لماذا سيصعب على اليمين الجديد في أميركا اللاتينية الحكم؟

في كولومبيا وغيرها كان الوصول إلى السلطة هو الجزء الأسهل

(أ.ف.ب)
(أ.ف.ب)
أنصار الكولومبي إيفان سيبيدا يتجمعون بعد إعلان النتائج الأولية لجولة الإعادة في بوغوتا، 21 يونيو 2026

لماذا سيصعب على اليمين الجديد في أميركا اللاتينية الحكم؟

جاء اقتراع الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الكولومبية في 21 يونيو/حزيران، بين المرشح اليساري إيفان سيبيدا عن ائتلاف الميثاق التاريخي الحاكم، ورجل الأعمال اليميني أبيلاردو دي لا إسبرييلا عن حركته الخاصة "المدافعون عن الوطن"، منسجما مع نمط الانتخابات الأخيرة في أميركا الجنوبية.

وعقب الدعم الذي حظي به دي لا إسبرييلا من قِبل الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ومن ثم تحقيقه الفوز يوم الأحد، تلتحق كولومبيا بركب الأرجنتين وتشيلي والإكوادور والسلفادور وهندوراس، وربما بيرو كذلك، ضمن تيار سياسي متنام يتسع داخل المنطقة ويدور في فلك ترمب.

ثمة أسباب تدعو إلى القلق من أن هذه الموجة الجديدة من الترمبيين الهسبان ستعمل على ترسيخ سلطة الجهاز التنفيذي على حساب الضوابط والتوازنات التي يقوم عليها الحكم الديمقراطي، كما حدث بالفعل في عهد الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلة والرئيس الإكوادوري دانيال نوبوا.

غير أن هؤلاء القادة سيغادرون مناصبهم في نهاية المطاف، سواء بفعل حدود الولايات الرئاسية أو نتيجة هزيمة انتخابية. أما الخطر الأبعد مدى على ديمقراطيات أميركا اللاتينية، فيتمثل في تلاشي الوسط من الحياة السياسية في كثير من بلدان المنطقة.

حقق دي لا إسبرييلا فوزا ضئيلا، إذ حصل على 49.7 في المئة من الأصوات مقابل 48.7 في المئة لسيبيدا. ويكشف عجزه حتى عن انتزاع أغلبية واضحة حجم الطريق الوعر الذي ينتظره، ليس بصفته الرئيس المنتخب الجديد فحسب، بل أيضا في إدارة الحكم وصناعة التوافق السياسي في كولومبيا. ولا يقتصر هذا السباق المتقارب، الذي مال في نهايته إلى اليمين، على كولومبيا أو على "النمر"، كما يحب دي لا إسبرييلا أن يطلق على نفسه.

(أ.ف.ب)
أنصار أبلاردو دي لا إسبريا يتابعون النتائج الأولية لجولة الإعادة في مدينة كالي، 21 يونيو 2026

وفي استحقاقين انتخابيين آخرين أُجرِيا مؤخرا، في تشيلي وعلى الأغلب في بيرو، حيث بقيت النتائج متقاربة لحد منع حسمها وقت تدوين المقال، انحاز الناخبون نحو الخيار اليميني المتطرف. ومع ذلك، اتسمت هذه الانتخابات بشدة التقارب والاستقطاب، إذ وضعت مرشحين من أقصى اليسار نسبيا في مواجهة مرشحين من أقصى اليمين، بينما بقيت أحزاب الوسط ومرشحوها الرئاسيون على هامش المشهد إلى حد كبير.

الخطر الأبعد مدى على ديمقراطيات أميركا اللاتينية يتمثل في تلاشي الوسط من الحياة السياسية في كثير من بلدان المنطقة

لقد جعل غياب الوسط الفائزين بلا سند سياسي حقيقي. فالرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاست، الذي انتُخب في ديسمبر/كانون الأول 2025، يعاني بالفعل التشرذم الحزبي وضغط الرأي العام. وسيواجه الرئيس المقبل في بيرو، أيا يكن، الإحباطات نفسها. أما دي لا إسبرييلا، فتنتظره مهمة أشد صعوبة، وقد تدفعه أكثر نحو نزعاته السلطوية.

ولا يبعث هذا التقلب المستمر في مزاج الرأي العام، المدفوع بالسخط على شاغلي المناصب أكثر مما يعكس تحولا أيديولوجيا شاملا، على التفاؤل حيال مستقبل المنطقة. فمن جهة، ستغدو المعارك الانتخابية أكثر شراسة. ومع تباعد الخيارات الأيديولوجية، ستزداد مشقة بناء أرضية مشتركة للتسوية حول الملفات المعقدة المتصلة بالإصلاح المؤسسي، والحفاظ على هذه الأرضية، بما قد يرفع احتمالات العنف الاجتماعي والسياسي. كما ستصبح صياغة سياسة خارجية منسجمة والتمسك بها مهمة أشد تعقيدا، وهي مهمة تتضاعف أهميتها في عصر تحتدم فيه المنافسة الجيوسياسية.

