من الإنصاف القول إن تاكر كارلسون أصبح اليوم أكبر تحد للدعم الأميركي العابر للحزبين الذي تمتعت به إسرائيل في قضايا الشرق الأوسط طوال أكثر من خمسة عقود. فقد انتقل تاكر من كونه أحد أبرز من أسهموا في فوز دونالد ترمب بولاية رئاسية ثانية إلى واحد من أشد منتقديه. كما أصبح منبرا غير رسمي لطموحات جيه دي فانس الرئاسية المحتملة في انتخابات 2028.
ولا يخفى أن فانس، شأنه شأن تاكر، عارض الحرب على إيران التي رأيا أن إسرائيل دفعت ترمب إليها. كما انتقد فانس إسرائيل وجماعات الضغط المؤيدة لها في الولايات المتحدة علنا، مع حرصه على عدم تجاوز الخط الأحمر المتمثل في توجيه انتقاد مباشر إلى رئيسه، ترمب. ولهذا قد يرى البعض أن تاكر يؤدي هذا الدور بالنيابة عنه. ففي الأسبوع الماضي، طرح كارلسون، إلى جانب عدد من أبرز المؤيدين السابقين لترمب، خطة من عشر نقاط لـ"استعادة أميركا". وليس من المبالغة القول إن تاكر ساعد ترمب على الفوز في 2024. والسؤال الآن هو ما إذا كان يستطيع أن يساعد فانس، أو ربما نفسه، في 2028.
واكبت مسيرة تاكر كارلسون صعود السياسة الخارجية للمحافظين الجدد على قناة "فوكس نيوز"، وهي السياسة التي مهدت الطريق لغزو العراق عبر تبني حجج شخصيات مثل ديك تشيني ودونالد رامسفيلد من دون كثير من التشكيك. وبعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول، أصبحت "فوكس نيوز" القناة الإخبارية الأكثر مشاهدة في الولايات المتحدة، في مرحلة صُوّر فيها العرب والمسلمون على أنهم العدو الأول، فيما احتفت القناة بحرب بوش وتشيني العالمية على الإرهاب، وهي الحرب التي اقترنت بانتهاكات جسيمة، من التعذيب في أبو غريب وباغرام إلى برامج المراقبة الواسعة التي طالت مواطنين أميركيين من أصول عربية ومسلمة.
وبرز تاكر نجما إعلاميا وأحد أكثر مذيعي "فوكس نيوز" مشاهدة فيما كان الحزب الجمهوري ينتقل من حقبة بوش إلى حقبة ترمب. وخلال سنوات أوباما، تبنى أيضا قضية الطبقة العاملة البيضاء في الولايات المتحدة، التي رأى، كما رأت "فوكس نيوز"، أنها أصبحت ضحية لما وصفوه بـ"العنصرية العكسية" المرتبطة بأوباما وحركة "حياة السود مهمة" والأجندة الليبرالية.
لكن مع بلوغ الاحتجاجات في مدن عربية ذروتها خلال عهد أوباما، بدأ موقف تاكر من الشرق الأوسط يتغير. وكانت نقطة التحول الأولى مقتل السفير الأميركي في ليبيا وقضية بنغازي. فقد أصبح من أبرز معارضي ما كان يُنظر إليه على أنه مشروع يقوده أوباما وهيلاري كلينتون لنشر الديمقراطية في العالم العربي، في وقت كانت فيه البنية التحتية الأميركية تتداعى وتتفاقم المشكلات في الداخل.
وعندما اتهم تاكر كلينتون والديمقراطيين بمحاولة التستر على حقيقة ما جرى في بنغازي، لم يقتصر اعتراضه، هو وغيره من مقدمي البرامج اليمينيين، على طريقة التعامل مع مقتل سفير أميركي، بل اتسع ليشمل رفضا أوسع للسياسة الخارجية الأميركية في العالم العربي.
وأصبح تاكر من أوائل مقدمي البرامج في أوقات الذروة الذين شككوا في الحرب الأميركية في سوريا، كما تبنى قضية المسيحيين العرب وتراجع أعدادهم. وفي الحالة السورية، رأى أن سياسة عهد أوباما أسهمت في تسليح جماعات متطرفة على حساب المسيحيين في سوريا والشرق الأوسط عموما. وقاده ذلك إلى الاهتمام بأوضاع المسيحيين الفلسطينيين وما يتعرضون له من اضطهاد واسع في الأراضي المحتلة وفي مدينتي بيت لحم والناصرة المقدستين.
ثم رأى في ترمب جوابا عن هذه الإشكالات. فقد تعهد ترمب، قبل وصوله إلى الرئاسة، بإنهاء "الحروب التي لا تنتهي"، وسحب القوات الأميركية، والتركيز على مشكلات الولايات المتحدة بدلا من مشكلات الشرق الأوسط.

