بريطانيا ونهاية نظام الحزبين

السبب الأبرز وراء تخلي أعداد كبيرة من الناخبين العاديين عن ولائهم التقليدي للحزبين الرئيسين هو خيبة واسعة من النخبة السياسية في البلاد

المجلة
المجلة

بريطانيا ونهاية نظام الحزبين

لم تثر الهزيمة الكارثية التي مُني بها "حزب العمال" الحاكم في بريطانيا في الانتخابات المحلية هذا الشهر شكوكا حول قدرة رئيس الوزراء السير كير ستارمر على البقاء في منصبه فحسب.

فقد أثار حجم الهزيمة مخاوف من أن تكون هذه النتيجة نذيرا بنهاية نظام الحزبين الذي ظل مهيمنا على السياسة البريطانية لعقود، بعدما بدا أن حزبي "المحافظين" و"العمال"، الخصمين التقليديين، لم يعودا قادرين على حشد ما يكفي من الأصوات لتشكيل حكومة.

ويواجه هذا النظام الثنائي، الذي يرى فيه كثير من خبراء الدستور ركنا حيويا من أركان استقرار الحكم في المملكة المتحدة، أكبر تهديد له منذ نشأته. فقد تراجعت مكانة "العمال" و"المحافظين" معا على نحو حاد، في وقت خرجت فيه أحزاب جديدة لتتحدى القواعد السياسية الراسخة التي حكمت بريطانيا زمنا طويلا.

وكان التطور الأبرز في نتائج الانتخابات المحلية صعود "حزب الإصلاح" بزعامة نايجل فاراج، إذ خرج أكبر الرابحين من حيث عدد المقاعد الجديدة التي حصدها في أنحاء البلاد، بينما عاقب الناخبون في إنكلترا وويلز واسكتلندا "حزب العمال" الحاكم بقيادة ستارمر بقسوة واضحة.

وإلى جانب "حزب الإصلاح"، حققت أحزاب صغرى أخرى نتائج لافتة، من بينها "حزب الخضر"، الذي سيطر على عدد من المجالس المحلية، ولا سيما في لندن، و"الحزب الوطني الاسكتلندي" المؤيد للاستقلال، والذي يبدو مرشحا لأن يكون القوة الراجحة في البرلمان الاسكتلندي، فضلا عن "حزب بلايد كامري" القومي الويلزي، الذي انتزع من "حزب العمال" السيطرة على برلمان ويلز، أو "السنيد"، بعدما ظل العمال القوة المهيمنة في السياسة الويلزية على مدى عقد أو أكثر.

تكشف التحولات العميقة في اتجاهات التصويت لدى البريطانيين حجم الصعوبة التي يواجهها ستارمر في التشبث بمنصبه

وكما قال السير جون كيرتس، أحد أبرز المحللين السياسيين في بريطانيا، بعد ظهور نتائج الانتخابات المحلية، فقد أكدت النتيجة أن بريطانيا دخلت عصرا غير مسبوق من السياسة متعددة الأحزاب. وأشار كيرتس إلى أنه لو تكررت نتائج الانتخابات المحلية في الانتخابات العامة المقبلة في المملكة المتحدة، المقررة عام 2029، لتصدر "حزب الإصلاح" المشهد بنسبة 26 في المئة من الأصوات، فيما حل "الخضر" في المرتبة الثانية بنسبة 18 في المئة. أما "المحافظون" و"العمال" فلن يحصل كل منهما إلا على 17 في المئة، بما يهبط بهما إلى مرتبة الأحزاب الهامشية.

وعند مقارنة ذلك بنتيجة الانتخابات العامة لعام 2024، حين صوّت نحو ثلاثة من كل خمسة ناخبين لـ"المحافظين" أو لـ"العمال"، يتضح أن تحولا لافتا يجري داخل البنية التقليدية للسياسة البريطانية.