قبل عقدين من الزمن، كان من العسير تصور نتيجة الانتخابات الكولومبية التي جرت في عطلة نهاية هذا الأسبوع، إذ حقق وافد سياسي جديد مثل دي لا إسبرييلا انتصارا مفاجئا، مستندا إلى حزب حديث النشأة تماما، ومخترقا سباقا مزدحما بالمتنافسين. ففي الجولة الأولى من الانتخابات، تفوق المحامي ورجل الأعمال اللافت بأناقته وحضوره اللامع على الحاكم الوسطي السابق لإقليم أنتيوكيا، سيرخيو فاخاردو، كما أزاح مرشحة يمين الوسط بالوما فالنسيا، ممثلة "حزب المركز الديمقراطي".

وكان يصعب بالقدر نفسه أن تبدو فالنسيا، المرشحة التي حظيت بدعم الرئيس السابق ألفارو أوريبي، خيارا وسطيا. غير أن مجرد ظهورها اليوم بهذا الوصف يكشف حجم الانزياح الذي دفع السياسة الكولومبية بعيدا عن الوسط ونحو أطرافها الأكثر تشددا.

حقق دي لا إسبرييلا فوزه عبر استثمار مخاوف المواطنين من تصاعد الجريمة والعنف، بعد إخفاق خطة الرئيس المنتهية ولايته غوستافو بيترو للتفاوض على السلام مع الجماعات الإجرامية والمقاتلين السابقين الذين يسيطرون على نحو 40 في المئة من المناطق الريفية في كولومبيا. وأصبحت الجريمة وانعدام الأمن اليوم بين أبرز هواجس الناخبين الكولومبيين. وعلى هذه المخاوف بنى دي لا إسبرييلا حملته، متعهدا باتباع نهج صارم، يشمل بناء سجون جديدة مشددة الحراسة، وتنفيذ ضربات عسكرية في مناطق تسيطر عليها جماعات إجرامية، على الأرجح بدعم أميركي، والقضاء على المجرمين كما تُباد "الصراصير والجرذان".

(رويترز)
أشخاص يمرون أمام ملصقات المرشح اليساري إيفان سيبيدا، بوغوتا، 22 يونيو 2026

ومع ذلك، لا يحظى أي من دي لا إسبرييلا أو سيبيدا، مرشح حكومة بيترو الحالية، بقبول واسع بين الناخبين الكولومبيين. ففي استطلاع سبق الانتخابات، أبدى 51.7 في المئة من الناخبين موقفا سلبيا من سيبيدا، مقابل 46.6 في المئة أبدوا الموقف نفسه من دي لا إسبرييلا. وسيظل هذا الرفض يلاحق الرئيس المقبل داخل كاسا دي نارينيو، القصر الرئاسي في كولومبيا.

التقلب المستمر في مزاج الرأي العام المدفوع بالسخط على شاغلي المناصب لا يبعث على التفاؤل حيال الحكم مستقبلا في أميركا اللاتينية

وفوق ذلك، تنذر موازين القوى داخل الكونغرس بانسداد سياسي. فقد حصلت "حركة الخلاص الوطني"، الحزب التقليدي الذي دعم دي لا إسبرييلا، على مقعد واحد فقط في مجلس النواب المؤلف من 183 مقعدا في الانتخابات التشريعية التي جرت في مارس/آذار. أما في مجلس الشيوخ، فلم تنل سوى أربعة مقاعد ضمن تحالف مع حزب آخر.

وترجح المؤشرات أن تتحول ولاية دي لا إسبرييلا الممتدة لأربع سنوات إلى مواجهات حادة مع السلطة التشريعية، في ظل تصاعد الرفض الشعبي له، وضعف التمثيل البرلماني لحركته، واتساع موجة التقلب السياسي في كولومبيا والمنطقة عموما. فقد تحولت الأحزاب المحافظة والوسطية في الكونغرس الكولومبي السابق إلى شوكة في خاصرة بيترو، بعدما عرقلت أبرز مشاريعه الاجتماعية أو أضعفتها بشدة، ولا سيما خطة إصلاح نظام الرعاية الصحية ومبادرة تعزيز حقوق العمال.

وحصد سيبيدا والميثاق التاريخي بقيادة بيترو في انتخابات الكونغرس لشهر مارس 24 في المئة من مقاعد مجلس الشيوخ و20 في المئة من مجلس النواب. ومن المرجح أن تؤدي هذه النتائج إلى ردود فعل.

