الانتخابات النصفية الأميركية... استفتاء على الرئيس لا على المرشحين

معركة الدوائر الانتخابية

المجلة
المجلة

الانتخابات النصفية الأميركية... استفتاء على الرئيس لا على المرشحين

رغم أن التنبؤ بنتائج الانتخابات النصفية المقبلة في الولايات المتحدة يظل محض تكهنات حتى يتم الإعلان الرسمي عنها، فإن رياح المشهد السياسي تشي بأنها لن تأتي بما يشتهي الجمهوريون. ويسجل تاريخ الانتخابات الأميركية أن حزب الرئيس الموجود في البيت الأبيض يخسر انتخابات التجديد النصفي التي تتوسط ولايته الرئاسية بمتوسط 28 مقعدا في مجلس النواب وأربعة مقاعد في مجلس الشيوخ.

وتجرى انتخابات التجديد النصفي كل أربع سنوات في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، وهو تاريخ يمقته أي رئيس أميركي لا يزال في كرسيه لأنه يمثل استفتاء على أدائه، ومن ثم فإنه يتحمل جانبا كبيرا من المسؤولية عن النتائج رغم عدم وجوده على بطاقات الاقتراع.

وقد احتدم السباق مبكرا، إذ بدأ الجمهوريون في البحث عن وسائل يأملون أن تساعدهم في تحقيق بعض الانتصارات- إذا لم يكن في التخفيف من نطاق الهزيمة- فيما اتخذ الديمقراطيون خطوات مضادة.

فرغم أن خرائط الدوائر الانتخابية يعاد رسمها كل عشر سنوات بالتواكب مع نهاية الإحصاء السكاني الذي يجري كل عقد، إلا أن الجمهوريين، وبرغبة من الرئيس دونالد ترمب، عمدوا هذه المرة إلى إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في عدد من الولايات التي يسيطرون فيها على أغلبية مجالسها التشريعية في منتصف العقد، وهو إجراء قانوني يسمح به الدستور. ويشترط القسم الثاني من المادة الأولى من دستور الولايات المتحدة أن يكون تمثيل الولايات بمجلس النواب وفقا لعدد السكان وبواقع نائب واحد لكل 30 ألف شخص. لكن الدستور لا يحدد كيفية توزيع المقاعد النيابية داخل كل ولاية، وهو الأمر المنوط بالمجالس النيابية المحلية للولايات. كما تختص الولايات بتحديد ممارسات إعادة ترسيم الدوائر، بما في ذلك توقيتها وإمكانية مراجعتها. بيد أن بعض الولايات تحظر إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في منتصف العقد، مثل نورث كارولينا وماساتشوستس وبنسلفانيا. وهناك ولايات تحظر إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في منتصف العقد إلا بأمر قضائي، منها نيويورك وتينيسي.

بعض الولايات تحظر إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية في منتصف العقد، مثل نورث كارولينا وماساتشوستس وبنسلفانيا. وهناك ولايات تحظر إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في منتصف العقد إلا بأمر قضائي، منها نيويورك وتينيسي

لكن الرئيس ترمب دعا عام 2025 إلى تعديل الدوائر الانتخابية في تكساس التي تصوت عادة للجمهوريين الذين يشكلون أغلبية مجالسها النيابية والتي تعد ثاني أكبر الولايات الأميركية من حيث عدد السكان، ومن ثم ثاني أكبر تمثيل في المجمع الانتخابي (40). بموجب هذا التعديل أضاف الجمهوريون خمسة مقاعد لهم في مجلس النواب. وكانت تكساس ضمن سبع ولايات أجرت تعديلات على الدوائر الانتخابية لديها منذ صيف العام الماضي. ويمثل تكساس 13 نائبا ديمقراطيا و25 جمهوريا، بالإضافة إلى عضوين جمهوريين بمجلس الشيوخ. وأقرت المحكمة العليا للولاية في ديسمبر/كانون الأول الماضي هذه التعديلات لكي تعتمد في انتخابات التجديد النصفي القادمة.