رويترز
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر في مقر رئاسة الوزراء في داونينغ ستريت بلندن، في 5 مايو 2026

وقد أسهمت عوامل كثيرة في تراجع مكانة "المحافظين" و"العمال" على السواء، غير أن السبب الأبرز وراء تخلي أعداد كبيرة من الناخبين العاديين عن ولائهم التقليدي للحزبين الرئيسين هو خيبة واسعة من النخبة السياسية في البلاد، إذ يرى هؤلاء أن تلك النخبة لم تعد تحقق مكاسب ملموسة للمواطنين العاديين.

فقد دفع تراجع مستويات المعيشة، وإخفاق الحكومات المتعاقبة في كبح الهجرة غير النظامية، وسلسلة من الفضائح السياسية البارزة، هؤلاء الناخبين إلى البحث عن أحزاب جديدة تقدم رؤية جديدة.

أما ستارمر، الذي وصل إلى السلطة قبل عامين متعهدا بتنظيف الحياة السياسية البريطانية، فقد ألحقت مشاركته في التعيين الفاشل للورد بيتر ماندلسون سفيرا للمملكة المتحدة في واشنطن ضررا بالغا بشعبيته الشخصية.

وتكشف هذه التحولات العميقة في اتجاهات التصويت لدى البريطانيين حجم الصعوبة التي يواجهها ستارمر في التشبث بمنصبه. غير أن أداءه هو نفسه في رئاسة الحكومة، بما اتسم به من ضعف في الإقناع، ساهم في تصاعد الأصوات داخل الكتلة الخلفية لـ"حزب العمال" المطالبة بتنحيه.

وعلى الرغم من أن ستارمر ألقى، بعد أيام قليلة من تكبد "العمال" أسوأ هزيمة انتخابية له منذ عقود، خطابا قيل إنه حاسم لمستقبله السياسي، فإن الدعوات إلى مغادرته المنصب لم تُظهر أي مؤشر إلى الانحسار.

قد يكون من بين الخيارات الأخرى لإزاحة ستارمر أن يوجه إليه غالبية النواب رسالة يطلبون فيها منه التنحي بهدوء، بدلا من إشعال معركة انتخابية مرهقة

وكان ستارمر قد نجا بالكاد من الانزلاق إلى معركة على القيادة، بعدما ردت كاثرين وست، نائبة "حزب العمال" عن هورنزي وفرايرن بارنت، ووزيرة الدولة المساعدة في وزارة الخارجية قبل إقالتها في التعديل الوزاري العام الماضي، على الهزيمة الساحقة للحزب بإطلاق تحد لقيادته.

ومع أنها سحبت تحديها لاحقا، فإنها دعت إلى بدء مسار يضع ستارمر أمام منافسة حقيقية على زعامة الحزب هذا العام، وكتبت إلى زملائها تطلب منهم دعوته إلى إطلاق الخطوات اللازمة لانتخاب زعيم جديد في سبتمبر/أيلول.

غير أن انتهاء هذا المسار بإطاحة ستارمر يظل أمرا آخر تماما، إذ إن النظام الداخلي لـ"حزب العمال" يجعل عزل الزعيم مهمة شديدة الصعوبة. فلم يُطَح أي زعيم لـ"حزب العمال" رسميا في المملكة المتحدة خلال مرحلة ما بعد الحرب، وإن كان بعضهم، ومنهم توني بلير، قد استقال تحت ضغط نواب حزبه.

أ.ف.ب
نايجل فاراج، زعيم حزب الإصلاح في المملكة المتحدة، مع مرشحين محليين في حديقة حانة بمدينة غايويك، شرق إنكلترا، في 7 مايو 2026

وبحسب النظام الداخلي، يتعين على أي مرشح يسعى إلى الحلول محل زعيم جالس أن يحصل على دعم خطي من 20 في المئة من الكتلة البرلمانية للحزب، أي 81 نائبا في الوقت الراهن.