ووجدت حكومات أخرى في المنطقة، وصلت إلى السلطة عبر سباقات رئاسية شديدة الاستقطاب، نفسها مضطرة إلى التعامل مع برلمانات معارضة وناخبين متقلبين. ففي تشيلي، شهد الرئيس المحافظ خوسيه أنطونيو كاست تراجعا في شعبيته إلى 29 في المئة، فيما أعرب 55.6 في المئة من المشاركين في استطلاع للرأي عن رفضهم لأدائه، بعد نحو خمسة أشهر من فوزه في جولة الإعادة في ديسمبر. ويشبه هذا المسار ما حدث مع سلفه، الرئيس غابرييل بوريك، المنتمي إلى يسار الوسط وائتلاف الجبهة الواسعة، إذ هبطت شعبيته هو الآخر إلى 39 في المئة بعد أشهر من أدائه اليمين، وظلت عند مستويات متدنية طوال ولايته الممتدة لأربع سنوات.

وكان كاست، المؤيد لترمب، قد انتصر على مرشحة أقرب إلى اليسار من بوريك نفسه. فجانيت جارا، زعيمة "الحزب الشيوعي"، خاضت السباق ممثلة لائتلاف الجبهة الواسعة، لكنها جاءت من موقع أكثر يسارية من قطاعات واسعة داخل هذا التكتل.

(رويترز)
أنصار المرشح اليساري إيفان سيبيدا خلال تجمع في الجامعة الوطنية الكولومبية بعد جولة الإعادة الرئاسية، بوغوتا، 21 يونيو 2026

أما جولة الإعادة المتقاربة في بيرو، التي جمعت بين طرفي الطيف الأيديولوجي، فلا تقل احتداما. وأيا يكن الخاسر، سواء اليمينية كيكو فوجيموري أو النائب اليساري روبرتو سانشيز، فمن شبه المؤكد أنه سيرفض النتائج. وحتى آخر إحصاء، كان الفارق بين المرشحين يقل عن 40 ألف صوت، مع تقدم طفيف لفوجيموري. ومن المقرر إعلان النتيجة الرسمية في يوليو/تموز، بعد أن تستكمل السلطات الانتخابية في بيرو عملية الفرز الدقيق.

ترجح المؤشرات أن تتحول ولاية دي لا إسبرييلا إلى مواجهات حادة مع السلطة التشريعية

هذه المرة، كان سانشيز، المرشح اليساري، هو من استنفر قاعدته للتشكيك في نتائج الانتخابات ونزاهتها. ففي الانتخابات السابقة، التي خسرتها فوجيموري أمام بيدرو كاستيو، أستاذ سانشيز السياسي، كانت فوجيموري، ابنة الدكتاتور السابق ألبرتو فوجيموري، هي من رفعت لواء الرفض وحشدت الشارع ضد النتائج. وبصرف النظر عن موقع المرشحين على الطيف الأيديولوجي، يبدو أن المتنافسين في بيرو يلجأون تلقائيا إلى اتهامات التزوير الانتخابي كلما جاءت النتائج متقاربة.

وتحسبا لاحتمال وقوع اضطرابات انتخابية، أقرت الحكومة عددا من الإصلاحات قبل هذه الانتخابات الأخيرة. وحققت تلك الإصلاحات قدرا من النجاح. فللحد من نفوذ الهيئة التشريعية الوطنية، التي كانت في السابق تتألف من مجلس واحد، أعادت الحكومة إحياء مجلس الشيوخ. كما فرضت السلطات الانتخابية حدا أدنى من الأصوات اللازمة للحصول على تمثيل في الكونغرس، بهدف تقليص التشرذم الحزبي.

ورغم أن هذه الإصلاحات كانت ترمي إلى تقليص عدد الأحزاب القادرة على المنافسة، خاض السباق الرئاسي أكثر من 30 مرشحا، وأسفرت انتخابات الكونغرس التي جرت في أبريل/نيسان عن دخول ستة أحزاب إلى مجلس النواب وإلى مجلس الشيوخ الذي أعيد تأسيسه حديثا.

ويشغل حزب فوجيموري، القوة الشعبية، الآن 32 في المئة من مقاعد مجلس النواب و37 في المئة من مقاعد مجلس الشيوخ. أما حزب سانشيز "معا من أجل بيرو"، فيملك 25 في المئة من مقاعد مجلس النواب و23 في المئة من مقاعد مجلس الشيوخ، ما يضع الحزبين فعليا في حالة تقارب شديد داخل الكونغرس ذي المجلسين.

