طريق طويل إلى البيت الأبيض... الاشتراكية الديمقراطية تختبر حدودها السياسية

فكرة تبحث عن حزب ثالث؟

(رويترز)
(رويترز)
عبد الرحمن السيد في تجمع انتخابي يضم السيناتور بيرني ساندرز، والنائبتين ألكساندريا أوكازيو-كورتيز ورشيدة طليب، والنائب في مجلس ولاية ميشيغن دونافان مكيني، في ديترويت بولاية ميشيغن، يوليو 2026

طريق طويل إلى البيت الأبيض... الاشتراكية الديمقراطية تختبر حدودها السياسية

أثار فوز عبدول السيد في الانتخابات التمهيدية لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ الأميركي عن ولاية ميشيغن، في الانتخابات النصفية المقررة في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، أثار الكثير من الانتباه السياسي، سلبا وإيجابا.

اللافت في انتصار السيد ليس فقط موقعه في الجناح التقدمي اليساري للحزب الديمقراطي، وتقاربه في كثير من مواقفه مع التيار الذي تمثله منظمة "الاشتراكيون الديمقراطيون في أميركا"، أو الـ"دي إس إيه" (Democratic Socialists of America – DSA)، وإنما أيضاً قدرته على الانتصار في حملة انتخابية حصلت فيها منافسته في الحزب الديمقراطي، هيلي ستيفنز، على دعم مالي وسياسي غير مسبوق من داخل الولاية وخارجها، وخصوصاً من "أيباك"، إحدى أقوى جماعات الضغط الأميركية المناصرة لإسرائيل.

ففضلا عن الأموال التي جمعتها حملة ستيفنز مباشرة، استفادت الأخيرة من أكثر من 60 مليون دولار من الإنفاق الخارجي المستقل الذي استهدف دعمها أو معارضة السيد، جاء جزء كبير منه من خارج ولاية ميشيغن. وكانت "أيباك" والجماعات المرتبطة بها مسؤولة عن نحو نصف هذا الإنفاق، إذ أنفقت قرابة 30–32 مليون دولار في محاولة لهزيمة السيد، المعروف بانتقاده لإسرائيل ومعارضته للمساعدات العسكرية الأميركية غير المشروطة لها.

يُقلق السيد وأمثاله، ممن يدفعون الحزب الديمقراطي إلى اليسار ويطيحون بمحرمات سياسية كثيرة، مثل إثارة مفهوم الاشتراكية علنا، ونقد "العلاقة الخاصة" بين أميركا وإسرائيل، وتحدي "أيباك" علنا، يقلق الحزبَ الجمهوري والبيت الأبيض كثيرا. ففيما يحذّر جمهوريون من أن السيد يمثل أحد أكثر الديمقراطيين راديكالية، يذهب ترمب أبعد من التحذير من الأفكار إلى التخويف من الأشخاص. ففضلا عن هجومه الشديد على السيد ووصفه إياه بأنه "شيوعي" و"مليء بالهراء"، نشر ترمب، يوم فوز السيد بترشيح الحزب الديمقراطي، صورةً تُظهر، في جانب منها، الرئيس وزوجته ميلانيا، وفي الجانب الآخر السيد مع زوجته المحجبة سارة جاكوكا، معلّقا: "أميركتان مختلفتان تماما".

(رويترز)
يظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مؤتمر صحافي عقب اجتماعهما في نادي مار-أ-لاغو التابع لترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا الأميركية، 29 ديسمبر 2025

ولم يتوقف ترمب عند الخلاف السياسي، بل عمد أيضا إلى إبراز الخلفية المسلمة للسيد، مستخدما اسمه كاملا، "عبد الرحمن محمد السيد"، بدلا من الاسم المختصر الذي يستخدمه المرشح عادة في الحياة العامة والسياسية، في أسلوب يعيد إلى الأذهان إصراره المتكرر على استخدام الاسم الكامل للرئيس الأسبق باراك حسين أوباما، بما يحمله إبراز الاسم الأوسط "حسين" من إيحاءات سياسية وهوياتية، جوهرها التخويف من الإسلام، وهي إيحاءات استُخدمت طويلا في الخطاب المناهض لأوباما، وتُستخدم الآن ضد السيد.