ولكن حتى إذا تمكن مرشح منافس من تأمين العدد المطلوب من النواب الداعمين له، فليس ثمة ما يضمن نجاح مسعاه، خصوصا أن ستارمر تعهد بالترشح مجددا إذا أُرغم على خوض منافسة على القيادة. وهذا يعني أن المنافس أو المنافسين سيضطرون إلى مواجهة رئيس الوزراء مباشرة، ثم يصوت نواب "حزب العمال" لاختيار من يقود الحزب ويتولى رئاسة الحكومة.

وقد يكون من بين الخيارات الأخرى لإزاحة ستارمر أن يوجه إليه غالبية النواب رسالة يطلبون فيها منه التنحي بهدوء، بدلا من إشعال معركة انتخابية مرهقة. كما أن موقع الزعيم البريطاني سيغدو غير قابل للاستمرار إذا أبلغه معظم زملائه في الحكومة أنه لم يعد يحظى بدعمهم. وهذه هي الطريقة التي استخدمها المحافظون عندما دفعوا رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر إلى مغادرة المنصب عام 1990.

السبب الوحيد الذي حال حتى الآن دون مواجهة ستارمر تحديا مباشرا يعود إلى أن اثنين من أبرز منافسيه، لا يستطيعان، إطلاق محاولة للظفر بالقيادة

وقد فاجأ إصرار ستارمر على البقاء في السلطة، على الرغم من الانتقادات المتواصلة التي تتعرض لها قيادته من مختلف أطراف الطيف السياسي، مؤيديه وخصومه على السواء.

وبرزت غريزة البقاء لدى الزعيم البريطاني بوضوح حين عقد أول اجتماع لحكومته بعد نتائج الانتخابات المحلية، في وقت كان يُتوقع فيه أن يواجه دعوات مباشرة من وزراء كبار في حكومته تطالبه بالاستقالة.

وجاء ذلك بعد دعوات وجهتها وزيرة الداخلية شبانة محمود إلى ستارمر كي يحدد جدولا زمنيا لاستقالته، وسط تقارير تفيد بأن وزراء كبارا آخرين، من بينهم وزيرة الخارجية إيفيت كوبر، يوجهون دعوات مماثلة.

أ.ف.ب
ملصق انتخابي لحزب الخضر البريطاني في هارتفيلد، جنوب شرق إنجلترا، قبيل الانتخابات المحلية في المملكة المتحدة التي تم إجراؤها في 7 مايو 2026

لكن ستارمر حال دون أن يفتح الوزراء هذا الملف في الاجتماع، وأصر على أن ينصرف النقاش إلى التداعيات المحتملة للنزاع مع إيران على الاقتصاد البريطاني.

ومع ذلك، ومع مطالبة عشرات من نواب "حزب العمال" ستارمر إما بالاستقالة وإما بتحديد جدول زمني لخروجه لاحقا، يسود وستمنستر توقع عام بأن تحديه على قيادة الحزب هذا العام بات مسألة توقيت أكثر منه مسألة احتمال. وقد بلغت الأزمة السياسية مرحلة بات معها معظم نواب "حزب العمال" يعتقدون أن ستارمر لن يبقى زعيما للحزب مدة تكفي لخوض الانتخابات المقبلة.

والواقع أن السبب الوحيد الذي حال حتى الآن دون مواجهة ستارمر تحديا مباشرا يعود إلى أن اثنين من أبرز منافسيه، نائبة الزعيم السابقة أنغيلا راينر ورئيس بلدية مانشستر آندي بيرنهام، لا يستطيعان، لأسباب مختلفة، إطلاق محاولة للظفر بالقيادة. فلا تزال راينر منخرطة في نزاع ضريبي يمنعها من الترشح قبل تسويته، بينما يحتاج بيرنهام إلى الفوز بمقعد في مجلس العموم قبل أن يتمكن من خوض التحدي.

أما وزير الصحة ويس ستريتينغ، الذي يُنظر إليه أيضا كبديل محتمل، فهو المرشح الوحيد الذي قد يعلن صراحة تحديه لقيادة الحزب، غير أن ثمة شكوكا حول امتلاكه دعما كافيا بين نواب "حزب العمال" الحاليين لإنجاح مسعاه.

font change