ورد الديمقراطيون بإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في كاليفورنيا التي يشغلون 43 من مقاعدها في مجلس النواب مقابل 9 للجمهوريين علاوة على استحواذهم على مقعديها في مجلس الشيوخ. وبهذا التعديل الذي صوت عليه ناخبو الولاية أضاف الديمقراطيون خمسة من مقاعدها النيابية إلى حصيلتهم الإجمالية بعد أن رفضت المحكمة العليا للولاية طعنا تقدم به الجمهوريون ضد إعادة الترسيم دافعين بأنه يحابي أصوات ذوي الأصول الأسبانية. ويقدر عدد مواطني كاليفورنيا من ذوي الأصول الأسبانية بحوالي 16 مليون نسمة، أي زهاء 40 في المئة من سكان الولاية، من بينهم 9 ملايين يحق لهم التصويت، أي مايعادل 33 في المئة من إجمالي عدد الناخبين فيها.

وفي ميزوري، وقع حاكمها الجمهوري في سبتمبر/أيلول الماضي قانونا أقره مجلس الولاية النيابي بإعادة ترسيم الدوائر الانتخابية بما يضيف مقعدا آخر لحصيلة الجمهوريين التي تبلغ ستة مقاعد مقابل مقعدين للديمقراطيين.

رويترز
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي كلمة في ميناء كوربوس كريستي بمدينة كوربوس كريستي، تكساس، الولايات المتحدة الأمريكية، في 27 فبراير 2026

وفي نورث كارولينا التي يشغل الجمهوريون 10 من مقاعدها في مجلس النواب بالإضافة إلى مقعدي مجلس الشيوخ، مقابل 4 مقاعد للنواب الديمقراطيين، وافق المجلس التشريعي للولاية بشكل نهائي على التعديلات التي أدخلت على حدود الدوائر الانتخابية مما سيساعد الجمهوريين على كسب مقعد إضافي.

وفي أوهايو التي يشغل الجمهوريون 10 من مقاعدها في مجلس النواب ومقعدي مجلس الشيوخ، مقابل 5 مقاعد للنواب الديمقراطيين، صوتت لجنة تضم ممثلين عن الحزبين بالتصديق على تعديل للدوائر الانتخابية بما يسهل حصول الجمهوريين على مقعدين إضافيين.

أما يوتا، فرغم عدم وجود أي ديمقراطي بين نوابها الأربعة أو عضويها في مجلس الشيوخ، فقد صدر حكم قضائي يعيد ترسيم دوائرها الانتخابية بما يمكن أن يمنح الديمقراطيين مقعدا واحدا.

وفي فيرجينيا أقر استفتاء أجرته الولاية بدعوة من حاكمتها الديمقراطية أبيغيل سبانبيرغر إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية بحيث يمكن للديمقراطيين إضافة أربعة مقاعد نيابية لهم في مجلس النواب بالإضافة إلى ستة يشغلونها حاليا، مقابل مقعد واحد للجمهوريين. 

وتكتسب هذه التعديلات أهمية كبيرة في المرحلة الحالية في ظل الفارق الضئيل بين الحزبين بالكونغرس حيث يشغل الجمهوريون أغلبية مجلس النواب بفارق أربعة مقاعد (219-321) بينما هناك ثلاثة مقاعد خاوية بسبب وفاة عضو ديمقراطي واستقالة عضوين أحدهما ديمقراطي والآخر جمهوري. أما مجلس الشيوخ الذي يشغل الجمهوريون أغلبيته بفارق مقعدين (53-47) حيث يصوت العضوان المستقلان في الغالب إلى جانب الديمقراطيين، فلا يتأثر بإعادة ترسيم الدوائر حيث يمثل المرشح كل الولاية.

تكتسب هذه التعديلات أهمية كبيرة في المرحلة الحالية في ظل الفارق الضئيل بين الحزبين بالكونغرس

ومن المرجح أن تلعب هذه التعديلات دورا أساسيا في تحديد صاحب الأغلبية النيابية من الحزبين حيث تجري الانتخابات النصفية على كل مقاعد مجلس النواب البالغة 435، وثلث مقاعد مجلس الشيوخ البالغة 33. كما أن هناك ستة أعضاء لا يحق لهم التصويت يمثلون الأراضي الأميركية، التي تضم بورتوريكو، وأميركان ساموا، وماريانا الشمالية، والجزر العذراء، وغوام، بالإضافة إلى واشنطن العاصمة، سيجري انتخاب خمسة منهم خلال الانتخابات النصفية.