وفي نظام سياسي تعاقب عليه تسعة رؤساء خلال عشر سنوات، إلى حد كبير بفعل إجراءات العزل، تبدو هذه المعادلة نذيرا بمتاعب جدية لمن سيرتدي الوشاح الرئاسي بعد الفرز الرسمي والنهائي للأصوات. ومن بين هؤلاء الرؤساء بيدرو كاستيو، الذي عزل وأزيح من منصبه بعد محاولة انقلاب ذاتي أقدم خلالها على حل المجلس التشريعي المعارض له. وكان آخر رئيس منتخب أكمل ولايته كاملة هو أويانتا هومالا، الذي أنهى ولايته في عام 2016، وغادر منصبه بنسبة تأييد لم تتجاوز 15 في المئة، وهو الآن في السجن بتهم فساد.

(رويترز)
امرأة تقرأ صحيفة تعلن فوز أبلاردو دي لا إسبريا في الانتخابات الرئاسية الكولومبية، بارانكيا، 22 يونيو 2026

يأتي الاستقطاب الانتخابي في لحظة بالغة الحساسية، إذ تواجه تشيلي وكولومبيا وبيرو تحديات عميقة، من تباطؤ النمو الاقتصادي وركود الإنتاجية إلى اتساع دائرة السخط الشعبي. ومع غياب الوسط، تتراجع القدرة على صياغة سياسات تكنوقراطية، والتخطيط على المدى الطويل، والحفاظ على اتساق السياسات، وهي مقومات أساسية لأي مسار قادر على النجاح.

مع غياب قوى الوسط تتراجع القدرة على صياغة سياسات تكنوقراطية والتخطيط على المدى الطويل

أما محاولات إصلاح قوانين الانتخابات وابتكار حوافز تدفع الأحزاب إلى تشكيل ائتلافات، كما حدث في بيرو، وفي كولومبيا عبر آلية تمهيدية غير ملزمة لاختيار المرشحين للرئاسة، فقد جاءت محدودة ومتأخرة. حيث دفع عجز الحكومات المنتخبة السابقة عن تحسين الخدمات الاجتماعية، وفتح مسارات الحراك الاجتماعي، والحد من الجريمة، وتعزيز الأمن، إلى جانب فضائح فساد حظيت بتغطية إعلامية واسعة، دفع الناخبين إلى الابتعاد عن الأحزاب السياسية التقليدية وقياداتها.

والأسوأ من ذلك أن تزايد مخاوف المواطنين من الجريمة وانعدام الأمن، مع تباين مقاربات القادة والأحزاب، أفضى إلى حالة من التخبط في السياسات. فاليسار يقترح السلام عبر المفاوضات ومعالجة الأسباب الجذرية للجريمة، بينما يتبنى اليمين نهجا متشددا تجاه المشتبه فيهم، بما يصاحب ذلك من تهديدات لحقوق الإنسان. ولا يحقق التذبذب بين هذين النهجين أهدافا قصيرة الأمد أو طويلة الأمد، بل يعقّد التعاون الإقليمي المستدام عبر الحدود، في وقت تتحول فيه عصابات المخدرات والشبكات الإجرامية إلى كيانات غير مشروعة عابرة للحدود. أما مبادرة درع الأميركتين التي أطلقها ترمب مؤخرا، فرغم أنها تحدد المشكلة بدقة، فإنها تبقى تحالفا حزبيا بين حكومات تتقاطع مع توجهات الرئيس الأميركي السياسية.

وقد يكون الانسداد السياسي أفضل النتائج الممكنة. أما الخطر الأكبر، فقد يتمثل في تركز السلطة التنفيذية بأيدي رؤساء غير مهيئين للتفاوض مع هيئات تشريعية غير متعاونة، أو لاحتواء تقلبات واسعة في الرأي العام، أو للتعامل مع ثقافة سياسية تميل أكثر فأكثر إلى منطق صفري. أما النتيجة الأفضل حقا، فستكون في إعادة اكتشاف الوسط، وصوغ أجندة مشتركة عابرة للطيف السياسي لمعالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية الملحة.

(أ.ف.ب)
الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو يغادر مراسم الذكرى المئوية الثانية لمؤتمر بنما في مدينة بنما، 22 يونيو 2026

ومع تدخل ترمب لدعم حلفائه، يبدو بلوغ هذا القدر من التوافق بعيد المنال. غير أن التجارب الانتخابية الحديثة توحي بأن موجة جديدة من السخط على الحكام القائمين قد تطيح بمعظم هؤلاء الحلفاء في نهاية المطاف. وحينها، قد تتسع المساحة أمام حلول عملية لمعالجة المشكلات، بعيدا عن الاستقطاب الأيديولوجي.

font change

مقالات ذات صلة