الاشتراكية الديمقراطية الصاعدة في الحزب الديمقراطي

بعيدا عن القلق الجمهوري والرئاسي من صعود السيد، وهجوم ترمب عليه وتحذير الجمهوريين منه، ثمة انتباه سياسي عام في الولايات المتحدة إلى ظاهرة أوسع وأعمق تسهم في إعادة تشكيل الحزب الديمقراطي من داخله: صعود الاشتراكية الديمقراطية، التي تتمثل تنظيميا، على نحو بارز، في منظمة الـ"دي إس إيه"، المنفصلة تنظيميا عن الحزب الديمقراطي، لكنها لا تعمل أيضا بوصفها حزبا سياسيا مستقلا ينافس في الانتخابات بمرشحين على قائمته.

يُقلق عبدول السيد وأمثاله ممن يدفعون الحزب الديمقراطي يسارا ويُطيحون بمحرمات سياسية مثل نقد "العلاقة الخاصة" بين أميركا وإسرائيل، يقلق الجمهوريين والبيت الأبيض، حتى وصفه ترمب بـ"الشيوعي" ونشر صورة زوجته المحجبة معلّقا: "أميركتان مختلفتان"

تُقدم الـ"دي إس إيه" نفسها بوصفها منظمة سياسية وناشطة وليست حزبا، ويخوض كثير من أعضائها والمرشحين الذين تؤيدهم الانتخابات من خلال الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، مستفيدين بذلك من بنيته الانتخابية الواسعة، فيما يسعون، في الوقت نفسه، إلى دفع السياسة الأميركية والحزب الديمقراطي نحو اليسار.

ومع ذلك، لا توجد داخل المنظمة رؤية واحدة نهائية بشأن طبيعة علاقتها المستقبلية بالحزب الديمقراطي، إذ تضم تيارات مختلفة حول ما إذا كان العمل داخله وسيلة طويلة الأمد للتغيير أم مرحلة في طريق بناء قوة سياسية عمالية أكثر استقلالا.

وعلى غرار السيناتور بيرني ساندرز، لا ينتمي السيد رسميا إلى الـ"دي إس إيه"، لكنه قريب منها فكريا ويتبنى كثيرا من السياسات التي تدافع عنها.

وعلاوة على تأثيرها الفكري في شخصيات سياسية متعاطفة معها، تضم المنظمة بعض أبرز الأصوات الاشتراكية الديمقراطية في الحياة السياسية الأميركية، مثل عمدة مدينة نيويورك زهران ممداني، والنائبتين الديمقراطيتين في مجلس النواب ألكساندريا أوكازيو-كورتيز عن ولاية نيويورك، ورشيدة طليب، ذات الجذور الفلسطينية، عن ولاية ميشيغن.

(أ.ف.ب)
عبد الرحمن السيد، الفائز بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن في مؤتمر صحافي أمام تمثال "روح ديترويت" في ديترويت بولاية ميشيغن، 5 أغسطس 2026

وتزداد أيضا قوة هذا التيار مع فوز مرشحين اشتراكيين ديمقراطيين آخرين بترشيحات الحزب الديمقراطي، من بينهم كريس راب في بنسلفانيا وميلات كيروس في كولورادو.

ولا تقتصر هذه الظاهرة على الكونغرس، إذ يخوض أعضاء في الـ"دي إس إيه"، أو مرشحون يحظون بتأييد فروعها، انتخابات على مستوى المجالس التشريعية للولايات والحكومات المحلية أيضا. وبحلول صيف هذا العام، كان عشرات المرشحين الذين أيدتهم المنظمة قد حققوا نجاحات في الانتخابات التمهيدية في عدد من الولايات، في مؤشر على اتساع حضورها الانتخابي خارج عدد محدود من معاقل اليسار التقليدية.

الاشتراكية الديمقراطية في أميركا

تشكلت منظمة الـ"دي إس إيه" عام 1982 من اندماج منظمتين مختلفتين ضمن اليسار الأميركي، هما "الحركة الأميركية الجديدة" (New American Movement)، التي تأسست عام 1971، و"اللجنة التنظيمية للاشتراكية الديمقراطية" (Democratic Socialist Organizing Committee)، التي تأسست عام 1973 بقيادة الكاتب والناشط الاشتراكي مايكل هارنغتون.

