تاكر كارلسون... الرجل الذي "صنع" رئيسا ثم انقلب عليه

الصوت المُعلَن لجيه دي فانس

أ.ف.ب
أ.ف.ب
المعلق السياسي الأميركي تاكر كارلسون خلال اليوم الأخير من المؤتمر الوطني الجمهوري لعام 2024 في قاعة فيسيرف فوروم بمدينة ميلووكي، ولاية ويسكونسن، في 18 يوليو 2024

تاكر كارلسون... الرجل الذي "صنع" رئيسا ثم انقلب عليه

من الإنصاف القول إن تاكر كارلسون أصبح اليوم أكبر تحد للدعم الأميركي العابر للحزبين الذي تمتعت به إسرائيل في قضايا الشرق الأوسط طوال أكثر من خمسة عقود. فقد انتقل تاكر من كونه أحد أبرز من أسهموا في فوز دونالد ترمب بولاية رئاسية ثانية إلى واحد من أشد منتقديه. كما أصبح منبرا غير رسمي لطموحات جيه دي فانس الرئاسية المحتملة في انتخابات 2028.

ولا يخفى أن فانس، شأنه شأن تاكر، عارض الحرب على إيران التي رأيا أن إسرائيل دفعت ترمب إليها. كما انتقد فانس إسرائيل وجماعات الضغط المؤيدة لها في الولايات المتحدة علنا، مع حرصه على عدم تجاوز الخط الأحمر المتمثل في توجيه انتقاد مباشر إلى رئيسه، ترمب. ولهذا قد يرى البعض أن تاكر يؤدي هذا الدور بالنيابة عنه. ففي الأسبوع الماضي، طرح كارلسون، إلى جانب عدد من أبرز المؤيدين السابقين لترمب، خطة من عشر نقاط لـ"استعادة أميركا". وليس من المبالغة القول إن تاكر ساعد ترمب على الفوز في 2024. والسؤال الآن هو ما إذا كان يستطيع أن يساعد فانس، أو ربما نفسه، في 2028.

واكبت مسيرة تاكر كارلسون صعود السياسة الخارجية للمحافظين الجدد على قناة "فوكس نيوز"، وهي السياسة التي مهدت الطريق لغزو العراق عبر تبني حجج شخصيات مثل ديك تشيني ودونالد رامسفيلد من دون كثير من التشكيك. وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، أصبحت "فوكس نيوز" القناة الإخبارية الأكثر مشاهدة في الولايات المتحدة، في مرحلة صُوّر فيها العرب والمسلمون على أنهم العدو الأول، فيما احتفت القناة بحرب بوش وتشيني العالمية على الإرهاب، وهي الحرب التي اقترنت بانتهاكات جسيمة، من التعذيب في أبو غريب وباغرام إلى برامج المراقبة الواسعة التي طالت مواطنين أميركيين من أصول عربية ومسلمة.

وبرز تاكر نجما إعلاميا وأحد أكثر مذيعي "فوكس نيوز" مشاهدة فيما كان الحزب الجمهوري ينتقل من حقبة بوش إلى حقبة ترمب. وخلال سنوات أوباما، تبنى أيضا قضية الطبقة العاملة البيضاء في الولايات المتحدة، التي رأى، كما رأت "فوكس نيوز"، أنها أصبحت ضحية لما وصفوه بـ"العنصرية العكسية" المرتبطة بأوباما وحركة "حياة السود مهمة" والأجندة الليبرالية.

لكن مع بلوغ الاحتجاجات في مدن عربية ذروتها خلال عهد أوباما، بدأ موقف تاكر من الشرق الأوسط يتغير. وكانت نقطة التحول الأولى مقتل السفير الأميركي في ليبيا وقضية بنغازي. فقد أصبح من أبرز معارضي ما كان يُنظر إليه على أنه مشروع يقوده أوباما وهيلاري كلينتون لنشر الديمقراطية في العالم العربي، في وقت كانت فيه البنية التحتية الأميركية تتداعى وتتفاقم المشكلات في الداخل.

وعندما اتهم تاكر كلينتون والديمقراطيين بمحاولة التستر على حقيقة ما جرى في بنغازي، لم يقتصر اعتراضه، هو وغيره من مقدمي البرامج اليمينيين، على طريقة التعامل مع مقتل سفير أميركي، بل اتسع ليشمل رفضا أوسع للسياسة الخارجية الأميركية في العالم العربي.

وأصبح تاكر من أوائل مقدمي البرامج في أوقات الذروة الذين شككوا في الحرب الأميركية في سوريا، كما تبنى قضية المسيحيين العرب وتراجع أعدادهم. وفي الحالة السورية، رأى أن سياسة عهد أوباما أسهمت في تسليح جماعات متطرفة على حساب المسيحيين في سوريا والشرق الأوسط عموما. وقاده ذلك إلى الاهتمام بأوضاع المسيحيين الفلسطينيين وما يتعرضون له من اضطهاد واسع في الأراضي المحتلة وفي مدينتي بيت لحم والناصرة المقدستين.

ثم رأى في ترمب جوابا عن هذه الإشكالات. فقد تعهد ترمب، قبل وصوله إلى الرئاسة، بإنهاء "الحروب التي لا تنتهي"، وسحب القوات الأميركية، والتركيز على مشكلات الولايات المتحدة بدلا من مشكلات الشرق الأوسط.