ويحتاج الديمقراطيون إلى الحفاظ على المقعدين الشاغرين نتيجة الوفاة والاستقالة بالإضافة إلى الفوز بأربعة مقاعد لكي ينتزعوا الأغلبية. ولا يمكن للجمهوريين خسارة أكثر من مقعدين لكي يحتفظوا بأغلبية النواب. وقد أعلن أحد عشر عضوا جمهوريا بمجلس الشيوخ و55 عضوا بمجلس النواب عزمهم عدم الترشح في انتخابات 2026. وتشير التقديرات إلى أن هناك 12 مقعدا بمجلس الشيوخ ستكون محل منافسة شديدة بين الحزبين، يشغل الديمقراطيون اثنين منها بينما يسيطر الجمهوريون على تسعة. وفي مجلس النواب، هناك نحو 43 مقعدا سيحتدم التنافس عليها بين مرشحي الحزبين، يستحوذ الديمقراطيون على 23 منها مقابل 20 تحت الجمهوريين.   

رويترز
أدلى الناخبون بأصواتهم في مركز اقتراع خلال الانتخابات الخاصة في كاليفورنيا بشأن الاقتراح رقم 50، في إلدورادو هيلز، كاليفورنيا، الولايات المتحدة، في 4 نوفمبر 2025

  كما تشهد انتخابات هذا العام انتخابات خاصة على مقعدين أصبحا شاغرين بخروج سيناتور أوهايو، جيه دي فانس، الذي تولى منصب نائب الرئيس، وسيناتور فلوريدا ماركو روبيو الذي تولى منصب وزير الخارجية حيث سيكمل المرشح الفائز العامين الباقيين من ولاية كل منهما المقررة بست سنوات. ويحتل الديمقراطيون 12 مقعدا من مجموع مقاعد مجلس الشيوخ التي سيجري انتخاب مرشحيها مقابل 20 مقعدا للجمهوريين. وهنا 11 عضوا بمجلس الشيوخ- أربعة ديمقراطيين وسبعة جمهوريين- أعلنوا أنهم لن يترشحوا في انتخابات هذا العام.

يحاول الجمهوريون إغلاق ثغرة أخرى كثيرا ما اتهموا الديمقراطيين باستغلالها لجني الأصوات، وهي أصوات الناخبين الذين لا يحق لهم التصويت، رغم عدم وجود أدلة على صحة ادعاءاتهم

ويحاول الجمهوريون إغلاق ثغرة أخرى كثيرا ما اتهموا الديمقراطيين باستغلالها لجني الأصوات، وهي أصوات الناخبين الذين لا يحق لهم التصويت، رغم عدم وجود أدلة على صحة ادعاءاتهم. وقد دعا أحد كبار منظريهم، وهو ستيف بانون، المستشار السابق لترمب، إلى نشر عناصر سلطات الهجرة والجوازات بمراكز الاقتراع لضمان عدم تصويت أي مهاجر غير قانوني في الانتخابات. واعتبر بانون، اليميني المتطرف، أن نشر عناصر سلطات الهجرة في المطارات هو بمثابة تجريب لما يمكن أن يحدث في مراكز الاقتراع، وهو إجراء غير قانوني حيث إن سلطات الهجرة ليست مخولة قانونا للقيام بذلك، فضلا عما يسببه ذلك من ترهيب للناخبين. ولا يحق التصويت في انتخابات الكونغرس والرئاسة سوى للمواطنين الأميركيين، بينما يحق لحاملي بطاقة الإقامة الدائمة (الجرين كارد) التصويت فقط في انتخابات حكام الولايات وما دونهم.    

وبعد فحص بيانات ما يقرب من 50 مليون ناخب مسجل، لم تجد وزارة العدل سوى نسبة ضئيلة لا تتجاوز 10 آلاف حالة تمت إحالتها لمزيد من الفحص.

أ.ف.ب
دونالد ترمب، ووجهه ملطخ بالدماء، محاطا بعناصر من جهاز الخدمة السرية، بعد تعرضه لعملية اغتيال في معرض باتلر فارم شو في باتلر، بنسلفانيا، في 13 يوليو 2024

وطرح ترمب أيضا فكرة نشر قوات من الجيش أثناء الانتخابات، إذ أعرب عن ندمه على عدم إرسال قوات الحرس الوطني لمصادرة ماكينات التصويت بعد خسارته انتخابات 2020 أمام الديمقراطي جو بايدن. 

