طال أمد الحظر الأميركي على كوبا حتى غدا أقرب إلى إرث تتوارثه الأجيال منه إلى سياسة قابلة للمراجعة. وُلد في مواجهة الحرب الباردة، ورسخته القوانين، وحافظت عليه حسابات السياسة الداخلية، فبقي بعد زوال العالم الذي أفرزه، وها هي زيارة مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي آي إيه)، جون راتكليف، الأخيرة لهافانا تأتي لتؤكد أن سياسة واشنطن القديمة لا تزال تراوح مكانها.
التقى راتكليف مع كبار المسؤولين في كوبا الخميس، وحمل رسالة من الرئيس دونالد ترمب مفادها أن الولايات المتحدة "ستتعاون بجدية" مع هافانا "فقط إذا أجرت تغييرات جوهرية".
اختفى الاتحاد السوفياتي، ورحل فيدل كاسترو، وفتح باراك أوباما الباب إلى هافانا لفترة وجيزة، وعدّلت إدارات متعاقبة مستويات الضغط، من كينيدي إلى ترمب، ومع ذلك، ظل الهيكل الأساسي على حاله.
ويطرح استمرار هذا الحظر سؤالا حرجا: إذا كان الهدف منه إرغام كوبا على تغيير سياسي، فلماذا بقي قائما أكثر من ستة عقود من دون أن يحقق تلك الغاية؟
تقدّم واشنطن الحظر على أنه دفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. أما هافانا فتسميه حصارا، وتتعامل معه بوصفه دليلا على أن السيادة الكوبية لا تزال تحت التهديد. وبين هاتين الروايتين يقف شعب أنهكته الندرة، وانقطاع الكهرباء، والهجرة، والقمع الذي تمارسه الدولة، واقتصاد عاجز عن التعافي من أزمته. لقد قيّد الحظر كوبا، ورفع كلفة البقاء، وحدّ من الوصول إلى التجارة والتمويل والاستثمار. لكنه لم يسقط النظام الذي كان يفترض أن يضعفه.
هنا تكمن مفارقته المركزية: لا يزال الحظر فعالا في العقاب، لكنه أقل إقناعا بكثير بوصفه استراتيجية.