كان هارنغتون قد دعا، منذ ستينات القرن العشرين، إلى تشكيل تحالف واسع يضم النقابات العمالية ومنظمات المجتمع المدني والقوى التقدمية داخل الحزب الديمقراطي، بدلاً من تأسيس حزب ثالث ينافس الحزبين الرئيسين، الديمقراطي والجمهوري، في ظل نظام سياسي وانتخابي يجعل نجاح الأحزاب الثالثة بالغ الصعوبة. لذلك دعا إلى العمل مع القوى التقدمية داخل الحزب الديمقراطي واستخدامه ساحةً لإعادة تشكيل السياسة الأميركية ودفعها نحو اليسار. ومع ذلك، شهدت الـ"دي إس إيه" منذ تأسيسها، ولا تزال تشهد، نقاشات داخلية بشأن العلاقة المثلى بالحزب الديمقراطي وحدود العمل من خلاله.

تُعرِّف الـ"دي إس إيه" نفسها بأنها "منظمة سياسية وناشطة وليست حزباً"، وتجاهر بطابعها الطبقي والعمالي، إذ تقول إن العاملين (العمال) ينبغي أن يديروا الاقتصاد والمجتمع ديمقراطياً لتلبية الاحتياجات الإنسانية، لا لتحقيق أرباح لفئة قليلة، وأنها منظمة "من الطبقة العاملة، وبواسطتها، ولأجلها".

تُقدّم "دي إس إيه" نفسها منظمة سياسية ناشطة وليست حزبا، تدفع السياسة إلى اليسار، لكن لا توجد رؤية نهائية بشأن علاقتها المستقبلية بالحزب الديمقراطي: هل هو وسيلةٌ طويلة الأمد للتغيير أم مرحلة في طريق بناء قوة عمالية أكثر استقلالا؟

ولا تبتعد المنظمة عن مفهوم الصراع الطبقي، بل يشكل هذا المفهوم جزءا مهما من رؤيتها للمجتمع والاقتصاد. فدستورها يشير صراحة إلى وجود تعارض أساسي في المصالح بين القطاعات التي تتمتع بقوة اقتصادية هائلة وبين الغالبية العظمى من السكان. لكنها تختلف عن الاشتراكية السلطوية والشيوعية السوفياتية في إصرارها على أن التغيير الاشتراكي ينبغي أن يكون ديمقراطيا، وأن يرتكز على المشاركة السياسية والتنظيم الشعبي والمؤسسات المنتخبة والحريات السياسية، لا على حكم الحزب الواحد وإلغاء التعددية.

ويكمن الاختلاف الأساسي بين الاشتراكية الديمقراطية التي تتبناها الـ"دي إس إيه" والديمقراطية الاجتماعية السائدة في أجزاء واسعة من أوروبا الغربية في أن الأولى لا تكتفي بعقلنة الرأسمالية وأنسنتها عبر تدخل أوسع للدولة وتنظيم السوق وتقليل الفوارق بين الأغنياء والفقراء وتوفير ضمانات اجتماعية قوية، بل تذهب إلى أبعد من ذلك عبر تبنيها، على المدى الطويل، تجاوز النظام الرأسمالي نفسه وإقامة نظام اشتراكي ديمقراطي.

ولا تعني الدعوة إلى هذا النظام الاشتراكي بالضرورة إلغاء كل أشكال الملكية الخاصة أو النشاط الاقتصادي الخاص، وإنما توسيع أشكال الملكية والسيطرة الاجتماعية والديمقراطية على الموارد ووسائل الإنتاج، ولا سيما في القطاعات الأساسية، بما يقلل تركّز الثروة والقوة الاقتصادية في أيدي فئة صغيرة.

(شترستوك)
أشخاص في طابور للتصويت يوم الانتخابات الأميركية

أما الحجم الذي ينبغي أن تؤديه آليات السوق، في مقابل التخطيط والملكية العامة والتعاونية وأشكال السيطرة العمالية، في النظام الاشتراكي المنشود، فهو من المسائل التي لا توجد بشأنها رؤية واحدة متفق عليها داخل التيار الاشتراكي الديمقراطي الأميركي.