وخلال خطابه الأخير عن حالة الاتحاد، أوعز الرئيس الأميركي إلى أعضاء الكونغرس بتمرير ما يسمى "قانون الأمان"، وهو مسودة مشروع قد يتسبب في حرمان عشرات الملايين من الأميركيين من التصويت إذ يطالب بأن يستخرج المواطنون جوازات سفر أو شهادات ميلاد لإدراج أسمائهم على قوائم الناخبين، مدعيا أن تفشي ممارسات التزوير الانتخابي تقتضي فرض قيود على التصويت. ونظرا لانقسام الجمهوريين أنفسهم على تمرير مثل هذا التشريع، فقد أخفقوا حتى الآن في مجرد مناقشته على مستوى عموم المجلس.

ثم جاءت عملية إطلاق النار خلال حفل العشاء السنوي الذي أقامته "رابطة مراسلي البيت الأبيض" والذي حضره الرئيس ترمب لأول مرة بعد أن ظل يقاطعه طوال سنوات ولايته الأولى ليصبح أول رئيس أميركي يغيب عن هذا الحدث منذ مئة عام.

كانت محاول الاغتيال الأولى التي تعرض لها ترمب خلال إحدى فعاليات حملته الانتخابية في مدينة باتلر بولاية بنسلفانيا في 13 يوليو 2024 قد ساعدت في إذكاء حماس المعسكر الجمهوري والتعاطف معه وتعزيز الدعم من أنصاره

وكانت محاول الاغتيال الأولى التي تعرض لها ترمب خلال إحدى فعاليات حملته الانتخابية في مدينة باتلر بولاية بنسلفانيا في 13 يوليو/تموز 2024 قد ساعدت في إذكاء حماس المعسكر الجمهوري والتعاطف معه وتعزيز الدعم من أنصاره. بل إن استطلاعات الرأي التي أجريت بعد الحادث مباشرة كشفت أن شعبيته زادت أربع نقاط من 47 في المئة إلى 51 في المئة عما كانت عليه مطلع ذاك الشهر، وهي أعلى مستوى تسجله شعبيته على الإطلاق. وأصبحت صورته وهو رافع قبضة يده وأذنه تنزف أيقونة لحملته بعد ذلك ورمزا "لقوة زعامته"، وإشارة بين المتدينين من المحافظين إلى "حفظ العناية الإلهية له". 

ووسط الغضب والاستياء الذي بات يعتري المواطن الأميركي إزاء الحرب على إيران وتردي أوضاعه الاقتصادية، يقر الكثير من الجمهوريين بأن وضعهم السياسي في تدهور مستمر، ويقطعون بأن فرص الاحتفاظ بأغلبيتهم البسيطة بالكونغرس تتلاشى. ويرى الكثير منهم أن تجنب هزيمة كاسحة في هذه الانتخابات يتوقف على سرعة انتشال ترمب لنفسه من مستنقع إيران، وهو أمر من الصعوبة بمكان دون المخاطرة بنفوذ وسمعة الولايات المتحدة كقوة عظمى، وقد يفضي إلى نفس النتائج السياسية التي يجلبها الاستمرار في هذا الصراع.

وفيما يستعد الديمقراطيون لمعركتهم المرتقبة بحماس وحذر إزاء أي تحركات مفاجئة أو متهورة من قبل فريق ترمب، لاسيما أولئك الذين يشاطرونه التشكيك في نتائج انتخابات 2020، تحوم التوقعات حول ما يمكن أن يقدموا عليه من إجراءات لتصفية حساباتهم مع هذه الإدارة التي تبنت الكثير من السياسات التي تجافي المنطق وتنسف إرثا أميركيا ودوليا ظلت الولايات المتحدة تتبناه على مدى عقود من الزمن. ويتصدر هذه التوقعات إجراء تحقيقات ومحاكمات واستدعاءات، سواء لترمب أو لكبار معاونيه وأفراد من عائلته، وتعطيل الكثير من قراراته وإبطال أخرى ومحاولة الحد من سلطات الحرب التي خولها لنفسه، وإعادة العمل بالبرامج الإنسانية التي حرم منها الملايين من الأميركيين بموجب أوامر رئاسية، والانسحاب من الكثير من المنظمات الدولية، بل والمساعدات العسكرية التي تمنح لإسرائيل دون شرط أو قيد.

font change