لا يخفى أن فانس، شأنه شأن تاكر، عارض الحرب على إيران التي رأيا أن إسرائيل دفعت ترمب إليها. كما انتقد فانس إسرائيل وجماعات الضغط المؤيدة لها في الولايات المتحدة علنا

من ترمب إلى فانس... ورئاسة محتملة

تبنى تاكر بدوره شعار ترمب المركزي، "أميركا أولا". وبحلول ذلك الوقت كان قد غادر "فوكس نيوز" وأصبح مقدم بودكاست مستقلا، وانتقل من كونه شخصية إعلامية أميركية إلى اسم ذي تأثير دولي. ومن موسكو إلى دبي، أراد كثيرون أن يحاورهم تاكر وأن يحل ضيفا على موائدهم ومنصات محاضراتهم.

واستخدم نفوذه لحشد شخصيات إعلامية ومؤثرة خلف ترمب، فيما حرص ترمب على الظهور إلى جانبه في مناسبات عديدة، من المؤتمر الوطني للحزب الجمهوري إلى فعاليات بطولة القتال المختلط (UFC) وأسهم تاكر في عودة ترمب إلى السلطة، وظلت العلاقة بينهما وثيقة إلى أن شن ترمب هجماته على إيران وفنزويلا.

أ.ف.ب
تاكر كارلسون يتحدث خلال اليوم الأخير من المؤتمر الوطني الجمهوري لعام 2024 في قاعة فيسيرف فوروم بمدينة ميلووكي بحضور دونالد ترمب، ولاية ويسكونسن، في 18 يوليو 2024

عندها بدأ تاكر يوجه انتقادات أكثر حدة إلى صقور الحرب، ومن بينهم ليندسي غراهام وتيد كروز. وقال إن ترمب خان ناخبيه، كما خان مبادئه الخاصة في ما يتعلق بأجندة "أميركا أولا". وكان منطقه بسيطا: إذا كانت البنية التحتية الأميركية تتداعى، والرعاية الصحية والمدارس تواجه مشكلات متزايدة، فلماذا تخوض الولايات المتحدة حروبا في فنزويلا وإيران؟

وفي الملف الإيراني، مارس تاكر ضغوطا علنية والتقى ترمب سعيا إلى وقف الحرب، ثم انتهى به الأمر إلى كسر صفوف أنصار الرئيس وانتقاده علنا، واصفا المواجهة بأنها حرب تقودها إسرائيل ولا تخدم المصالح الأميركية.

وامتد تأثير تاكر إلى فانس وجو كينت وتولسي غابارد ومسؤولين أميركيين آخرين تربطه بهم علاقات وثيقة، وكانوا بدورهم يعارضون تنامي النفوذ الإسرائيلي داخل البيت الأبيض. واستمر كارلسون، في السياق نفسه، في التركيز على قضايا المسيحيين في الشرق الأوسط، فاستضاف مسيحيين فلسطينيين وطرح تساؤلات بشأن الدعم الأميركي لإسرائيل وما يعتبره سياسات إسرائيلية معادية للمسيحيين.

أطلق كارلسون الآن خطة من عشر نقاط ترتبط بحديث عن احتمال قيام حزب ثالث يخوض انتخابات 2028

كما أجرى مقابلات مع شخصيات من أبرز المدافعين عن إسرائيل، مثل تيد كروز ومايك هاكابي، وذهب إلى حد التشكيك في فهمهم للمسيحية، معتبرا أن مواقفهم المؤيدة لإسرائيل لا تنسجم مع ما يراه تعاليم الكتاب المقدس. ثم وسع النقاش ليشمل عددا كبيرا من الدعاة المسيحيين المعروفين ومقدمي البودكاست في الولايات المتحدة، سائلا عن موقفهم من إسرائيل وعن مستقبل المسيحية الأميركية.

وتردد جانب كبير من هذه المواقف لدى فانس أيضا. فقد انتقد إسرائيل خلال زيارته الرسمية لها، وتحدث عن عمليات التأثير الإسرائيلية في الإعلام والسياسة الأميركية. وقدم ذلك بوصفه موقفا غير مسبوق لنائب رئيس في منصبه يزور إسرائيل ويوجه إليها انتقادات صريحة، في الوقت نفسه الذي يشكك فيه بالدعم الأميركي غير المشروط لها.

أ.ف.ب
تاكر كارلسون خلال حفل توزيع جوائز فوكس نيشن باتريوت لعام 2022 في هارد روك لايف هوليوود في 17 نوفمبر 2022 في هوليوود، فلوريدا

ومن هنا أخذ اسم فانس يرتبط أكثر فأكثر باسم تاكر. وقد أطلق كارلسون الآن، مع عدد من مؤيدي ترمب السابقين مثل جو كينت ومارجوري تايلور غرين وتوماس ماسي، خطة من عشر نقاط ترتبط بحديث عن احتمال قيام حزب ثالث يخوض انتخابات 2028.

وتدور تكهنات بشأن احتمال وجود بطاقة تجمع فانس وتاكر داخل الحزب الجمهوري، أو عبر حزب ثالث، أو ترشح فانس منفردا مع استخدام تاكر نفوذه بين المسيحيين والمحافظين الأميركيين لسحب التأييد من ترشح محتمل لماركو روبيو.

ويتحدث تاكر علنا عما يريد فانس قوله، لكنه لا يستطيع قوله بنفسه. ومن المرجح أن تكون انتخابات 2028 أكثر انقساما من انتخابات 2024، وسيكون لتاكر، بصورة أو بأخرى، دور مهم في تحديد مسارها.

font change