على مدى عقدين من الزمان، كان الحضور الصيني المتنامي في أميركا اللاتينية يُفسَّر في المقام الأول عبر بوابة السلع الأساسية والتجارة والقروض السيادية؛ غير أن هذا التفسير بات اليوم قاصراً عن إحاطة الواقع بواقعه. إذ تتسع أجندة بكين الإقليمية لتشمل الموانئ، والشبكات الرقمية، والطاقة، والصناعات التحويلية المتقدمة، والتنسيق السياسي، والتعاون الأمني. بل إن وثيقة السياسة الصينية لعام 2025 تُقدِّم أميركا اللاتينية وحوض الكاريبي بوصفها قوة متميزة ضمن نظام دولي أكثر تعددية للأقطاب. ويُشكل هذا العلاقات المتسعة تحولاً بارزاً، وإن لم يكن قطعاً كاملاً مع الماضي.
فلا تزال السلع الأساسية تحتل موقع الصدارة، حتى مع استناد أشكال التعاون الحديثة إلى روابط اقتصادية أُرسيت قواعدها قبل وقت طويل من بدء انضمام دول أميركا اللاتينية إلى مبادرة "الحزام والطريق"- وهي البرنامج العالمي لبكين في مجال البنية التحتية والترابط. وقد تكمن الأهمية الجيوسياسية الحقيقية فيما تتيحه هذه الروابط اليوم؛ حيث تترسخ الصين بشكل أعمق في مجالات البنية التحتية والتكنولوجيا والمؤسسات الإقليمية، مما يمنح حكومات أميركا اللاتينية هامشاً أكبر لتنويع الشراكات وتحقيق أولوياتها الوطنية. وفي المقابل، باتت واشنطن تنظر إلى دور بكين بمزيد من الصراحة والوضوح بوصفه منافسة استراتيجية. إن تجاوز نطاق "السلع الأساسية" يضع هذه التحولات في سياق جيوسياسي أرحب، في وقت تسعى فيه حكومات أميركا اللاتينية إلى تحقيق قدر أكبر من الاستقلالية في علاقاتها الخارجية، وتواجه فيه الولايات المتحدة نصف كوكب الأرض الذي لم يعد فيه نفوذها أمراً مسلماً به.
مرتكزات قديمة وأبعاد جديدة
إن فكرة دخول مرحلة جديدة تتطلب بعض التحفظ؛ إذ لا تزال علاقة الصين بأميركا اللاتينية متجذرة في الظروف التي غذت نموها خلال طفرة السلع الأساسية في العقد الأول من القرن الحالي، عندما أدى الطلب الصيني على المواد الخام إلى تحول جوهري في التجارة الإقليمية. ولا يزال تأمين إمدادات المعادن والطاقة والمنتجات الزراعية يمثل أولوية استراتيجية. كما أن مبادرة "الحزام والطريق" لم تحدث التحول الذي يُنسب إليها أحياناً، بل بَنَت على جهود سابقة لتمويل البنية التحتية وتعزيز الروابط التجارية. ويظهر هذا الاستمرار جلياً اليوم؛ إذ تمد أميركا اللاتينية الصين بنحو ثلاثة أرباع وارداتها من فول الصويا وشبه كامل وارداتها من كربونات اللثيوم عام 2024، مما يوضح كيف يستمر أمن الموارد في قيادة المصالح التجارية لبكين في المنطقة حتى مع تطور تركيزها.


