوثية ضد السعودية "لا تعد سوى محاولة لصرف الأنظار عن انتهاكاتها الجسيمة ضد الشعب اليمني"، وأن هذه الميليشيات "تسعى من خلال تصريحاتها، لتصدير المشكلات الاقتصادية، ومعاناة الشعب اليمني التي تسبَّبت فيها، وتغطية الرفض القبلي والاجتماعي الذي تواجهه إلى محيط اليمن الإقليمي، ودول الجوار".

القول الفصل

الأهم في حديث المالكي أنه كشف، ربما للمرة الأولى، عن أن السعودية عملت أيضا مع شركائها الإقليميين والدوليين على حل الأزمة اليمنية عبر خريطة طريق "وافقت عليها الحكومة اليمنية، ورفضتها الميليشيات التي ذهبت أبعد من ذلك برفض حلول السلام الدائم، وهاجمت خطوط الملاحة البحرية، والتجارة العالمية في جنوب البحر الأحمر، ومضيق باب المندب"، بحسب ما جاء في بيان المالكي.

وتعقيبا على تهديدات الناطق باسم الحوثيين لبلاده، أكد المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن أن التحالف سوف "يرد ويضرب بكل حزم وبقوة غير مسبوقة أي محاولات لاستهداف المملكة، ومواطنيها ومقدراتها الوطنية، أو محاولات انتهاك سيادة الجمهورية اليمنية، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية".

أ.ف.ب
من المراسم الشعبية لتشييع خامنئي

 

أكد المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن أن التحالف سوف "يرد ويضرب بكل حزم وبقوة غير مسبوقة أي محاولات لاستهداف المملكة



رد فعل الجانب اليمني

من جانبه، بحث مجلس القيادة الرئاسي في اليمن خلال اجتماع حضوري وافتراضي لكامل أعضائه، وكبار المسؤولين في السلطتين التشريعية والتنفيذية "الانتهاك الإيراني السافر لسيادة الجمهورية اليمنية" بعد تسيير رحلة جوية مباشرة إلى مطار صنعاء، معتبرا أن هذا يؤكد "ارتهان الميليشيات الحوثية الكامل للمشروع الإيراني، وتغليبها مصالح هذا النظام المارق على مصالح الشعب اليمني، واستخدامها مؤسسات الدولة ومنافذها، لخدمة أجندته التي تقوّض سيادة اليمن وأمنه واستقراره".

وأكد أن هذا التطور "الخطير" لا يستهدف اليمن وحده، وإنما "يمثل تهديدا مباشرا للأمن الإقليمي والدولي، وتقويضا للجهود الدولية الرامية إلى خفض التصعيد، ورسالة جديدة تؤكد أن النظام الإيراني مستمر في انتهاك القانون الدولي، واستخدام الميليشيات المسلحة أدوات لزعزعة الاستقرار، وأن أي تفاهمات مع هذا النظام، لن تكون قابلة للاستمرار، ما لم تقترن بآليات حقيقية للردع والمساءلة".

الحوثيون وحراك القبائل

تنظر أعين الحوثيين بقلق بالغ إلى تجمع قبلي مسلح في محافظة الجوف على الحدود الجنوبية للسعودية، مناهض لهم بشدة، ويزداد كل يوم عددا وعتادا، وذلك بسبب سوء تصرف الميليشيات الحوثية في التعامل مع "قضية حقوقية" تدخل فيها الشيخ القبلي حمد بن فدغم، لنصرة امرأة تدعي ملكيتها لعقار في صنعاء، حيث قامت الجماعة بسجنه مع المدعية، ليخرج بعد خمسين يوما من المعاناة، بمناشدة قبائل اليمن للاجتماع في مطرح الريان، للنظر في الأمر حيث بلغ عدد المحتشدين معه حتى الآن، ما يقرب من ثمانية آلاف شيخ قبلي بأسلحتهم المتوسطة والخفيفة يمثلون قبائلهم في سائر أنحاء البلاد، حتى وإن كان هذا التمثيل إلى الآن، بحسب بعض القادة السياسيين والقبليين، لا يزال رمزيا، ولا يمكن التعويل عليه في المرحلة الراهنة لصنع الفارق في النزاع مع الحوثيين، لكنه يعكس غضب معظم اليمنيين وعطشهم إلى منازلة ميليشيات الحوثيين، وهذا على الأقل وفقا لما توحي به مصادر وشخصيات اعتبارية عدة، ومقاطع فيديو متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي على نحو واسع، ولعل تحرك الحوثيين نحو طهران هو أحد الرسائل التي يريد الحوثي أن يبعثها إلى الداخل المحتقن ضده.

في التحليل النهائي تتباين آراء ووجهات نظر عديدة في كيفية خروج اليمن من هذا المأزق، فبينما يقول الدبلوماسي والسياسي المعروف، فيصل بن أمين أبو راس: "إن اليمن لا يحتاج إلى مشروع ينتصر لفئة على أخرى، ولا إلى مشروع يستقوي بالخارج على الداخل، وإنما إلى مشروع وطني جامع يجعل اليمن أولا، ويحفظ سيادته ووحدته وكرامة أبنائه، ويقيم علاقات متوازنة مع الجوار تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، لا على التبعية أو الارتهان، فالأوطان لا تُبنى إلا عندما تكون مصلحتها العليا فوق كل اعتبار". لكن الواقع هو أن غالبية اليمنيين ترى أنه لا مجال بعد اليوم لذلك سوى بالحسم مع جماعة مذهبية مسلحة كالحوثيين، بلغ معها غرورها العسكري المسنود بالدعم الإيراني حد الشعور أنه لا يمكن كسرها وهزيمتها عسكريا، ولا بإدارة الصراع معها بتأجيل الحل وترحيله رهانا على الوقت ومتغيراته، ولا بحل سلمي مثالي مستحيل ولا بأنصاف حلول، وأنه ليس ثمة خيار آخر غير الميدان في نظر هؤلاء، حيث "بات الموت بكرامة بعد قتالهم، أفضل من التعايش بلا كرامة مع جماعة سلالية عنصرية، أمثال هؤلاء"، كما يقول اليوم عديدون بعد اثني عشر عاما من الحرب والمعاناة واليأس بلا أفق.

font change