لماذا تصعد الاشتراكية الديمقراطية في أميركا؟

على مدى السنوات العشر الماضية، تصاعد الانتماء إلى الـ"دي إس إيه" بالمعنى التنظيمي للكلمة، فضلا عن اتساع الحضور الشعبي والسياسي للأفكار التي تمثلها. فبعدما كان عدد أعضاء المنظمة لا يتجاوز بضعة آلاف في منتصف العقد الماضي، تقول المنظمة اليوم إن لديها أكثر من 100 ألف عضو وفروعاً في الولايات الأميركية الخمسين.

أما شعبيا، فتشير استطلاعات الرأي إلى انتقال الاشتراكيين الديمقراطيين، والأفكار التي يمثلونها، من هامش النقاش السياسي الأميركي إلى موقع أكثر حضورا فيه، فضلا عن تزايد الاستعداد الانتخابي للتصويت لمرشحين يتبنون هذه الأفكار. فبحسب استطلاع أجراه "مركز بيو للأبحاث" في يناير/كانون الثاني الماضي، ونُشرت نتائجه في يونيو/حزيران، قال 17 في المئة من الأميركيين إنهم ينظرون بإيجابية إلى السياسيين الذين يعرّفون أنفسهم بأنهم "اشتراكيون ديمقراطيون"، مقابل 38 في المئة ينظرون إليهم سلبا، فيما اتخذ 43 في المئة موقفا محايدا، قائلين إنهم لا يحبون هؤلاء السياسيين ولا يكرهونهم. 

أما بين الديمقراطيين والمستقلين الميالين إلى الحزب الديمقراطي، فالنظرة إلى السياسيين الاشتراكيين الديمقراطيين أكثر إيجابية، إذ قال 32 في المئة إنهم ينظرون إليهم بإيجابية، مقابل 11 في المئة ينظرون إليهم سلبا، فيما اتخذ 56 في المئة موقفا محايدا.

باتت حلول الاشتراكيين الديمقراطيين لمشكلات كالديون التعليمية والتفاوت في الرعاية الصحية وصعوبة تملّك المنازل لذوي الدخل المحدود والمتوسط وارتفاع تكلفة المعيشة، تكتسب جاذبية أكبر في مواجهة ثراءٍ فاحش تتمتع به نخبة صغيرة تزداد ثراءً

ثمة عوامل، بعضها مرتبط بأشخاص وبعضها الآخر موضوعي، قادت إلى صعود الاشتراكية الديمقراطية في الولايات المتحدة على امتداد العقد الماضي. أولها وصف المرشح الرئاسي في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عام 2016، بيرني ساندرز، نفسه بالاشتراكي الديمقراطي. وعلى امتداد تلك الحملة، التي واجه فيها المرشحة المفضلة للمؤسسة الحزبية الديمقراطية، هيلاري كلينتون، استطاع ساندرز، المستقل سياسيا وغير المنتمي إلى الحزب الديمقراطي بالمعنى التنظيمي التقليدي، أن يعيد مصطلح "الاشتراكية" إلى قلب النقاش السياسي الأميركي.

وعبر خطابه أثناء حملته الانتخابية، التي حظيت بمتابعة ودعم كبيرين، خصوصا بين الشباب، أعاد ساندرز تقديم الاشتراكية الديمقراطية بوصفها مشروعا للعدالة الاجتماعية ودعم الطبقتين الوسطى والفقيرة، وربطها بتقليد إصلاحي أميركي يجد أحد أبرز تجلياته في إصلاحات الرئيس فرانكلين روزفلت في ثلاثينات القرن الماضي. ففي أثناء تلك الحملة، لم يحاجج ساندرز بأن روزفلت كان اشتراكيا، بل أشار إلى أن كثيرا من إصلاحات "الصفقة الجديدة" (The New Deal) التي جاء بها روزفلت، كالضمان الاجتماعي والحد الأدنى للأجور والتأمين ضد البطالة وتعزيز حقوق العمال والتنظيم الصارم للمصارف، وُصفت في حينها من جانب خصومها بأنها "اشتراكية"، قبل أن تتحول لاحقا إلى جزء راسخ من النظام الاقتصادي والاجتماعي الأميركي.

وكانت حجة ساندرز، التي لاقت رواجاً واسعا حينها، أن الولايات المتحدة، في ظل اتساع التفاوت الاقتصادي، وتراجع أوضاع الطبقة الوسطى، وتزايد نفوذ الشركات والأثرياء في السياسة، تحتاج إلى إصلاحات جذرية شبيهة، من حيث حجمها وأثرها، بتلك التي تبناها روزفلت في ثلاثينات القرن الماضي.

ثمة عوامل أخرى ساهمت في صعود الاشتراكية الديمقراطية، خصوصاً بين الشباب. فمثلا، لم يكبر الأميركيون الذين هم اليوم في الأربعين من العمر فما دون في ظل الحرب الباردة، التي انتهت عمليا بانهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، بعد أكثر من أربعة عقود من الصراع الذي خاضته الولايات المتحدة، بمعونة حلفائها الغربيين، ضد المعسكر الشيوعي بقيادة الاتحاد السوفياتي، الذي تبنى نظاما اقتصاديا وسياسيا يعرّف نفسه بالاشتراكية.

(أ.ف.ب)
تجمع انتخابي لعبدول السيد، مرشح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغن، 19 يوليو 2026

وفي أثناء تلك العقود، كان التحشيد الأيديولوجي الأميركي، إعلاميا وسياسيا وشعبيا، شديدا ضد الشيوعية والاشتراكية، اللتين كثيرا ما جرى الخلط بينهما في الخطاب السياسي العام. وارتبطت الاشتراكية، نتيجة لذلك، في جانب واسع من الوعي الأميركي بأنظمة قمعية تسلب الناس حرياتهم الشخصية والسياسية، وتقيّد حريتهم الاقتصادية، وتفرض مساواة سلبية لا تحقق الرفاه والراحة بقدر ما توزّع الفقر والعناء.

وفضلا عن تحرر الأجيال الجديدة، إلى حد كبير، من هذا الإرث الأيديولوجي المناهض للاشتراكية، ساهمت الصعوبات الاقتصادية التي أخذ يواجهها كثير من الأميركيين عموما، والشباب خصوصا، ولا سيما منذ الأزمة المالية الحادة عام 2008، في جعل الاشتراكية الديمقراطية تبدو، بالنسبة إلى بعضهم، وصفة محتملة للحل. 

فقد أخذت الحلول التي يطرحها الاشتراكيون الديمقراطيون لمشكلات مثل الديون التعليمية المتراكمة لتمويل الدراسة الجامعية، والتفاوت في الحصول على الرعاية الصحية، وصعوبة امتلاك المنازل بالنسبة إلى ذوي الدخل المحدود والمتوسط، فضلا عن ارتفاع كلفة السلع والخدمات التي تثقل الحياة اليومية لمعظم الأميركيين، تكتسب جاذبية أكبر، خصوصا في مقابل ثراء فاحش ومتزايد تتمتع به نخبة صغيرة تزداد ثراءً.

ساهمت هذه العوامل مجتمعةً في خلق تعاطف أكبر مع الاشتراكية الديمقراطية، التي تصر على أن حل هذه المشكلات لا يمكن أن يُترك لاقتصاد السوق وحده، وإنما يتطلب تدخلا واضحا وقويا من الدولة، وتوسيع نطاق الحقوق والخدمات الاجتماعية، وإعادة توزيع أكثر عدالة للثروة والقوة الاقتصادية.

ومع توفر الظروف الملائمة لصعودها السياسي، تحتاج الاشتراكية الديمقراطية إلى إثبات قدرتها على مواجهة تحديات الحكم إذا أرادت أن تحجز لنفسها وجودا راسخا وطويل الأمد في السياسة الأميركية. ولذلك تتجه أنظار كثيرة إلى تجربة زهران ممداني، عمدة نيويورك، بوصفها أول اختبار كبير ومرئي على المستوى الوطني لقدرة هذا التيار ليس على نقد السياسات القائمة وطرح البدائل فحسب، وإنما أيضا على البرهنة، من خلال ممارسة الحكم، على أن سياساته قادرة فعلا على تقديم حلول أفضل للمشكلات التي أوصلته إلى السلطة.

font change